
10-06-2022, 08:39 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,437
الدولة :
|
|
رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله

كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الثالث -الرهن الصغير
الحلقة (134)
صــــــــــ 187 الى صـــــــــــ193
الجناية على العبد المرهون فيما فيه العقل .
( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وإذا جنى أجنبي على عبد مرهون جناية لا قود فيها على الجاني بحال مثل أن يكون الجاني حرا فلا يقاد منه لمملوك أو يكون الجاني أب العبد المجني عليه أو جده أو أمه أو جدته أو يكون الجاني لم يبلغ أو معتوها أو تكون الجناية مما لا قود فيه بحال مثل المأمومة والجائفة أو [ ص: 187 ] تكون الجناية خطأ فمالك العبد المرهون الخصم في الجناية ، وإن أحب المرتهن حضر الخصومة . وإذا قضي على الجاني بالأرش في العبد المرهون لم يكن لسيد العبد الراهن عفوها ، ولا أخذ أرش الجناية دون المرتهن وخير الراهن بين أن يكون أرش الجناية قصاصا من الدين الذي في عنق العبد أو يكون موضوعا للمرتهن على يدي من كان الرهن على يديه إلى أن يحل الحق .
ولا أحسب أحدا يعقل يختار أن يكون أرش الجناية موضوعا غير مضمون على أن يكون قصاصا وسواء أتت الجناية على نفس العبد المرهون أو لم تأت عليها إذا كانت جناية لها أرش لا قود فيها ، وإن كان أرش الجناية ذهبا أو فضة فسأل الراهن أن يتركه والانتفاع بها كما يترك خدمة العبد وركوب الدابة المرهونة وسكنى الدار وكراءها لم يكن ذلك له ; لأن العبد والدابة والدار عين قائمة معلومة لا تتغير والعبد والدابة ينفعان بلا ضرر عليهما ويردان إلى مرتهنهما والدار لا تحول ، ولا ضرر في سكنها على مرتهنها والدنانير والدراهم لا مؤنة فيها على راهنها ، ولا منفعة لها إلا بأن تصرف في غيرها .
وليس للراهن صرف الرهن في غيره ; لأن ذلك إبداله ، ولا سبيل له إلى إبدالها ، وهي تختلط وتسبك ، ولا تعرف عينها . وإن كان صلحا برضا المرتهن كن أرش جنايته على إبل وهي موضوعة على يدي من الرهن على يديه ، وعلى الراهن علفها وصلاحها ، وله أن يكريها وينتفع بها كما يكون ذلك له في إبل له لو رهنها ، وإن سأل المرتهن أن تباع الإبل فتجعل ذهبا أو ورقا لم يكن ذلك له ; لأن ذلك كعين رهنه إذ رضي به ، كما لو سأل الراهن إبدال الرهن لم يكن ذلك له .
وإن أراد الراهن مصالحة الجاني على عبده بشيء غير ما وجب له لم يكن ذلك له ; لأن ما وجب له يقوم مقامه ومصالحته بغيره إبدال له كأن وجب له دنانير فأراد مصالحته بدراهم إلا أن يرضى بذلك المرتهن فإذا رضي به فما أخذ بسبب الجناية على رهنه فهو رهن له .
وإن أراد سيد العبد المرهون العفو عن أرش الجناية على عبده لم يكن ذلك له إلا أن يبرئه المرتهن أو يوفيه الراهن حقه متطوعا به ، ولو كانت الجناية على العبد أكثر من حق المرتهن مرارا لم يكن له أن يضع شيئا من الجناية كما لو زاد العبد في يديه لم يكن له أن يخرج قيمة زيادته من رقبته إلا أن يتطوع مالك العبد الراهن بأن يدفع إلى المرتهن جميع حقه في العبد حالا ، فإن فعل فذلك له فإن أراد المرتهن ترك الرهن وأن لا يأخذ حقه حالا لم يكن ذلك له وجبر على أخذه إلا أن يشاء إبطال حقه فيبطل إذا أبطله .
( قال ) : والجناية على الأمة المرهونة كالجناية على العبد المرهون ، لا تختلف في شيء إلا في الجناية عليها بما يقع على غيرها فإن ذلك في الأمة ، وليس في العبد بحال وذلك مثل أن يضرب بطنها فتلقي جنينا فيؤخذ أرش الجنين ويكون لمالكه لا يكون مرهونا معها ، وإن نقصها نقصا له قيمة بلا جرح له أرش يبقى أثره لم يكن على الجاني شيء سوى أرش الجنين ; لأن الجنين المحكوم فيه ، وإن جنى على الأمة جناية لها جرح له عقل معلوم أو فيه حكومة وألقت جنينا أخذ من الجاني أرش الجرح أو حكومته فكان رهنا مع الجارية ; لأن حكمه بها دون الجنين ، وكان عقل الجنين لمالكها الراهن ; لأنه غير داخل في الرهن .
والجناية على كل رهن من الدواب كهي على كل رهن من الرقيق لا يختلف في شيء إلا أن في الدواب ما نقصها وجراح الرقيق في أثمانهم كجراح الأحرار في دياتهم ، وفي خصلة واحدة أن من جنى على أنثى من البهائم فألقت جنينا ميتا فإنما يضمن الجاني عليها ما نقصتها الجناية عن قيمتها تقوم يوم جني عليها وحين ألقت الجنين فنقصت ، ثم يغرم الجاني ما نقصها فيكون مرهونا معها ، وإن جنى عليها فألقت جنينا حيا ، ثم مات مكانه ففيها قولان .
أحدهما : أن عليه قيمة الجنين حين سقط ; لأنه جان عليه ، ولا يضمن إن كان إلقاؤه نقص أمه شيئا أكثر [ ص: 188 ] من قيمة الجنين إلا أن يكون جرحا يلزم عيبه فيضمنه مع قيمة الجنين كما قيل في الأمة لا يختلفان . والثاني : أن عليه الأكثر من قيمة الجنين وما نقص أمه ويخالف بينها وبين الأمة يجني عليها فيختلفان في أنه لا قود بين البهائم بحال على جان عليها وللآدميين قود على بعض من يجنى عليهم .
وكل جناية على رهن غير آدمي ، ولا حيوان لا تختلف سواء فيما جنى على الرهن ما نقصه لا يختلف ويكون رهنا مع ما بقي من المجني عليه إلا أن يشاء الراهن أن يجعله قصاصا ، وقيمة ما جنى على الرهن غير الآدميين ذهب أو فضة إلا أن يكون كيل أو وزن يوجد مثله فيتلف منه شيء فيؤخذ بمثله وذلك مثل حنطة رهن يستهلكها رجل فيضمن مثلها ، ومثل ما في معناها .
وإن جنى على الحنطة المرهونة جناية تضر عينها بأن تعفن أو تحمر أو تسود ضمن ما نقص الحنطة تقوم صحيحة غير معيبة كما كانت قبل الجناية وبالحال التي صارت إليها بعد الجناية ثم يغرم الجاني ما نقصها من الدنانير أو الدراهم وأي نقد كان الأغلب بالبلد الذي جنى به جبر عليه ، ولم يكن له الامتناع منه إن كان الأغلب بالبلد الذي جنى به دنانير بدنانير ، وإن كان الأغلب دراهم فدراهم وكل قيمة فإنما هي بدنانير أو بدراهم .
والجناية على العبيد كلها دنانير أو دراهم لا إبل ، ولا غير الدنانير والدراهم إلا أن يشاء ذلك الجاني ، والراهن والمرتهن أخذ إبل وغيرها بما يصح فيكون ما أخذ رهنا مكان العبد المجني عليه إن تلف أو معه إن نقص ويكون ما غرم رهنا مع أصل الرهن إلا أن يشاء الراهن أن يجعله قصاصا كما وصفت .
وإذا جنى الراهن على عبده المرهون كانت جنايته كجناية الأجنبي لا تبطل عنه بأنه مالك له ; لأن فيه حقا لغيره ، ولا تترك بنقص حق غيره ويؤخذ بأرش الجناية على عبده وأمته كما يؤخذ بها الأجنبي فإن شاء أن يجعلها قصاصا من الحق بطل عن المرتهن بقدر أرش الجناية وهكذا لو جنى ابن الراهن أو أبوه أو امرأته على عبده المرهون .
ولو جنى عبد للراهن غير مرهون على عبده المرهون خير الراهن بين أن يفدي عبده بجميع أرش الجناية على عبده المرهون متطوعا أو يجعلها قصاصا من الحق أو يباع عبده فيؤدى أرش الجناية على المرهون فيكون رهنا معه ، ولا تبطل الجناية على عبده عن عبده ; لأن في ذلك نقصا للرهن على المرتهن إلا في أن يرهن الرجل الرجل الواحد العبدين فيجني أحدهما على الآخر والجناية خطأ أو عمد لا قود فيه .
لأن الراهن المالك لا يستحق من ملك عبده المرهون إلا ما كان له قبل الجناية ، وأن المرتهن لا يستحق من العبد الجاني المرهون بالرهن إلا ما كان له قبل الجناية فبهذا صارت الجناية هدرا . وهكذا لو أن رجلا رهن عبدا له بألف درهم ورهنه أيضا عبدا له آخر بمائة دينار أو بحنطة مكيلة فجنى أحدهما على الآخر كانت الجناية هدرا ; لأن المرتهن مستحق لهما معا بالرهن والراهن مالك لهما معا فحالهما قبل الجناية وبعدها في الرهن والملك سواء .
ولو أن رجلا رهن عبدا له رجلا ورهن عبدا له آخر رجلا غيره فجنى أحدهما على الآخر كانت جنايته عليه كجناية عبد أجنبي مرهون ويخير السيد بين أن يفدي العبد الجاني بجميع رأس جناية المجني عليه فإن فعل فالعبد الجاني رهن بحاله ، وإن لم يفعل بيع العبد الجاني فأديت الجناية ، وكانت رهنا فإن فضل منها فضل كان رهنا لمرتهن الجاني ، وإن كان في الجاني فضل عن أرش الجناية فشاء الراهن والمرتهن العبد الجاني بيعه معا بيع ورد فضله رهنا إلا أن يتطوع السيد أن يجعله قصاصا .
وإن دعا أحدهما إلى بيعه وامتنع الآخر لم يجبر على بيعه كله إذا كان في ثمن بعضه ما يؤدي أرش الجناية وجناية المرتهن وأب المرتهن وابنه من كان منه بسبيل وعبده على الرهن كجناية الأجنبي لا فرق بينهما ، وإن كان [ ص: 189 ] الحق حالا فشاء أن تكون جنايته قصاصا كانت ، وإن كان إلى أجل فشاء الراهن أن يجعله قصاصا فعل ، وإن لم يشأ الراهن أخرج المرتهن قيمة جنايته فكانت موضوعة على يدي العدل الموضوع على يديه الرهن ، وإن كان الرهن على يدي المرتهن فشاء الراهن أن يخرج الرهن وأرش الجناية من يديه ، وكانت الجناية عمدا فذلك له ; لأن الجناية عمدا تغير من حال الموضوع على يديه الرهن .
وإن كانت خطأ لم يكن له إخراجها من يديه إلا أن يتغير حاله عن حالة الأمانة إلى حال تخالفها ، وإذا كان العبد مرهونا فجني عليه فسواء برئ الراهن مما في العبد من الرهن إلا درهما أو أقل ، وكان في العبد فضل أو لم يبرأ من شيء منه ، ولم يكن في العبد فضل ; لأنه إذا كان مرهونا بكله فلا يخرجه من الرهن إلا أن لا يبقى فيه شيء من الرهن ، وكذلك لا يخرج شيئا من أرش الجناية عليه ; لأنها كهو ، وكذلك لو كانوا عبيدا مرهونين معا لا يخرج شيء من الرهن إلا بالبراءة من آخر الحق .
ولو رهن رجل رجلا نصف عبده ثم جنى عليه الراهن ضمن نصف أرش جنايته للمرتهن كما وصفت وبطل عنه نصف جنايته ; لأن الجناية على نصفين نصف له لا حق لأحد فيه فلا يلزمه لنفسه غرم ونصف للمرتهن فيه حق فلا يبطل عنه ، وإن كان مالكه لحق المرتهن فيه ، ولو جنى عليه أجنبي جناية كان نصفها رهنا ونصفها مسلما لمالك العبد ، ولو عفا مالك العبد الجناية كلها كان عفوه في نصفها جائزا ; لأنه مالك لنصفه ، ولا حق لأحد معه فيه وعفوه في النصف الذي المرتهن فيه حق مردود .
ولو عفا المرتهن عن الجناية دون الراهن كان عفوه باطلا ; لأنه لا يملك الجناية إنما ملكها للراهن ، وإنما ملك احتباسها بحقه حتى يستوفيه وسواء كان حق المرتهن حالا أو إلى أجل فإن كان إلى أجل فقال : أنا أجعل الجناية قصاصا من حقي لم يكن ذلك له ; لأن حقه غير حال ، وإن كان حالا كان ذلك له إن كان حقه دنانير ، وقضي بالجناية دنانير أو دراهم فقضي بالجناية دراهم ; لأن ما وجب لسيد العبد مثل ما للمرتهن ، وإن قضي بأرش الجناية دراهم والحق على الغريم دنانير فقال : أجعل الجناية قصاصا من حقي لم يكن ذلك له ; لأن الجناية غير حقه ، وكذلك لو قضي بالجناية دراهم وحقه دنانير أو دنانير ، وله دراهم لم يكن له أن يجعل الجناية قصاصا من حقه ; لأن أرش الجناية غير حقه ، وإنما يكون قصاصا ما كان مثلا فأما ما لم يكن مثلا فلا يكون قصاصا ، ولو كان حقه أكثر من قيمة أرش الجناية إذا لم أكره أحدا على أن يبيع ماله بأكثر من قيمته لم أكره رب العبد أن يأخذ بدنانير طعاما ، ولا بطعام دنانير .
وإذا جنى عبد على عبد مرهون فأراد سيد العبد الجاني أن يسلمه مسترقا بالجناية لم يكن ذلك على الراهن إلا أن يشاء ، وإن يشاء الراهن ذلك ، ولم يشأه المرتهن لم يجبر على ذلك المرتهن ، وكذلك لو شاء ذلك المرتهن ، ولم يشأه الراهن لم يجبر عليه ; لأن حقهم في رقبته أرش لا رقبة عبد ورقبة العبد عرض ، وكذلك لو شاء الراهن والمرتهن أن يأخذ العبد الجاني بالجناية ، والجناية مثل قيمة العبد أو أكثر أضعافا وأبى ذلك رب العبد الجاني لم يكن ذلك لهما ; لأن الحق في الجناية شيء غير رقبته ، وإنما تباع رقبته فيصير الحق فيها كما يباع الرهن فيصير ثمنا يقضي منه الغريم حقه .
الرهن الصغير .
( أخبرنا الربيع بن سليمان ) قال أخبرنا الشافعي رحمه الله قال أصل إجازة الرهن في كتاب الله - عز وجل - { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } ( قال الشافعي ) : فالسنة تدل على إجازة الرهن [ ص: 190 ] ولا أعلم مخالفا في إجازته . أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه } .
( قال الشافعي ) : فالحديث جملة على الرهن ، ولم يخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا رهنا دون رهن واسم الرهن يقع على ما ظهر هلاكه وخفي ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم - والله تعالى أعلم - { لا يغلق الرهن بشيء } أي إن ذهب لم يذهب بشيء ، وإن أراد صاحبه افتكاكه ، ولا يغلق في يدي الذي هو في يديه كأن يقول المرتهن قد أوصلته إلي فهو لي بما أعطيتك فيه ، ولا يغير ذلك من شرط تشارطا فيه ، ولا غيره ، والرهن للراهن أبدا حتى يخرجه من ملكه بوجه يصح إخراجه له .
والدليل على هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { الرهن من صاحبه الذي رهنه } ثم بينه وأكده فقال { له غنمه وعليه غرمه } .
( قال الشافعي ) : وغنمه سلامته وزيادته وغرمه عطبه ونقصه .
( قال ) : ولو كان إذا رهن رهنا بدرهم وهو يسوى درهما فهلك ذهب الدرهم فلم يلزم الراهن كان إنما هلك من مال المرتهن لا مال الراهن ; لأن الراهن قد أخذ درهما وذلك ثمن رهنه فإذا هلك رهنه فلم يرجع المرتهن بشيء فلم يغرم شيئا إنما ذهب له مثل الذي أخذ من مال غيره فغرمه حينئذ على المرتهن لا على الراهن .
قال : وإذا كان غرمه على المرتهن فهو من المرتهن لا من الراهن وهذا القول خلاف ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( قال الشافعي ) : فلا أعلم بين أحد من أهل العلم خلافا في أن الرهن ملك للراهن وأنه إن أراد إخراجه من يدي المرتهن لم يكن ذلك له بما شرط فيه وأنه مأخوذ بنفقته ما كان حيا وهو مقره في يدي المرتهن ومأخوذ بكفنه إن مات ; لأنه ملكه .
( قال الشافعي ) : وإذا كان الرهن في السنة ، وإجماع العلماء ملكا للراهن فكان الراهن دفعه لا مغصوبا عليه ، ولا بائعا له ، وكان الراهن إن أراد أخذه لم يكن له وحكم عليه بإقراره في يدي المرتهن بالشرط فأي وجه لضمان المرتهن والحاكم يحكم له بحبسه للحق الذي شرط له مالكه فيه وعلى مالكه نفقته ، وإنما يضمن من تعدى فأخذ ما ليس له أو منع شيئا في يديه ملكه لغيره مما ملكه المالك غيره مما عليه تسليمه ، وليس له حبسه .
وذلك مثل أن يبتاع الرجل العبد من الرجل فيدفع إليه ثمنه ويمنعه البائع العبد فهذا يشبه الغصب ، والمرتهن ليس في شيء من هذه المعاني لا هو مالك للرهن فأوجب عليه فيه بيعا فمنعه من ملكه إياه وعليه تسليمه إليه ، وإنما ملك الرهن للراهن فلا هو متعد بأخذ الرهن من الراهن ، ولا بمنعه إياه فلا موضع للضمان عليه في شيء من حالاته إنما هو رجل اشترط لنفسه على مالك الرهن في الرهن شرطا حلالا لازما استوثق فيه من حقه طلب المنفعة لنفسه والاحتياط على غريمه لا مخاطرا بالارتهان ; لأنه لو كان الرهن إذا هلك هلك حقه كان ارتهانه مخاطرة إن سلم الرهن فحقه فيه ، وإن تلف تلف حقه .
ولو كان هكذا كان شرا للمرتهن في بعض حالاته ; لأن حقه إذا كان في ذمة الراهن وفي جميع ماله لازما أبدا كان خيرا له من أن يكون في شيء من ماله بقدر حقه فإن هلك ذلك الشيء بعينه هلك من المرتهن وبرئت ذمة الراهن قال ، ولم نر ذمة رجل تبرأ إلا بأن يؤدي إلى غريمه ما له عليه أو عوضا منه يتراضيان عليه فيملك الغريم العوض ويبرأ به غريمه وينقطع مالكه عنه أو يتطوع صاحب الحق بأن يبرئ منه صاحبه والمرتهن والراهن ليسا في واحد من معاني البراءة ، ولا البواء .
( قال الشافعي ) : فإن قال قائل : ألا ترى أن أخذ المرتهن الرهن كالاستيفاء لحقه قلت لو كان استيفاء لحقه ، وكان الرهن جارية كان قد ملكها وحل له وطؤها ، ولم يكن له ردها على الراهن ، ولا عليه ، ولو أعطاه ما فيه إلا أن يتراضيا بأن يتبايعا فيها بيعا جديدا ، ولم يكن مع هذا للمرتهن أن يكون حقه إلى سنة فيأخذه اليوم بلا رضا من الذي عليه الحق قال ما هو باستيفاء .
ولكن كيف ؟ قلت [ ص: 191 ] إنه محتبس في يدي المرتهن بحق له ، ولا ضمان عليه فيه ؟ . فقيل له بالخبر ، وكما يكون المنزل محتبسا بإجارة فيه ثم يتلف المنزل بهدم أو غيره من وجوه التلف فلا ضمان على المكتري فيه ، وإن كان المكتري سلف الكراء رجع به على صاحب المنزل ، وكما يكون العبد مؤجرا أو البعير مكرى فيكون محتبسا بالشرط ، ولا ضمان في واحد منهما ، ولا في حر لو كان مؤجرا فهلك .
( قال الشافعي ) : إنما الرهن وثيقة كالحمالة فلو أن رجلا كانت له على رجل ألف درهم فكفل له بها جماعة عند وجوبها أو بعده كان الحق على الذي عليه الحق ، وكان الحملاء ضامنين له كلهم فإن لم يؤد الذي عليه الحق كان للذي له الحق أن يأخذ الحملاء كما شرط عليهم ، ولا يبرأ ذلك الذي عليه الحق من شيء حتى يستوفي آخر حقه ، ولو هلك الحملاء أو غابوا لم ينقص ذلك حقه ورجع به على من عليه أصل الحق .
وكذلك الرهن لا ينقص هلاكه ، ولا نقصانه حق المرتهن وأن السنة المبينة بأن لا يضمن الرهن ، ولو لم يكن فيه سنة كأنا لم نعلم الفقهاء اختلفوا فيما وصفنا من أنه ملك للراهن وأن للمرتهن أن يحبسه بحقه لا متعديا بحبسه دلالة بينة أن الرهن ليس بمضمون .
( قال الشافعي ) قال بعض أصحابنا قولنا في الرهن إذا كان مما يظهر هلاكه مثل الدار والنخل والعبيد وخالفنا بعضهم فيما يخفى هلاكه من الرهن ( قال الشافعي ) واسم الرهن جامع لما يظهر هلاكه ويخفى ، وإنما جاء الحديث جملة ظاهرا وما كان جملة ظاهرا فهو على ظهوره وجملته إلا أن تأتي دلالة عمن جاء عنه أو يقول العامة على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر ، ولم نعلم دلالة جاءت بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصير إليها . ولو جاز هذا بغير دلالة جاز لقائل أن يقول الرهن الذي يذهب به إذا هلك هلك حق صاحبه المرتهن الظاهر الهلاك ; لأن ما ظهر هلاكه فليس في موضع أمانة فهو كالرضا منهما بأنه بما فيه أو مضمون بقيمته .
وأما ما خفي هلاكه فرضي صاحبه بدفعه إلى المرتهن ، وقد يعلم أن هلاكه خاف فقد رضي فيه أمانته فهو أمينه فإن هلك لم يهلك من مال المرتهن شيء فلا يصح في هذا قول أبدا على هذا الوجه إذا جاز أن يصير خاصا بلا دلالة .
( قال الشافعي ) : والقول الصحيح فيه عندنا ما قلنا من أنه أمانة كله لما وصفنا من دفع صاحبه إياه برضاه وحق أوجبه فيه كالكفالة ، ولا يعدو الرهن أن يكون أمانة فلا اختلاف بين أحد أن ما ظهر وخفي هلاكه من الأمانة سواء غير مضمون أو أن يكون مضمونا فلا اختلاف بين أحد أن ما كان مضمونا فما ظهر وخفي هلاكه من المضمون سواء أو يفرق بين ذلك سنة أو أثر لازم لا معارض له مثله ، وليس نعرفه مع من قال هذا القول من أصحابنا .
( قال الشافعي ) : وقد قال هذا القول معهم بعض أهل العلم ، وليس في أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة .
( قال الشافعي ) : وخالفنا بعض الناس في الرهن فقال فيه إذا رهن الرجل رهنا بحق له فالرهن مضمون فإن هلك الرهن نظرنا فإن كانت قيمته أقل من الدين رجع المرتهن على الراهن بالفضل ، وإن كانت قيمة الرهن مثل الدين أو أكثر لم يرجع على الراهن بشيء ، ولم يرجع الراهن عليه بشيء .
( قال الشافعي ) : كأنه في قولهم رجل رهن رجلا ألف درهم بمائة درهم فإن هلكت الألف فمائة بمائة وهو في التسعمائة أمين أو رجل رهن رجلا مائة بمائة فإن هلكت المائة فالرهن بما فيه ; لأن مائة ذهبت بمائة أو رجل رهن رجلا خمسين درهما بمائة درهم فإن هلكت الخمسون ذهبت بخمسين ثم رجع صاحب الحق المرتهن على الراهن بخمسين .
( قال الشافعي ) : وكذلك في قولهم عرض يسوى ما وصفنا بمثل هذا .
( قال الشافعي ) : فقيل لبعض من قال هذا القول هذا قول لا يستقيم بهذا الموضع عند أحد من أهل العلم فقال من جهة الرأي ; لأنكم جعلتم رهنا واحدا مضمونا مرة كله ومضمونا مرة بعضه ومرة بعضه بما فيه ومرة يرجع بالفضل فيه فهو في قولكم لا مضمونا بما يضمن به ما ضمن ; لأن ما [ ص: 192 ] ضمن إنما يضمن بعينه فإن فات فقيمته ، ولا بما فيه من الحق فمن أين قلتم ؟ فهذا لا يقبل إلا بخبر يلزم الناس الأخذ به ، ولا يكون لهم إلا تسليمه ؟ .
قالوا روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال يترادان الفضل قلنا فهو إذا قال يترادان الفضل فقد خالف قولكم وزعم أنه ليس منه شيء بأمانة ، وقول علي إنه مضمون كله كان فيه فضل أو لم يكن مثل جميع ما يضمن مما إذا فات ففيه قيمته .
( قال الشافعي ) : فقلنا قد رويتم ذلك عن علي - كرم الله تعالى وجهه - وهو ثابت عندنا برواية أصحابنا فقد خالفتموه ، وقال فأين ؟ قلنا زعمتم أنه قال يترادان الفضل وأنت تقول إن رهنه ألفا بمائة درهم فمائة بمائة وهو في التسعمائة أمين والذي رويت عن علي رضي الله عنه فيه أن الراهن يرجع على المرتهن بتسعمائة .
قال فقد روينا عن شريح أنه قال : الرهن بما فيه ، وإن كان خاتما من حديد . قلنا فأنت أيضا تخالفه قال وأين ؟ قلنا : أنت تقول إن رهنه مائة بألف أو خاتما يسوى درهما بعشرة فهلك الرهن رجع صاحب الحق المرتهن على الراهن بتسعمائة من رأس ماله وبتسعة في الخاتم من رأس ماله وشريح لا يرد واحدا منهما على صاحبه بحال . فقال : فقد روى مصعب بن ثابت عن عطاء { أن رجلا رهن رجلا فرسا فهلك الفرس فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذهب حقك } .
( قال الشافعي ) : فقيل له أخبرنا إبراهيم عن مصعب بن ثابت عن عطاء قال زعم الحسن كذا ثم حكى هذا القول قال إبراهيم كان عطاء يتعجب مما روى الحسن وأخبرني به غير واحد عن مصعب عن عطاء عن الحسن وأخبرني بعض من أثق به أن رجلا من أهل العلم رواه عن مصعب عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وسكت عن الحسن . فقيل له أصحاب مصعب يروونه عن عطاء عن الحسن فقال نعم ، وكذلك حدثنا ، ولكن عطاء مرسل اتفق من الحسن مرسل .
( قال الشافعي ) ومما يدل على وهن هذا عند عطاء إن كان رواه أن عطاء يفتي بخلافه ويقول فيه بخلاف هذا كله ويقول فيما ظهر هلاكه أمانة وفيما خفي يترادان الفضل وهذا أثبت الرواية عنه ، وقد روي عنه يترادان مطلقه وما شككنا فيه فلا نشك أن عطاء إن شاء الله - تعالى - لا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا مثبتا عنده ويقول بخلافه مع أني لم أعلم أحدا روى هذا عن عطاء يرفعه إلا مصعب والذي روى هذا عن عطاء يرفعه يوافق قول شريح " إن الرهن بما فيه " قال ، وكيف يوافقه ؟ قلنا : قد يكون الفرس أكثر مما فيه من الحق ومثله وأقل ، ولم يرو أنه سأل عن قيمة الفرس وهذا يدل على أنه إن كان قاله رأى أن الرهن بما فيه . قال فكيف لم تأخذ به ؟ .
قلنا : لو كان منفردا لم يكن من الرواية التي تقوم بمثلها حجة فكيف ، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا بينا مفسرا مع ما فيه من الحجة التي ذكرنا وصمتنا عنها قال فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا ، ولم تقبلوه عن غيره ؟ . قلنا : لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ، ولا أثره عن أحد فيما عرفناه عنه إلا ثقة معروف فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه ورأينا غيره يسمي المجهول ويسمي من يرغب عن الرواية عنه ويرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن بعض من لم يلحق من أصحابه المستنكر الذي لا يوجد له شيء يسدده ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ، ولم نحاب أحدا ، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفناه من صحة روايته .
وقد أخبرني غير واحد من أهل العلم عن يحيى بن أبي أنيسة عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن أبي ذئب قال فكيف لم تأخذوا بقول علي فيه ؟ . قلنا : إذا ثبت عندنا عن علي رضي الله عنه لم يكن عندنا وعندك وعند أحد من أهل العلم لنا أن نترك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما جاء عن غيره . قال : فقد روى عبد الأعلى التغلبي عن علي بن أبي طالب شبيها بقولنا قلنا الرواية عن علي رضي الله عنه بأن يترادان الفضل أصح [ ص: 193 ] عنه من رواية عبد الأعلى ، وقد رأينا أصحابكم يضعفون رواية عبد الأعلى التي لا يعارضها معارض تضعيفا شديدا فكيف بما عارضه فيه من هو أقرب من الصحة وأولى بها ؟ ، .
( قال الشافعي ) : وقيل لقائل هذا القول قد خرجت فيه مما رويت عن عطاء يرفعه ومن أصح الروايتين عن علي رضي الله عنه وعن شريح وما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول رويته عن إبراهيم النخعي ، وقد روي عن إبراهيم خلافه وإبراهيم لو لم تختلف الرواية عنه فيما زعمت لا يلزم قوله . وقلت قولا متناقضا خارجا عن أقاويل الناس ، وليس للناس فيه قول إلا ، وله وجه ، وإن ضعف إلا قولكم فإنه لا وجه له يقوى ، ولا يضعف ثم لا تمتنعون من تضعيف من خالف قول من قال يترادان الفضل أن يقول لم يدفعه أمانة ، ولا بيعا ، وإنما دفعه محتبسا بشيء فإن هلك ترادا فضله وهكذا كل مضمون بعينه إذا هلك ضمن من ضمنه قيمته .
( قال الشافعي ) وهذا ضعيف إذ كيف يترادان فضله وهو إن كان كالبيع فهو بما فيه ، وإن كان محتبسا بحق فما معنى أنه مضمون وهو لا غصب من المرتهن ، ولا عدوان عليه في حبسه وهو يبيح له حبسه ؟ .
( قال الشافعي ) : ووجه قول من قال : الرهن بما فيه أن يقول قد رضي الراهن والمرتهن أن يكون الحق في الرهن فإذا هلك هلك بما فيه ; لأنه كالبدل من الحق وهذا ضعيف ، وما لم يتراضيا تبين ملك الراهن على الرهن إلى أن يملكه المرتهن ، ولو ملكه لم يرجع إلى الراهن .
( قال الشافعي ) : والسنة ثابتة عندنا - والله تعالى أعلم بها - قلنا ، وليس مع السنة حجة ، ولا فيها إلا اتباعها مع أنها أصح الأقاويل مبتدأ ومخرجا .
( قال ) : وقيل لبعض من قال هذا القول الذي حكينا : أنت أخطأت بخلاف السنة وأخطأت بخلافك ما قلت . قال : وأين خالفت ما قلت ؟ قلت عبت علينا أن زعمنا أنه أمانة وحجتنا فيه ما ذكرنا وغيرها مما فيما ذكرنا كفاية منه فكيف عبت قولا قلت ببعضه ؟ . قال لي وأين ؟ قلت : زعمت أن الرهن مضمون . قال نعم قلنا : فهل رأيت مضمونا قط بعينه فهلك إلا أدى الذي ضمنه قيمته بالغة ما بلغت ؟ قال لا غير الرهن قلنا فالرهن إذا كان عندك مضمونا لم لم يكن هكذا إذا كان يسوى ألفا وهو رهن بمائة ؟ ؟ .
لم لم يضمن المرتهن تسعمائة لو كان مضمونا كما ذكرت . قال هو في الفضل أمين . قلنا : ومعنى الفضل غير معنى غيره ؟ قال نعم ; لأن الفضل ليس برهن ؟ قال إن قلت ليس برهن . قلت أفيأخذه مالكه . قال : فليس لمالكه أن يأخذه حتى يؤدى ما فيه قلنا لم ؟ قال ; لأنه رهن قلنا فهو رهن واحد محتبس بحق واحد بعضه مضمون وبعضه أمانة . قال : نعم . قلنا : أفتقبل مثل هذا القول ممن يخالفك فلو قال هذا غيرك ضعفته تضعيفا شديدا فيما ترى ، وقلت وكيف يكون الشيء الواحد مدفوعا بالأمر الواحد بعضه أمانة وبعضه مضمون .
( قال الشافعي ) : وقلنا أرأيت جارية تسوى ألفا رهنت بمائة وألف درهم رهنت بمائة أليست الجارية بكمالها رهنا بمائة والألف الدرهم رهن بكمالها بمائة ؟ قال بلى قلنا الكل مرهون منهما ليس له أخذه ، ولا إدخال أحد برهن معه فيه من قبل أن الكل مرهون بالمائة مدفوع دفعا واحدا بحق واحد فلا يخلص بعضه دون بعض قال نعم قلنا وعشر الجارية مضمون وتسعة أعشارها أمانة ومائة مضمون وتسعمائة أمانة ؟ قال نعم قلنا فأي شيء عبت من قولنا ليس بمضمون وهذا أنت تقول في أكثره ليس بمضمون ؟ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|