عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 11-06-2022, 11:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
المجلد الرابع
صـ 881 الى صـ 886
الحلقة (165)



.
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 86 ] كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين

كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين استبعاد لأن يرشدهم الله للصواب ويوفقهم . فإن الحائد عن الحق ، بعد ما وضح له ، منهمك في الضلال ، بعيد عن الرشاد . وقيل : نفي وإنكار له ، كما قال تعالى : ( إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم [ ص: 881 ] طريقا إلا طريق جهنم والمعني بهذه الآية إما أهل الكتاب ، والمراد كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - حين جاءهم ، بعد إيمانهم به قبل مجيئه ، إذ رأوه في كتبهم ، وكانوا يستفتحون به على المشركين وبعد شهادتهم بحقية رسالته لكونهم عرفوه كما يعرفون أبناءهم ، وجاءهم البينات على صدقه التي آمنوا لمثلها ولما دونها بموسى وعيسى عليهما السلام . فظلموا بحقه الثابت ببيناته وتصديقه الكتب السماوية ، وإما المعني بالآية من ارتد بعد إيمانه ، على ما روي في ذلك كما سنذكره .
ثم بين تعالى الوعيد على كل بقوله :

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 87 ] أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

أولئك أي : الموصوفون بما تقدم : جزاؤهم أن عليهم لعنة الله أي : طرده وغضبه : والملائكة والناس أجمعين المراد بالناس إما المؤمنين أو العموم ، فإن الكافر أيضا يلعن منكر الحق والمرتد عنه ، فقد لعن نفسه .

القول في تأويل قوله تعالى :

[ 88 ] خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون

خالدين فيها أي : في اللعنة أو العقوبة أو النار ، وإن لم يجر ذكرهما لدلالة الكلام عليهما . والتخليد في اللعنة على الأول بمعنى أنهم يوم القيامة لا يزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار ، فلا يخلو شيء من أحوالهم من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء ، أو بمعنى الخلود في أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن ، ونظيره قوله تعالى : من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه - أفاده الرازي - : لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون أي : لا يمهلون ، أو لا ينتظرون ليعتذروا ، أو لا ينظر نظر رحمة إليهم .

[ ص: 882 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 89 ] إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم

إلا الذين تابوا من بعد ذلك أي : الكفر بعد الإيمان : وأصلحوا أي : وضموا إلى التوبة الأعمال الصالحة . وفيه أن التوبة وحدها لا تكفي حتى يضاف إليها العمل الصالح : فإن الله غفور رحيم فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم . وهذا من لطفه وبره ورأفته وعائدته على خلقه : أن من تاب إليه تاب عليه . وقد روى ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ، ولحق بالشرك ثم ندم ، فأرسل إلى قومه : أرسلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل لي من توبة ؟ فنزلت : كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم إلى قوله : فإن الله غفور رحيم فأرسل إليه قومه فأسلم . وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان . وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وروى عبد الرزاق عن مجاهد قال : جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله فيه : كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم إلى قوله : غفور رحيم قال : فحملها إليه رجل من قومه ، فقرأها عليه ، فقال الحارث : إنك والله ، ما علمت ، لصدوق ، وإن رسول الله لأصدق منك ، وإن الله لأصدق الثلاثة ، فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه .

قال ابن سلامة : فصارت فيه توبة ، وفي كل نادم إلى يوم القيامة .

تنبيه :

قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية جواز لعن الكفار ، وسواء كان الكافر معينا [ ص: 883 ] أو غير معين ، على ظاهر الأدلة . وقد قال النووي : ظاهر الأحاديث أنه ليس بحرام . وأشار الغزالي إلى تحريمه إلا في حق من أعلمنا الله أنه مات على الكفر . كأبي لهب وأبي جهل وفرعون وهامان وأشباههم . قال : لأنه لا يدرى بما يختم له . وأما الذين لعنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأعيانهم يجوز أنه - صلى الله عليه وسلم - علم موتهم على الكفر . وأما ما ورد في الترمذي عنه - صلى الله عليه وسلم - : « ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذي » . فقيل : اللعان مثل الضراب للمبالغة . والمعنى : لا يعتاد اللعن حتى يكثر منه . ومن ثمرات الآية صحة التوبة من الكافر والعاصي بالردة وغيرها ، وذلك إجماع ، إلا توبة المرتد ، ففيها خلاف شاذ ، فعند أكثر العلماء أن توبته مقبولة لهذه الآية وغيرها ، وعند ابن حنبل لا تقبل توبته - رواه عنه في ( شرح الإبانة ) قيل : وهو غلط . ولهذه الآية ، ولقوله تعالى في سورة النساء : إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا فأثبت إيمانا بعد كفر تقدمه إيمان . ولو تكررت منه الردة صحت توبته أيضا عند جمهور العلماء ، لقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقال إسحاق بن راهويه : إذا ارتد في الدفعة الثالثة لم تقبل توبته بعد ذلك . أي : لظاهر آية النساء - انتهى - قلت : وفي ( زاد المستقنع ) و ( شرحه ) : من فقه الحنابلة ما نصه : ولا تقبل توبة من تكررت ردته بل يقتل ؛ لأن ذلك يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام - انتهى - وهو قريب من مذهب إسحاق ، وحكى في ( فتح الباري ) مثله عن الليث وعن أبي إسحاق المروزي من أئمة الشافعية .

[ ص: 884 ]
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 90 ] إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون

إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون أي : الذين ضلوا سبيل الحق وأخطأوا منهاجه ، وقد أشكل على كثير قوله تعالى : لن تقبل توبتهم مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها ، وقوله سبحانه : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وغير ذلك ، فأجابوا : بأن المراد عند حضور الموت . قال الواحدي في ( الوجيز ) : لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت ، وتلك التوبة لا تقبل . - انتهى - . أي : كما قال تعالى : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت الآية . وقيل : عدم قبول توبتهم كناية عن عدم توبتهم ، أي : لا يتوبون . كقوله : أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وإنما كنى بذلك تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة ، وقيل : لأن توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا . وبقي للمفسرين وجوه أخرى ، هي في التأويل أبعد مما ذكر . [ ص: 885 ] ولا أرى هذه الآية إلا كآية النساء : إن الذين آمنوا ثم كفروا إلخ . وكلاهما مما يدل صراحة على أن من تكررت ردته لا تقبل توبته ، وإلى هذا ذهب إسحاق وأحمد كما قدمنا ، وذلك لرسوخه في الكفر . وقد أشار القاشاني إلى أن هذه الآية مع التي قبلها يستفاد منها أن الكفرة قسمان في باب العناد ، وعبارته عند قوله تعالى : كيف يهدي الله قوما أنكر تعالى هدايته لقوم قد هداهم أولا بالنور الاستعدادي إلى الإيمان ، ثم بالنور الإيماني إلى أن عاينوا حقية الرسول وأيقنوا بحيث لم يبق لهم ( كذا ) . وانضم إليه الاستدلال العقلي بالبينات ، ثم ظهرت نفسهم بعد هذه الشواهد كلها بالعناد واللجاج وحجبت أنوار قلوبهم وعقولهم وأرواحهم الشاهدة ثلاثتها بالحق للحق ، لشؤم ظلمهم وقوة استيلاء نفوسهم الأمارة عليهم الذي هو غاية الظلم فقال : والله لا يهدي القوم الظالمين لغلظ حجابهم وتعمقهم في البعد عن الحق وقبول النور . وهم قسمان :

قسم رسخت هيئة استيلاء النفوس الأمارة على قلوبهم فيهم وتمكنت ، وتناهوا في الغي والاستشراء ، وتمادوا في البعد والعناد ، حتى صار ذلك ملكة لا تزول . وقسم لم يرسخ ذلك فيهم بعد ، ولم يصر على قلوبهم رينا ، ويبقى من وراء حجاب النفس مسكة من نور استعدادهم ، عسى أن تتداركهم رحمة من الله وتوفيق فيندموا ويستجيبوا بحكم غريزة العقول . فأشار إلى القسم الأول بقوله : إن الذين كفروا بعد إيمانهم إلى آخره ، وإلى الثاني بقوله : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا بالمواظبة على الأعمال والرياضات ، ما أفسدوا - انتهى - .
القول في تأويل قوله تعالى :

[ 91 ] ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا [ ص: 886 ] ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين )

إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين هذه الآية نظير قوله تعالى في سورة المائدة : إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم وقد روى الإمام أحمد والشيخان عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟ قال : فيقول نعم ، فيقول الله : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك » ! وفي رواية للإمام أحمد عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له : يا ابن آدم ! كيف وجدت منزلك ؟ فيقول : أي رب ! خير منزل ، فيقول : سل وتمن ، فيقول : ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات - لما يرى من فضل الشهادة - ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له : يا ابن آدم ! كيف وجدت منزلك ؟ فيقول : أي رب ! شر منزل ، فيقول له : أتفتدي منه بطلاع الأرض ذهبا ؟ فيقول : أي رب ! نعم . فيقول : كذبت ! قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل ، فيرد إلى النار » . ولهذا قال : أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين أي : من منقذ من عذاب الله ولا مجير من أليم عقابه .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.50 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.95%)]