عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 10-06-2022, 10:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام


فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
المجلد الرابع
الحلقة (137)

من صــ 271 الى صـ
ـ 278




وكذلك منهم من يعتقد التربيع في السفر واجبا فيربع فيبتلى بذلك لتقصيره في الطاعة ومنهم من يعتقد تحريم أمور كثيرة من المباحات التي بعضها مباح بالاتفاق وبعضها متنازع فيه؛ لكن الرسول لم يحرمه؛ فهؤلاء الذين اعتقدوا وجوب ما لم يوجبه الله ورسوله وتحريم ما لم يحرمه حمل عليهم إصرا ولم توضع عنهم جميع الآصار والأغلال وإن كان الرسول قد وضعها لكنهم لم يعلموها.
وقد يبتلون بمطاع يلزمهم ذلك فيكون آصارا وأغلالا من جهة مطاعهم: مثل حاكم ومفت وناظر وقف وأمير ينسب ذلك إلى الشرع؛ لاعتقاده الفاسد أن ذلك من الشرع ويكون عدم علم مطاعيهم تيسير الله عليهم عقوبة في حقهم لذنوبهم كما لو قدر أنه سار بهم في طريق يضرهم وعدل بهم عن طريق فيه الماء والمرعى لجهله لا لتعمده مضرتهم أو أقام بهم في بلد غالي الأسعار مع إمكان المقام ببلد آخر.
وهذا لأن الناس كما قد يبتلون بمطاع يظلمهم ويقصد ظلمهم يبتلون أيضا بمطاع يجهل مصلحتهم الشرعية والكونية فيكون جهل هذا من أسباب عقوبتهم كما أن ظلم ذلك من أسباب مضرتهم فهؤلاء لم ترفع عنهم الآصار والأغلال لذنوبهم ومعاصيهم وإن كان الرسول ليس في شرعه آصار وأغلال فلهذا تسلط عليهم حكام الجور والظلم وتساق إليهم الأعداء وتقاد بسلاسل القهر والقدر وذلك من الآصار والأغلال التي لم ترفع عنهم مع عقوبات لا تحصى؛ وذلك لضعف الطاعة في قلوبهم وتمكن المعاصي وحب الشهوات فيها فإذا قالوا {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} دخل فيه هذا.
(فصل في أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية)
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:

ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل؛ مع كونه لم يطلب العلم فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ تحقيقا لقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}. وأهل السنة جزموا بالنجاة لكل من اتقى الله تعالى؛ كما نطق به القرآن وإنما توقفوا في شخص معين؛ لعدم العلم بدخوله في المتقين.
وحال سائر أهل الأقوال الضعيفة الذين يحتجون بظاهر القرآن على ما يخالف السنة إذا خفي الأمر عليهم مع أنه لم يوجد في ظاهر القرآن ما يخالف السنة كمن قال: من الخوارج: لا يصلي في السفر إلا أربعا. ومن قال إن الأربع أفضل. ومن قال: لا نحكم بشاهد ويمين. وما دل عليه ظاهر القرآن حق وأنه ليس بعام مخصوص فإنه ليس هناك عموم لفظي وإنما هو مطلق كقوله: {فاقتلوا المشركين} فإنه عام في الأعيان مطلق في الأحوال وقوله: {يوصيكم الله في أولادكم} عام في الأولاد مطلق في الأحوال. ولفظ الظاهر يراد به ما يظهر للإنسان وقد يراد به ما يدل عليه اللفظ. فالأول يكون بحسب مفهوم الناس وفي القرآن مما يخالف الفهم الفاسد شيء كثير.
وأما قوله: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} فعلى قولين:
قيل: هو من باب التحميل القدري لا من باب التكليف الشرعي أي: لا تبتلينا بمصائب لا نطيق حملها كما يبتلى الإنسان بفقر لا يطيقه أو مرض لا يطيقه أو حدث أو خوف أو حب أو عشق لا يطيقه ويكون سبب ذلك ذنوبه.
وهذا مما يبين أن الذنوب عواقبها مذمومة مطلقا. وقوله: {من يعمل سوءا يجز به} و {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} قول حق وقال تعالى في قصة قوم لوط: {وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم}.
فما من أحد يبتلى بجنس عملهم إلا ناله شيء من العذاب الأليم حتى تعمد النظر يورث القلب علاقة يتعذب بها الإنسان وإن قويت حتى صارت غراما وعشقا زاد العذاب الأليم سواء قدر أنه قادر على المحبوب أو عاجز عنه؛ فإن كان عاجزا فهو في عذاب أليم من الحزن والهم والغم وإن كان قادرا فهو في عذاب أليم من خوف فراقه ومن السعي في تأليفه وأسباب رضاه فإن نزل به الموت أو افتقر تضاعف عليه العذاب وإن صار إلى غيره استبدالا به أو مشاركة قوي عذابه فإن هذا الجنس يحصل فيه من العذاب ما لا يحصل في عشق البغايا وما يحصل مثله في الحلال وإن حصل في الحلال نوع عذاب كان أخف من نظيره وكان ذلك سبب ذنوب أخرى. فإذا دعا الإنسان بهذا الدعاء يخص نفسه ويعم المسلمين فله من ذلك أعظم نصيب كيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {الآيتان من آخر سورة البقرة ما قرأ بهما أحد في ليلة إلا كفتاه} وكيف لا تكفيانه وما دعا به من ذلك لم يحصل له إلا ما حصل لسائر المؤمنين الذين لم يقرءوهما فإن الداعي بهذا الدعاء له منه نصيب يخصه كسائر الأدعية. ومما يبين ذلك أن الصحابة إنما استجيب لهم هذا الدعاء لما التزموا الطاعة لله مطلقا بقولهم:

{سمعنا وأطعنا} ثم أنزل هذا الدعاء فدعوا به فاستجيب لهم. ولهذا كانوا في الحنيفية السمحة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا فيها على عهد أبي بكر خيرا مما كانوا فيها على عهد عمر فلما كانوا في زمن عمر حدث من بعضهم ذنوب أوجبت اجتهاد الإمام في نوع من التشديد عليهم كمنعهم من متعة الحج وكإيقاع الثلاث إذا قالوها بكلمة وكتغليظ العقوبة في الخمر وكان أطوعهم لله وأزهدهم مثل أبي عبيدة ينقاد له عمر ما لا ينقاد لغيره وخفي عليهم بعض مسائل الفرائض وغيرها حتى تنازعوا فيها وهم مؤتلفون متحابون كل منهم يقر الآخر على اجتهاده.

فلما كان في آخر خلافة " عثمان " زاد التغير والتوسع في الدنيا وحدثت أنواع من الأعمال لم تكن على عهد عمر فحصل بين بعض القلوب تنافر حتى قتل عثمان فصاروا في فتنة عظيمة قد قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} أي هذه الفتنة لا تصيب الظالم فقط؛ بل تصيب الظالم والساكت عن نهيه عن الظلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه}.
وصار ذلك سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات وصاروا يختصمون في متعة الحج ونحوها مما لم تكن فيه خصومة على عهد عمر فطائفة تمنع المتعة مطلقا كابن الزبير وطائفة تمنع الفسخ كبني أمية وأكثر الناس وصاروا يعاقبون من تمتع وطائفة أخرى توجب المتعة وكل منهم لا أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم}. والمقصود هنا أن من الذنوب ما يكون سببا لخفاء العلم النافع أو بعضه؛ بل يكون سببا لنسيان ما علم ولاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن بسبب ذلك.
والله سبحانه كان أسكن آدم وزوجه الجنة وقال لهما: {وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} فكل عداوة كانت في ذريتهما وبلاء ومكروه تكون إلى قيام الساعة وفي النار يوم القيامة سببها الذنوب ومعصية الرب تعالى. فالإنسان إذا كان مقيما على طاعة الله باطنا وظاهرا كان في نعيم الإيمان والعلم وارد عليه من جهاته وهو في جنة الدنيا كما في الحديث: {إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قيل: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر} وقال:
{ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة} فإنه كان يكون هنا في رياض العلم والإيمان. وكلما كان قلبه في محبة الله وذكره وطاعته كان معلقا بالمحل الأعلى فلا يزال في علو ما دام كذلك فإذا أذنب هبط قلبه إلى أسفل فلا يزال في هبوط ما دام كذلك ووقعت بينه وبين أمثاله عداوة؛ فإن أراد الله به خيرا ثاب وعمل في حال هبوط قلبه إلى أن يستقيم فيصعد قلبه قال تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} فتقوى القلوب هي التي تنال الله كما قال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فأما الأمور المنفصلة عنا من اللحوم والدماء فإنها لا تنال الله.

و " الباطنية " المنكرون لخلق العالم في ستة أيام ومعاد الأبدان الذين يجعلون للقرآن تأويلا يوافق قولهم عندهم ما ثم " جنة " إلا لذة ما تتصف بها النفس من العلم والأخلاق الحميدة وما ثم " نار " إلا ألم ما تتصف به النفس من الجهل والأخلاق الذميمة السيئة فنار النفوس ألمها القائم بها كحسراتها لفوات العلم أو لفوات الدنيا المحبوبة لها وحجبها إنما هي ذنوبها.
وهذا الكلام مما يذكره أبو حامد في " المضنون به على غير أهله " لكن قد يقول هذا: ليس هو عذاب القبر المذكور في الأجسام؛ بل ذاك أمر آخر مما بينه أهل السنة. ولا نعيم عندهم إلا ما يقوم بالنفس من هذا ولهذا ليس عندهم نعيم منفصل عن النفس ولا عذاب.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]