
10-06-2022, 08:20 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,455
الدولة :
|
|
رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله

كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الثالث - كتاب البيوع
الحلقة (132)
صــــــــــ 173 الى صـــــــــــ178
لا حق له في المال ووكله الراهن والمرتهن ببيعه كان له أن يبيعه ما لم يفسخا ، وكالته وأيهما فسخ وكالته لم يكن له البيع بعد فسخ الوكالة وببيع الحاكم على الراهن إذا سأل ذلك المرتهن ، وإذا باع الموضوع على يديه الرهن بإذن الراهن والمرتهن والحاكم بالبيع بما لا يتغابن أهل البصر به فالبيع مردود . وكذلك إن باع الحاكم بذلك فبيعه مردود ، وإذا باع بما يتغابن الناس بمثله بإذن الراهن والمرتهن بالبيع فالبيع لازم ، وإن وجد أكثر مما باع به ، ولو باع بشيء يجوز فلم يفارق بيعه حتى يأتيه من [ ص: 173 ] يزيده قبل الزيادة ورد البيع فإن لم يفعل فبيعه مردود ; لأنه قد باع له بشيء قد وجد أكثر منه ، وله الرد .
وإذا حل الحق وسأل الراهن بيع الرهن وأبى ذلك المرتهن أو المرتهن وأبى الراهن أمرهما الحاكم بالبيع فإن امتنعا أمر عدلا فباع ، وإذا أمر القاضي عدلا فباع أو كان الرهن على يدي غير المرتهن فباع بأمر الراهن والمرتهن فهلك الثمن لم يضمن البائع شيئا من الثمن الذي هلك في يديه ، وإن سأل الموضوع على يديه الرهن البائع أجر مثله لم يكن له ; لأنه كان متطوعا بذلك كان ممن يتطوع مثله أو لا يتطوع ، ولا يكون له أجر إلا بشرط ، وليس للحاكم إن كان يجد عدلا يبيع إذا أمره متطوعا أن يجعل لغيره أجرا ، وإن كان عدلا في بيعه ويدعو الراهن والمرتهن بعدل وأيهما جاءه بعدل يتطوع ببيع الرهن أمره ببيعه وطرح المؤنة ، وإن لم يجده استأجر على الرهن من يبيعه وجعل أجره في ثمن الرهن ; لأنه من صلاح الرهن إلا أن يتطوع به الراهن أو المرتهن .
وإذا تعدى البائع بحبس الثمن بعد قبضه إياه أو باعه بدين فهرب المشتري أو ما أشبه هذا ضمن قيمة الرهن ، قال أبو يعقوب وأبو محمد : عليه في حبس الثمن مثله وفي بيعه بالدين قيمته .
( قال الشافعي ) : وإذا بيع الرهن فالمرتهن أولى بثمنه حتى يستوفي حقه فإن لم يكن فيه وفاء حقه حاص غرماء الراهن بما بقي من ماله غير مرهون ، وإذا أراد أن يحاصهم قبل أن يباع رهنه لم يكن له ذلك ووقف مال غريمه حتى يباع رهنه ثم يحاصهم بما فضل عن رهنه ، وإن هلك رهنه قبل أن يباع أو ثمنه قبل أن يقبضه حاصهم بجميع رهنه .
وإذا بيع الرهن لرجل فهلك ثمنه فثمنه من الراهن حتى يقبضه المرتهن .
وهكذا لو بيع ما لغرمائه بطلبهم بيعه فوقف ; ليحسب بينهم فهلك هلك من مال المبيع عليه دون غرمائه ، وهو من مال المبيع عليه حتى يستوفي غرماؤه . وإذا رهن الرجل دارا بألف فمات الراهن فطلب المرتهن بيعها فأمر الحاكم ببيعها فبيعت من رجل بألف فهلكت الألف في يدي العدل الذي أمره الحاكم بالبيع وجاء رجل فاستحق الدار على الميت لا يضمن الحاكم ، ولا العدل من الألف التي قبض العدل شيئا بهلاكها في يده ; لأنه أمين وأخذ المستحق الدار ، وكانت ألف المرتهن في ذمة الراهن متى وجد مالا أخذها ، وكذلك ألف المشتري في ذمة الراهن ; لأنها أخذت بثمن مال له فلم يسلم له المال فمتى وجد له مالا أخذها وعهدته على الميت الذي بيعت عليه الدار وسواء كان المبيعة عليه الدار لا يجد شيئا غير الدار أو موسرا في أن العهدة عليه كهي عليه لو باع على نفسه ، وليس الذي بيع له الرهن بأمره من العهدة بسبيل ( قال الشافعي ) : وبيع الرباع والأرضين والحيوان وغيرها من الرهون سواء إذا سلط الراهن والمرتهن العدل الذي لا حق له في الرهن على بيعها باع بغير أمر السلطان ( قال الشافعي ) : ويتأنى بالرباع والأرضين للزيادة أكثر من تأنيه بغيرها فإن لم يتأن وباع بما يتغابن الناس بمثله جاز بيعه ، وإن باع بما لا يتغابن الناس بمثله لم يجز ، وكذلك لو تأنى فباع بما لا يتغابن الناس بمثله لم يجز ، وإن باع بما يتغابن الناس بمثله جاز ; لأنه قد تمكنه الفرصة في عجلته البيع ، وقد يتأنى فيحابي في البيع والتأني بكل حال أحب إلي في كل شيء بيع غير الحيوان وغير ما يفسد .
فأما الحيوان ورطب الطعام فلا يتأنى به ، وإذا باع العدل الموضوع على يديه الرهن الرهن ، وقال : قد دفعت ثمنه إلى المرتهن وأنكر ذلك المرتهن فالقول قول المرتهن وعلى البائع البينة بالدفع ، ولو باعه ثم قال : هلك الثمن من يدي كان القول قوله فيما لا يدعى فيه الدفع ، ولو قيل له بع ، ولم يقل له بع بدين فباع بدين فهلك الدين كان ضامنا ; لأنه تعدى في البيع ، وكذلك لو قال له بع بدراهم والحق دراهم فباع بدنانير أو كان الحق دنانير فقيل له بع بدنانير فباع بدراهم فهلك الثمن كان له ضامنا ، وإن لم يهلك فالبيع في هذا كله مفسوخ ; لأنه بيع تعد ، ولا يملك مال رجل بخلافه . ولو اختلف عليه الراهن والمرتهن فقال الراهن بع بدنانير ، وقال : المرتهن بع بدراهم لم [ ص: 174 ] يكن له أن يبيع بواحد منهما لحق المرتهن في ثمن الرهن وحق الراهن في رقبته وثمنه وجاء الحاكم حتى يأمره أن يبيع بنقد البلد ثم يصرفه فيما الرهن فيه إن كان دنانير أو دراهم ، ولو باع بعد اختلافهما بما الرهن به كان ضامنا ، وكان البيع مردودا ; لأن لكليهما حقا في الرهن .
ولو باع على الأمر الأول ، ولم يختلفا بعد عليه بما الحق به كان البيع جائزا . ولو بعث بالرهن إلى بلد فبيع فيه واستوفى الثمن كان البيع جائزا ، وكان ضامنا إن هلك ثمنه ، وإنما أجزت البيع ; لأنه لم يتعد في البيع إنما تعدى في إخراج المبيع فكان كمن باع عبدا فأخرج ثمنه فيجوز البيع بإذن سيده ويضمن ثمنه بإخراجه بلا أمر سيده .
رهن الرجلين الشيء الواحد .
( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى وإذا رهن الرجلان العبد رجلا ، وقبضه المرتهن منهما فالرهن جائز فإن رهناه معا ثم أقبضه أحدهما العبد ، ولم يقبضه الآخر فالنصف المقبوض مرهون والنصف غير المقبوض غير مرهون حتى يقبض فإذا قبض كان مرهونا ، وإذا أبرأ المرتهن أخذ الراهنين من حقه أو اقتضاه منه فالنصف الذي يملكه البريء من الحق خارج من الرهن ، والنصف الباقي مرهون حتى يبرأ راهنه من الحق الذي فيه ، وهكذا كل ما رهناه معا عبدا كان أو عبيدا أو متاعا أو غيره . وإذا رهناه عبدين رهنا واحدا فهو كالعبد الواحد فإن تراضى الراهنان بأن يصير أحد العبدين رهنا لأحدهما والآخر للآخر فقضاه أحدهما وسأل أن يفك له العبد الذي صار إليه لم يكن ذلك له ونصف كل واحد من العبدين خارج من الرهن ، والنصف الآخر في الرهن ; لأنهما دفعا الرهن صفقة فكل واحد من الرهنين مرهون النصف عن كل واحد منهما فليس لهما أن يقتسماه عليه ، ولا يخرجان حقه من نصف واحد منهما إلى غيره وحظ القاضي منهما الرهن خارج من الرهن .
فلو كان كل واحد منهما رهنه أحد العبدين على الانفراد ثم تقارا في العبدين فصار الذي رهنه عبد الله ملكا لزيد والذي رهنه زيد ملكا لعبد الله فقضاه عبد الله وسأله فك عبده الذي رهنه زيد ; لأنه صار له لم يكن ذلك له وعبد عبد الله الذي رهنه فصار لزيد خارج من الرهن وعبد زيد الذي صار له مرهون بحاله حتى يفتكه زيد ; لأن زيدا رهنه ، وهو يملكه فلا يخرج من رهن زيد حتى يفتكه زيد أو يبرأ زيد من الحق الذي فيه ، ولو كان عبدان بين رجلين فرهناهما رجلا فقالا مبارك رهن عن محمد ، وميمون رهن عن عبد الله كانا كما قال : وأيهما أدى فك له العبد الذي رهن بعينه ، ولم يفك له شيء من غيره .
ولو كانت المسألة بحالها وزاد فيها شرطا أن أينا أدى إليك قبل صاحبه فله أن يفك نصف العبدين أو له أن يفك أي العبدين شاء كان الرهن مفسوخا ; لأن كل واحد منهما لم يجعل الحق محضا في رهنه دون رهن صاحبه فكل واحد منهما في شرط صاحبه مرهون مرة على الكمال وخارج من الرهن بغير براءة من راهنه من جميع الحق ، ولو كانت المسألة بحالها وشرط له الراهنان أنه إذا قضى أحدهما ما عليه فلا يفك له رهنه حتى يقضي الآخر ما عليه كان الشرط فيه باطلا ; لأن الحق أن يكون خارجا من الرهن إذا لم يكن فيه رهن غيره ، وأن لا يكون رهنا إلا بأمر معلوم لا أن يكون مرهونا بأمر غير معلوم وشرط فيه مرة أنه رهن بشيء غير معلوم على المخاطرة فيكون مرة خارجا من الرهن إذا قضيا معا وغير خارج من الرهن إذا لم يقض أحدهما ، ولا يدري ما يبقى على الآخر ، وقد كانا رهنين متفرقين .
ولو كانت المسألة بحالها فتشارطوا أن أحدهما إذا أدى ما عليه دون ما على صاحبه خرج [ ص: 175 ] الرهنان معا ، وكان ما يبقى من المال بغير رهن كان الرهن فاسدا ; لأنهما في هذا الشرط رهن مرة وأحدهما خارج من الرهن أخرى بغير عينه ; لأني لا أدري أيهما يؤدي وعلى أيهما يبقى الدين ، ولو رهن رجل رجلا عبدا إلى سنة على أنه إن جاءه بالحق إلى سنة ، وإلا فالعبد خارج من الرهن كان الرهن فاسدا ، وكذلك لو رهنه عبدا على أنه إن جاءه بحقه عند محله ، وإلا خرج العبد من الرهن وصارت داره رهنا لم تكن الدار رهنا ، وكان الرهن في العبد مفسوخا ; لأنه داخل في الرهن مرة وخارج منه أخرى بغير براءة من الحق الذي فيه ، ولو رهنه رهنا على أنه إن جاءه بالحق ، وإلا فالرهن له بيع فالرهن مفسوخ ; لأنه شرط أنه رهن في حال وبيع في أخرى .
رهن الشيء الواحد من رجلين .
( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى وإذا رهن الرجل العبد من رجلين بمائة فنصفه مرهون لكل واحد منهما بخمسين فإذا دفع إلى أحدهما خمسين فهي له دون المرتهن معه ونصف العبد الذي كان مرهونا عن القاضي منهما خارج من الرهن ، وكذلك لو أبرأ الراهن من حقه كانت البراءة له تامة دون صاحبه ، وكان نصف العبد خارجا من الرهن ونصفه مرهونا ، وإذا دفع إليهما معا خمسين أو تسعين فالعبد كله مرهون بما بقي لهما لا يخرج منه شيء من الرهن حتى يستوفي أحدهما جميع حقه فيه ، فيخرج حقه من الرهن أو يستوفيا معا فتخرج حقوقهما معا والاثنان الراهنان والمرتهنان يخالفان الواحد كما يكون الرجلان يشتريان العبد فيجدان به عيبا فيريد أحدهما الرد بالعيب والآخر التمسك بالشراء فيكون ذلك لهما ، ولو كان المشتري واحدا فأراد رد نصف العبد ، وإمساك نصفه لم يكن له ذلك .
رهن العبد بين الرجلين . ( قال الشافعي ) رحمه الله : وإذا كان العبد بين الرجلين فأذنا لرجل أن يرهنه رجلين بمائة فرهنه بها ووكل المرتهنان رجلا يقبض حقهما فأعطاه الراهن خمسين على أنها حق فلان عليه فهي من حق فلان ونصف العبد خارج من الرهن ; لأن كل واحد منهما مرتهن نصفه فسواء ارتهنا العبد معا أو أحدهما نصفه ثم الآخر نصفه بعده ، وهكذا لو دفعها إلى أحدهما دون الآخر ، ولو دفعها إلى وكيلهما ، ولم يسم لمن هي ثم قال : هي لفلان فهي لفلان فإن قال : هذه قضاء مما علي ، ولم يدفعها الوكيل إلى واحد منهما ثم قال : ادفعها إلى أحدهما كانت للذي أمره أن يدفعها إليه ، وإن دفعها الوكيل إليهما معا فأخذاها ثم قال : هي لفلان لم يكن لأحدهما أن يأخذ من الآخر ما قبض من مال غريمه .
ألا ترى أنه لو وجد لغريمه مالا فأخذه لم يكن لغريمه إخراجه من يديه . وإذا كان المرتهن عالما بأن العبد لرجلين ، وكان الرهن على بيع لم يكن له خيار في نقض البيع ، وإن افتك المرتهن حق أحدهما دون الآخر كما لو رهنه رجلان عبدا كان لأحدهما أن يفتك دون الآخر ، ولا خيار للمرتهن ، وإن كان المرتهن جاهلا أن العبد لاثنين فقضاه الغريم ما قضاه مجتمعا فلا خيار له ، وإن قضاه عن أحدهما دون الآخر ففيها قولان . أحدهما : أن له الخيار في نقض البيع [ ص: 176 ] لأن العبد إذا لم يفك إلا معا كان خيرا للمرتهن . والآخر : لا خيار له ; لأن العبد مرهون كله والله أعلم .
رهن الرجل الواحد الشيئين .
( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وإذا رهن الرجل الرجل عبدين أو عبدا ودارا أو عبدا ، ومتاعا بمائة فقضاه خمسين فأراد أن يخرج من الرهن شيئا قيمته من الرهن أقل من نصف الرهن أو نصفه لم يكن ذلك له ، ولا يخرج منه شيئا حتى يوفيه آخر حقه ، وهكذا لو رهنه دنانير أو دراهم أو طعاما واحدا فقضاه نصف حقه فأراد أن يخرج نصف الطعام أو الدنانير أو الدراهم أو أقل من الدراهم لم يكن ذلك له ، ولا يفك من الرهن شيئا إلا معا ; لأنه قد يعجل بالقضاء التماس فك جميع الرهن أو موضع حاجته منه . ولو كان رجلان رهنا معا شيئا من العروض كلها العبيد أو الدور أو الأرضين أو المتاع بمائة فقضاه أحدهما ما عليه فأراد القاضي والراهن معه الذي لم يقض أن يخرج عبدا من أولئك العبيد قيمته أقل من نصف الرهن لم يكن له ذلك ، وكان عليه أن يكون نصيبه رهنا حتى يستوفي المرتهن آخر حقه ونصيب كل واحد مما رهنا خارج من الرهن وذلك نصيب الذي قضى حقه .
ولو كان ما رهنا دنانير أو دراهم أو طعاما سواء فقضاه أحدهما ما عليه فأراد أن يأخذ نصف الرهن ، وقال الذي أدع في يديك مثل ما آخذ منك بلا قيمة فذلك له ، ولا يشبه الاثنان في الرهن في هذا المعنى الواحد فإذا رهنا الذهب والفضة والطعام الواحد فأدى أحدهما ورضي شريكه مقاسمته كان على المرتهن دفع ذلك إليه ; لأنه قد برئت حصته كلها من الرهن وأن ليس في حصته إشكال إذ ما أخذ منها كما بقي وأنها لا تحتاج إلى أن تقوم بغيرها ، ولا يجوز أن يحبس رهن أحدهما ، وقد قضي ما فيه برهن آخر لم يقض ما فيه .
إذن الرجل للرجل في أن يرهن عنه ما للآذن .
( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى وإذا أذن الرجل للرجل أن يرهن عنه عبدا للآذن فإن لم يسم بكم يرهنه أو سمى شيئا يرهنه فرهنه بغيره ، وإن كان أقل قيمة منه لم يجز الرهن ، ولا يجوز حتى يسمي مالك العبد ما يرهنه به ويرهنه الراهن بما سمى أو بأقل منه مما أذن له به كأن أذن له أن يرهنه بمائة دينار فرهنه بخمسين ; لأنه قد أذن له بالخمسين وأكثر ، ولو رهنه بمائة دينار ودينار لم يجز من الرهن شيء . وكذلك لو أبطل المرتهن حقه من الرهن فيما زاد على المائة لم يجز . وكذلك لو أذن له أن يرهنه بمائة دينار فرهنه بمائة درهم لم يجز الرهن كما لو أمره أن يبيعه بمائة درهم فباعه بمائة دينار أو بمائة شاة لم يجز البيع للخلاف . ولو قال المرتهن : قد أذنت له أن يرهنه فرهنه بمائة دينار . وقال مالك العبد ما أذنت له أن يرهنه إلا بخمسين دينارا أو مائة درهم كان القول قول رب العبد مع يمينه والرهن مفسوخ .
ولو أذن له أن يرهنه بمائة دينار فرهنه بها إلى أجل ، وقال مالك العبد : لم آذن له إلا على أن يرهنه بها نقدا كان القول قول مالك العبد مع يمينه والرهن مفسوخ . وكذلك لو قال : أذنت له أن يرهنه إلى شهر فرهنه إلى شهر ويوم كان القول قوله مع يمينه والرهن مفسوخ . ولو قال : ارهنه بما شئت فرهنه بقيمته أو أقل أو أكثر كان الرهن مفسوخا ; لأن الرهن بالضمان أشبه منه بالبيوع ; لأنه أذن له أن يجعله مضمونا في عنق عبده فلا يجوز أن يضمن عن غيره إلا ما علم قبل ضمانه ، ولو قال : ارهنه بمائة دينار فرهنه بها إلى سنة فقال أردت أن يرهنه [ ص: 177 ] نقدا كان الرهن مفسوخا ; لأن له أن يأخذه إذا كان الحق في الرهن نقدا بافتداء الرهن مكانه .
وكذلك لو رهنه بالمائة نقدا فقال : أذنت له أن يرهنه بالمائة إلى وقت يسميه كان القول قوله ، والرهن مفسوخ ; لأنه قد يؤدي المائة على الرهن بعد سنة فيكون أيسر عليه من أن تكون حالة ، ولا يجوز إذن الرجل للرجل بأن يرهن عبده حتى يسمي ما يرهنه به والأجل فيما يرهنه به . وهكذا لو قال رجل لرجل ما كان لك على فلان من حق فقد رهنتك به عبدي هذا أو داري فالرهن مفسوخ حتى يكون علم ما كان له على فلان ، والقول قوله أبدا وكل ما جعلت القول فيه قوله فعليه اليمين فيه ، ولو علم ماله على فلان فقال لك أي مالي شئت رهن وسلطه على قبض ما شاء منه فقبضه كان الرهن مفسوخا حتى يكون معلوما ، ومقبوضا بعد العلم لا أن يكون الخيار إلى المرتهن .
وكذلك لو قال : الراهن قد رهنتك أي مالي شئت فقبضه ألا ترى أن الراهن لو قال : أردت أن أرهنك داري ، وقال المرتهن : أردت أن أرتهن عبدك أو قال الراهن : اخترت أن أرهنك عبدي ، وقال المرتهن : اخترت أن ترهنني دارك لم يكن الرهن وقع على شيء يعرفانه معا ، ولو قال : أردت أن أرهنك داري فقال المرتهن : فأنا أقبل ما أردت لم تكن الدار رهنا حتى يجدد له بعد ما يعلمانها معا فيها رهنا ويقبضه إياه .
وإذا أذن له أن يرهن عبده بشيء مسمى فلم يقبضه المرتهن حتى رجع الراهن في الرهن لم يجز له أن يقبضه إياه ، وإن فعل فالرهن مفسوخ .
( قال الشافعي ) : ولو أذن له فأقبضه إياه ثم أراد فسخ الرهن لم يكن ذلك له ، وإن أراد الآذن أخذ الراهن بافتكاكه فإن كان الحق حالا كان له أن يقوم بذلك عليه ويبيع في ماله حتى يوفي الغريم حقه ، وإن لم يرد ذلك الغريم أن يسلم ما عنده من الرهن ، وإن كان أذن له أن يرهنه إلى أجل لم يكن له أن يقوم عليه إلى محل الأجل فإذا حل الأجل فذلك له كما كان في الحال الأول .
الإذن بالأداء عن الراهن .
( قال الشافعي ) : رحمه الله تعالى ولو أدى الدين الحال أو الدين المؤجل بإذنه رجع به الآذن في الرهن على الراهن حالا ، ولو أداه بغير إذنه حالا كان الدين أو مؤجلا كان متطوعا بالأداء ، ولم يكن له الرجوع به على الراهن ، ولو اختلفا فقال الراهن الذي عليه الحق : أديت عني بغير أمري ، وقال الآذن له في الرهن : قد أديت عنك بأمرك كان القول قول الراهن المؤدى عنه ; لأنه الذي عليه الحق ; ولأن المؤدى عنه يريد أن يلزمه ما لا يلزمه إلا بإقراره أو ببينة تثبت عليه ، ولو شهد المرتهن الذي أدى إليه الحق على الراهن الذي عليه الحق أن مالك العبد الآذن له في الرهن أدى عنه بأمره كانت شهادته جائزة ويحلف مع شهادته إذا لم يبق من الحق شيء ، وليس ها هنا شيء يجره صاحب الحق إلى نفسه ، ولا يدفع عنها فأرد شهادته له ، وكذلك لو كان بقي من الحق شيء فشهد صاحب الحق المرتهن للمؤدى إليه أنه أدى بإذن الراهن الذي عليه الحق جازت شهادته له ، وكان في المعنى الأول .
ولو أذن الرجل أن يرهن عبدا له بعينه فرهن عبدا له آخر ثم اختلفا فقال مالك العبد : أذنت لك أن ترهن سالما فرهنت مباركا ، وقال الراهن : ما رهنت إلا مباركا ، وهو الذي أذنت لي به ، فالقول قول مالك العبد ، ومبارك خارج من الرهن . ولو اجتمعا على أنه أذن له أن يرهن سالما بمائة حالة فرهنه بها ، وقال مالك العبد : أمرتك أن ترهنه من فلان فرهنته من غيره كان القول قوله والرهن مفسوخ ; لأنه قد يأذن في الرجل الثقة بحسن مطالبته ، ولا يأذن في غيره ، وكذلك لو قال له : بعه من فلان بمائة فباعه من غيره بمائة أو أكثر لم يجز بيعه ; لأنه أذن له في [ ص: 178 ] بيع فلان ، ولم يأذن له في بيع غيره .
وإذا أذن الرجل للرجل أن يرهن عبده فلانا وأذن لآخر أن يرهن ذلك العبد بعينه فرهنه كل واحد منهما على الانفراد وعلم أيهما رهنه أولا فالرهن الأول جائز والآخر مفسوخ ، وإن تداعيا المرتهنان في الرهن فقال أحدهما : رهني أول ، وقال الآخر : رهني أول وصدق كل واحد منهما الذي رهنه أو كذبه أو صدق الراهنان المأذون لهما بالرهن أحدهما ، وكذبا الآخر فلا يقبل قول الراهنين ، ولا شهادتهما بحال ; لأنهما يجران إلى أنفسهما ويدفعان عنها . أما ما يجران إليها فالذي يدعي أن رهنه صحيح يجر إلى نفسه جواز البيع على الراهن ، وأن يكون ثمن البيع في الرهن ما كان الرهن قائما دون ماله سواه وأما الذي يدفع أن رهنه صحيح فأن يقول رهني آخر فيدفع أن يكون لمالك الرهن الآذن له في الرهن أن يأخذه بافتكاك الرهن ، وإن تركه الغريم . وإن صدق مالك العبد المرهون أحد الغريمين فالقول قوله ; لأن الرهن ماله وفي ارتهانه نقص عليه لا منفعة له ، وإن لم يعلم ذلك مالك العبد ، ولم يدر أي الرهنين أولا فلا رهن في العبد ، ولو كان العبد المرهون حين تنازعا في أيديهما معا أو أقام كل واحد منهما بينة أنه كان في يده ، ولم توقت البينتان وقتا يدل على أنه كان رهنا في يد أحدهما قبل الآخر فلا رهن ، وإن وقتت وقتا يدل على أنه كان رهنا لأحدهما قبل الآخر كان رهنا للذي كان في يديه أولا .
وأي المرتهنين أراد أن أحلف له الآخر على دعواه أحلفته له ، وإن أراد أن أحلف لهما المالك أحلفته على علمه ، وإن أرادا أو أحدهما أن أحلف له راهنه لم أحلفه ; لأنه لو أقر بشيء أو ادعاه لم ألزمه إقراره ، ولم آخذ له بدعواه . ولو أن رجلا رهن عبده رجلين وأقر لكل واحد منهما بقبضه كله بالرهن ، فادعى كل واحد منهما أن رهنه ، وقبضه كان قبل رهن صاحبه ، وقبضه ، ولم يقم لواحد منهما بينة على دعواه ، وليس الرهن في يدي واحد منهما فصدق الراهن أحدهما بدعواه فالقول قول الراهن ، ولا يمين عليه للذي زعم أن رهنه كان آخرا ، ولو قامت بينة للذي زعم الراهن أن رهنه كان آخرا بأن رهنه كان أولا كانت البينة أولى من قول الراهن ، ولم يكن على الراهن أن يعطيه رهنا غيره ، ولا قيمة رهن ، ولو أن الراهن أنكر معرفة أيهما كان أولا وسأل كل واحد منهما يمينه وادعى علمه أنه كان أولا أحلف بالله ما يعلم أيهما كان أولا ، وكان الرهن مفسوخا ، وكذلك لو كان في أيديهما معا ، ولو كان في يد أحدهما دون الآخر وصدق الراهن الذي ليس الرهن في يديه كان فيها قولان . أحدهما : أن القول قول الراهن كان الحق الذي أقر له الراهن في العبد أقل من حق الذي زعم أن رهنه كان آخرا أو أكثر ; لأن ذمته لا تبرأ من حق الذي أنكر أن يكون رهنه آخرا ، ولا تصنع كينونة الرهن ها هنا في يده شيئا ; لأن الرهن ليس يملك بكينونته في يده . والآخر : أن القول قول الذي في يديه الرهن ; لأنه يملك بالرهن مثل ما يملك المرتهن غيره .
الرسالة في الرهن
( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وإذا دفع الرجل إلى الرجل متاعا فقال له : ارهنه عند فلان فرهنه عنده فقال الدافع : إنما أمرته أن يرهنه عندك بعشرة ، وقال المرتهن : جاءني برسالتك في أن أسلفك عشرين فأعطيته إياها فكذبه الرسول فالقول قول الرسول والمرسل ولا أنظر إلى قيمة الرهن ، ولو صدقه الرسول فقال : قد قبضت منك عشرين ، ودفعتها إلى المرسل ، وكذبه المرسل كان القول قول المرسل مع يمينه ما أمره إلا بعشرة ولا دفع إليه إلا هي ، وكان الرهن بعشرة ، وكان الرسول ضامنا للعشرة التي أقر [ ص: 179 ] بقبضها مع العشرة التي أقر المرسل بقبضها .
ولو دفع إليه ثوبا فرهنه عند رجل ، وقال الرسول : أمرتني برهن الثوب عند فلان بعشرة فرهنته ، وقال المرسل : أمرتك أن تستسلف من فلان عشرة بغير رهن ولم آذن لك في رهن الثوب فالقول قول صاحب الثوب والعشرة حالة عليه ، ولو كانت المسألة بحالها فقال : أمرتك بأخذ عشرة سلفا في عبدي فلان ، وقال الرسول : بل في ثوبك هذا أو عبدك هذا العبد غير الذي أقر به الآمر فالقول قول الآمر ، والعشرة حالة عليه ولا رهن فيما رهن به الرسول ولا فيما أقر به الآمر ; لأنه لم يرهن إلا أن يجددا فيه رهنا ولو كانت المسألة بحالها فدفع المأمور الثوب أو العبد الذي أقر الآمر أنه أمره برهنه كان العبد مرهونا والثوب الذي أنكر الآمر أنه أمره برهنه خارجا من الرهن ولو أقام المرتهن البينة أن الآمر أمر برهن الثوب وأقام الآمر البينة أنه أمر برهن العبد دون الثوب ولم يرهن المأمور العبد أو أنه نهى عن رهن الثوب كانت البينة بينة المرتهن وأجزت له ما أقام عليه البينة رهنا لأني إذا جعلت بينهما صادقة معا ، لم تكذب إحداهما الأخرى ; لأن بينة المرتهن بأن رب الثوب أكره برهنه قد تكون صادقة بلا تكذيب لبينة الراهن أنه نهى عن رهنه ولا أنه أمر برهن غيره ; لأنه قد ينهى عن رهنه بعد ما يأذن فيه ويرهن فلا ينفسخ ذلك الرهن وينهى عن رهنه قبل أن يرهن ثم يأذن فيه ، فإذا رهنه فلا يفسخ ذلك الرهن ، فإذا كانتا صادقتين بحال لم يحكم لهما حكم المتضادتين اللتين لا تكونان أبدا إلا وإحداهما كاذبة .
شرط ضمان الرهن
( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وإذا رهن الرجل الرجل عبدا بمائة ووضع الرهن على يدي عدل على أنه إن حدث في الرهن حدث ينقص ثمنه من المائة ، أو فات الرهن أو تلف فالمائة مضمونة على أجنبي أو ما نقص الرهن مضمون على أجنبي أو على الذي على يديه الرهن حتى يستوفي صاحب الحق رهنه أو يضمن الموضوع على يديه الرهن أو أجنبي ما نقص الرهن كان الضمان في ذلك كله ساقطا ; لأنه لا يجوز الضمان إلا بشيء معلوم ; ألا ترى أن الرهن إن وفى لم يكن ضامنا لشيء وإن نقص ضمن في شرطه فيضمن مرة دينارا ومرة مائتي دينار ومرة مائة وهذا ضمان مرة ولا ضمان أخرى وضمان غير معلوم ولا يجوز الضمان حتى يكون بأمر معلوم ، ولو رهن رجل رجلا رهنا بمائة وضمن له رجل المائة عن الراهن كان الضمان له لازما ، وكان للمضمون له أن يأخذه بضمانه دون الذي عليه الحق ، وقيل يباع الرهن ، وإذا كان لرجل على رجل حق إلى أجل فزاده في الأجل على أن يرهنه رهنا فرهنه إياه فالرهن مفسوخ والدين إلى أجله الأول .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|