عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06-06-2022, 02:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,606
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عهد الولاة راغب السرجاني

انتصار الفرنجة هو سبب تخلّفهم عن ركب الحضارة:
ربما يبدو هذا العنوان غريبًا على البعض، لكنه في الحقيقة كان ما أثبته الواقع، وشهد به التاريخ، ولقد فطن إلى هذا المعنى بعض المنصفين من مؤرخي أوروبا، قال أناتول فرانس: إن أهم تاريخ في حياة فرنسا هو معركة بواتيه - بلاط الشهداء - حين هزم شارل مارتل الفرسان العرب - المسلمين – في بواتييه سنة 732 م، ففي ذلك التاريخ بدأ تراجع الحضارة العربية أمام الهمجية والبربرية الأوربية... [شوقي أبو خليل - بلاط الشهداء ص:44]
وقفة مع معركة بلاط الشهداء
يقول الله - تعالى -في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ) [فاطر: 5]. فالملاحظ أن المسلمين قد اغتروا بهذه الدنيا التي فتحت عليهم فتنافسوها، وقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((فَوَاللَّهِ، مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)) .
فسنّة لله - تعالى - في خلقه أنه إن فُتحت الدنيا على المسلمين وتنافسوها كما تنافسها من كان قبلهم من الأمم السابقة، فإنها ستهلكهم لا محالة كما أهلكت تلك الأمم السابقة (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا) [فاطر: 43].
أمر آخر كان في جيش المسلمين، وكان من عوامل الهزيمة وهو العنصرية والعصبيّة القبليّة التي كانت بين العرب والبربر في هذه الموقعة، ولقد شاهد الفرنسيون أثر هذا الذي نشأ بين العرب وبين البربر، ووعت الكتب الفرنسية هذا الأمر جيدًا، وظل في ذاكرتها على مدار التاريخ حتى مرت الأيام والسنوات، ودخلت فرنسا بلاد الجزائر واحتلتها من سنة 1830م حتى سنة 1960، وقامت الحركات الاستقلاليّة منذ سنة 1920م وما بعدها، وفكرت فرنسا في القضاء على هذه الحركات الاستقلالية الناشئة، ولم تجد أمامها إلا إشاعة الفتنة بين العرب والبربر، وضرب بعضهم ببعض، فكانت تشيع داخل البربر أنهم قريبون من العنصر الآري -وهو العنصر الأوروبي-، وبعيدون عن العنصر السامي -وهم العرب-، أي أنتم منا ونحن منكم والعرب بيننا غرباء؛ وذلك للتشابه الكبير بين البربر والأوروبيين في الشكل الخارجي، الأمر الذي لا يعترف به الإسلام، ولا يقرّه على الإطلاق؛ فمعيار التفاضل في الإسلام هو التقوى.
ولم تكتف فرنسا بذلك، بل قامت بتكثيف تعليم اللغة الفرنسية في مناطق البربر، في حين منعت تعليم اللغة العربية في هذه المناطق؛ وذلك حتى يتم فصل البربر عن العرب تمامًا في منطقة الجزائر، وهي وإن كانت قد نجحت في أمر اللغة بعض الشيء إلا إنها لم تفلح على الإطلاق في تحويل ديانة البربر الإسلامية إلى النصرانية، فظل البربر على إسلامهم وإن كانت لغتهم قد تغيّرت، في بادئ الأمر كان البربر الذين يعيشون في منطقة الجزائر تسمى قبائل الأمازيغ، وكانوا يمثّلون 15% من شعب الجزائر، ورغم أن لهم لغة خاصة بهم وهي الأمازيغية إلا أنهم كانوا يتمسكون بالعربية، لكن حين قامت فرنسا بهذا الأمر بدأت تُذْكي الروح البربريّة في اللغة المنفردة لهذه القبائل؛ فبدأت تعلم اللغة الأمازيغية، حتى إنها أنشأت في فرنسا عام 1967م أكاديمية خاصة لتعليم اللغة الأمازيغية، وبدأت تكتب اللغة الأمازيغية بحروف لاتينية رغم أنها كانت لغة منطوقة، وليست مكتوبة، قامت فرنسا كذلك بحذف الكلمات العربية التي كانت قد دخلت هذه اللغة وأبدلتها بأخرى أصيلة في اللغة البربرية، وبدأت بالفعل في اجتذاب الشباب من البربر؛ لتعليمهم اللغة الأمازيغية في فرنسا، حتى إنه في عام 1998م أنشأت ما يُسَمّى بالأكاديمية العالمية للبربر، فبدأت تجمع البربر من مناطق المغرب العربي وغرب إفريقيا وتعلمهم اللغة الخاصة بهم، وكل ذلك لفصل العرب عن البربر، تلك الجموع التي ما هي إلا جموع إسلامية ارتبطت برباط العقيدة والدين، لكنها رأت آثار ذلك في وادي برباط وما تلاها فلم تتوان، وفي ذات الوقت الذي تعمل فيه فرنسا جاهدة على إقامة لغة غير العربية في بلد عربي، كانت هي نفسها التي رفضت المشروع الذي تقدم به "جوسبان" رئيس وزرائها إلى شيراك سنة 1999م بإقرار بعض اللغات المحلية داخل فرنسا، والذي ردّ عليه شيراك بقوله: إنك بهذا تريد بلقنة فرنسا
-أي: جعلها كدول البلقان، بلاد متفرقة بحسب العرق وبحسب العنصر-، فهذا الأمر حلال على الجزائر حرام على فرنسا!!.
بعض الأسئلة والرد عليها
بعد استشهاد عَبْد الرّحْمَن الغَافِقِيّ - رحمه الله - في موقعة بلاط الشهداء في منطقة "بواتيه"، وبعد هزيمة المسلمين فيها؛ انسحب المسلمون، وتوقفت الفتوحات الإسلامية في هذه المنطقة. وقبل استكمال الطريق والخوض في تفاصيل ما حدث بعد بلاط الشهداء، هناك بعض الأسئلة المهمّة، والتي نودّ الإجابة عليها وهي:
السؤال الأول: لماذا لم يقم أهل الأندلس بالثورات في عهد الفتح، وأوائل عهد الولاة، رغم ضآلة الحاميات الإسلامية عليهم؟
كان قوام الجيش الإسلامي في بلاد الأندلس أربعة وعشرين ألف مقاتل، كان مع طارق بن زياد اثنا عشر ألفًا، وقد استشهد منهم في وادي برباط ثلاثة آلاف، واستشهد مثلهم في الطريق من وادي برباط إلى طليطلة، فوصل طارق بن زياد إلى "طليطلة" بستة آلاف فقط من الرجال، ثم عبر موسى بن نصير بثمانية عشر ألفًا، فأصبح قوام الجيش الإسلامي أربعة وعشرين ألف مقاتل تم توزيعهم على كل مناطق الأندلس الواسعة، وبعض جنوب فرنسا، كحاميات إسلامية وفاتحين لمناطق أخرى لم تفتح...
فكان التعجب لماذا لم يقم أهل هذه البلاد- على سعتها- بالثورة على المسلمين، أو على الحاميات الإسلامية الموجودة عليهم رغم قلتها الملحوظة، التي لا تقارن بعدد السكان على الإطلاق؟!
ومثل هذا السؤال هو العجب كل العجب، فالسؤال الذي يجب أن يُسأل هو لماذا يثور أهل الأندلس؟ وليس لماذا لم يثوروا؟ كان أهل الأندلس قبل دخول الإسلام يعيشون ظلمًا مريرًا، وضنكًا شديدًا، تُنهب أموالهم، وتنتهك أعراضهم فلا يعترضون، حكامهم في الثروات والقصور يتنعمون، وهم لا يجدون ما يسد الرمق، يزرعون الأرض وغيرهم يأكل ثمارها، بل إنهم يُباعون ويُشترون مع تلك الأرض التي يزرعونها.
فلماذا إذن يثور أهل الأندلس؟! أيثورون من أجل هذا الذي أذاقهم العذاب ألوانًا؟! أم يثورون من أجل ظهور لوذريق أو غيطشة جديد؟! أم يثورون من أجل ذكريات أليمة، مليئة بالجوع والعطش، والنهب والسرقة، والظلم والتعذيب والتنكيل، والفساد والرشوة والجبروت؟!.
ثم ماذا كان البديل المطروح؟ إنه الإسلام الذي حملته أرواح المسلمين الفاتحين، إنه الإسلام الذي حرّم كل ما سبق وجاء ليقول لهم: تعالوا أعطكم بدلاً من الظلم عدلًا ليس هبة مني، لكنه حق لكم ولقومكم وأولادكم ولذريتكم من بعدكم، إنه الإسلام الذي لم يفرق بين حاكم ولا محكوم، فإن حدث لأي منكم مظلمة قام القاضي لا يفرق بين مسلم ولا يهودي ولا نصراني أيًا كان شكله أو لونه أو جنسه.
إنه الإسلام الذي لا يرفع من قيمة الأشخاص بقدر أموالهم أو صورهم أو أجسامهم، إنما بقدر أعمالهم، والأعمال مفتوحة لكم جميعًا، الغني والفقير، الحاكم والمحكوم، إنه الإسلام الذي يقول الحاكم فيه لك: قد رفعنا عنك كل الضرائب إن كنت من المسلمين وكنت غنيًا فلن تدفع إلا (2. 5 %) زكاة لأموالك إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول، وإن كنت فقيرًا فلن تدفع شيئاً، بل ستأخذ من بيت مال المسلمين إلى أن تغتني.
أما إن كنت من غير المسلمين وكنت غنيًا وقادرًا على القتال- وليس غير ذلك- فستدفع جزية هي أقل بكثير من زكاة المسلمين، نظير أن يدافعوا عنك، وإن هم فشلوا في الدفاع عنك فسترد إليك أموالك.
إنه الإسلام، خلاص الشعوب؛ حين عرفه أهل الأندلس تمسّكوا به واعتنقوه اعتناقًا ولم يرضوا عنه بديلًا، فكيف يحاربونه ويضحّون بهذا النعيم المقيم في الدنيا والآخرة، من أجل حياة المرارة والعذاب والذل والحرمان؟!.
السؤال الثاني: هل من المعقول أن كل أهل الأندلس أُعجبوا بهذا الدين، ولم يكن هناك ولو رجل واحد يثور ويعترض حبًا في سلطان أو مصلحة كانت قد ضيّعت عليه؟!.
والإجابة عن هذا السؤال هي: نعم؛ كان هناك كثير من الناس من أصحاب المصالح الذين كان لهم أعوان كثيرون أرادوا أن يثوروا على حكم الإسلام؛ ليسترجعوا مجدهم، ويحققوا مصالح كانت لهم، أمّا لماذا لم يثوروا؟ فالجواب عنده - سبحانه وتعالى - في قوله: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) [الحشر: 13].
فالمؤمن في الفتوحات الإسلامية كانت له رهبة في قلوب النصارى واليهود، وفي قلوب المشركين بصفة عامة، فالله - سبحانه وتعالى - يلقي على المؤمن جلالاً ومهابةً فيخافه القريب والبعيد، يقول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه البخاري: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)). ويقول - سبحانه وتعالى -: (فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) [الحشر: 2].
والعجب أن هذا الرعب لم يكن متولدًا عن بشاعة في الحرب، أو عن إجرام منقطع النظير، إنما هي هبة ربانية لجنده ولأوليائه ولحزبه - سبحانه وتعالى -، بل على عكس ذلك تمامًا كانت حرب الإسلام رحمةً للناس كل الناس، فها هو - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في صحيح مسلم عن بُريدة - رضي الله عنه - حين كان يودع الجيوش فكان يخاطبهم قائلا: ((اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا)). وفي رواية: ((وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً)).
فأين هذا من حروب غير المسلمين مع المسلمين؟! أين هذا من قتل مائتي ألف مسلم من المدنيين في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟! أين هذا من فعل الروس في الشيشان، وفعل الهنود في كشمير، وفعل اليهود في فلسطين، وفعل أمريكا في العراق؟!.
فرغم أن الرهبة والرعب أُلقيت في قلوب الأعداء، إلا أن حروب المسلمين كانت رحمة على العالمين، حتى لقد سعد الذين لم يدخلوا في الإسلام من اليهود والنصارى في ظل حكم الإسلام أيما سعادة (لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8].
فقد تُركَتْ لهم كنائسُهم، وكان لهم قضاء خاص بهم، ولم يفرّق بين مسلم ونصراني ويهودي في مظلمة، فكان العجب حقًا أن يثوروا، العجب كل العجب أن ينقلبوا على الإسلام، والعجب كل العجب أن يرفضوا حكم الإسلام، وقد جاء من عند حكيم خبير، يعلم ما يصلح كونه وأرضه وعبيده (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19].
السؤال الثالث: وهو خاص بعوامل الهزيمة في بلاط الشهداء، إذ كيف تتعلق قلوب هذا الجيل القريب من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته - وهو جيل التابعين أو تابعي التابعين - بالغنائم وحب الدنيا، وكيف تظهر فيهم هذه العنصرية القبلية؟!.
وللإجابة على الشق الأول من هذا السؤال، نقول: إذا كانت هذه العوامل قد حدثت في سنة 114 هـ= 732م، فإنها قد حدثت مع الصحابة -رضوان الله عليهم- في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنة 3هـ= 625م وذلك في غزوة أُحد، والتي نزل فيها قوله - تعالى - مخاطبًا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ) [آل عمران: 152]. وكأن غزوة أُحدٍ تعيد نفسَها من جديد في "بلاط الشهداء".
فقد نزلت هذه الآية في الصحابة -رضوان الله عليهم- حين خالفوا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزل الرماة وتركوا مواقعهم بعد أن تيقنوا بالنصر، وذلك طلبًا للغنيمة، فكانت الهزيمة بعد النصر، حتى إن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: ما كنت أحسب أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ] [آل عمران: 152].
وهكذا في بلاط الشهداء، كانت الغلبة للمسلمين في أول المعركة في أول يومين أو أول ثلاثة أيام، ثم لما التفّ النصارى حول الغنائم يأخذونها، وكان قد وقع حبها في قلوب المسلمين، حدث الانكسار في الجيش ثم هُزموا.
يقول ابن كثير - رحمه الله - في تفسير قوله - تعالى -: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُم ْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 152]. يقول: لقد عفا عنكم أي: لم يستأصلكم في هذه الموقعة، وأعطاكم الفرصة للقيام من جديد.
وهكذا أيضاً في بلاط الشهداء، لم يُستأصل الجيش الإسلامي، لكنه عاد وانسحب ليقوم من جديد.
وإذا جئنا إلى ما قبل أُحد وإلى الرعيل الأول من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في غزوة بدر وجدنا أيضًا صورةً من صور بلاط الشهداء، وذلك حين انتصر المسلمون ثم اختلفوا على الغنائم، حتى إن سورة الأنفال التي نزلت بعد ذلك تعظّم من هذا النصر المجيد قد بدأت بقوله - تعالى -: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأنفال: 1]. كلام له وقع السهام على الصحابة، لكنه أمر قد حدث، وهو أصيل في النفس البشرية.
ومن هنا فما حدث في بلاط الشهداء ليس بجديد؛ لأنه من عيوب النفس، وقد حدث مثله في بدر، وفي أحد، لكن كان هناك اختلافًا، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد غزوة أحد تدارك الأمر بسرعة؛ فحمّس المسلمين على الجهاد، وذكّرهم بالآخرة، حتى قاموا في حمراء الأسد فكانت الغلبة وردّ الاعتبار، أما في بلاط الشهداء فإن كان قد قام من جديد رجل من المسلمين وهو عقبة بن الحجاج - رحمه الله - يحمّس المسلمين، ولكن بعد العودة إلى الأندلس، إلا إنه لم تحدث موقعة بعد بلاط الشهداء كما حدثت حمراء الأسد مباشرة بعد أحد.
كذلك كان الاختلاف في أن غالب جيش المسلمين في بلاط الشهداء باستثناء عبد الرحمن الغافقي - رحمه الله - الذي استشهد لم يزل حب الدنيا وحبّ الغنائم رابضًا في قلبه، فهم يريدون الدنيا، أما في أُحد فقد قال عنهم - سبحانه وتعالى -: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ) [آل عمران: 152]. ولذلك لم يعد المسلمون بعد بلاط الشهداء مباشرة كما عادوا بعد أحد.
ومن أوجه الشبه الكبير أيضاً بين "أحد" "وبلاط الشهداء"، أنه عندما أُشيع خبر وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أحد حدث الانكسار، وحدث الفرار والهزيمة المرّة، وكذلك بالنسبة إلى بلاط الشهداء، فحين قتل عبد الرحمن الغافقي - رحمه الله - انسحب المسلمون، وانكمشوا على أنفسهم إلى الداخل، وهنا تكمن العبرة والعظة من أحداث المسلمين المتكررة والشديدة الشبه.
مسألة القومية والعنصرية
وهي الشق الثاني من السؤال، وكسابقتها فإن مسألة القومية والعنصرية كانت قد ظهرت أيضاً في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لا يعد قدحًا في هذا العهد أو في هؤلاء الصحابة بقدر ما هو بيان لأمور فُطرت وجُبلت عليها النفس الآدمية، لكن فرق بين أن تعود هذه النفس إلى طريق بارئها وبين أن تتمادى في غيّها.
ولعلنا نذكر هنا تلك الحادثة المشهورة التي حدثت بين أبي ذر وبين بلال - رضي الله عنهما -، حين عيّره أبو ذر بأمه في خلاف بينهما قائلاً لبلال: يا ابن السوداء، فذهب بلال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغاضبًا يحكى له ما حدث، فما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن غضب غضبًا شديدًا وقال لأبي ذر: ((طَفُّ الصَّاعِ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلْ، وَلْيُلْبِسهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ)) .
وفي رواية أَنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((وَالَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، أَنْ يَحْلِفَ مَا لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٍ إِلَّا بِعَمَلٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا كَطَفِّ الصَّاعِ)).
والعبرة هنا بردّ فعل أبي ذر - رضي الله عنه - حيال هذا الغضب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحيال هذا الذنب الذي اقترفه، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع رأسه على التراب مُصرًا على أن يطأ وجهه بلال - رضي الله عنه - بقدمه حتى يكفّر عن خطيئته تلك، وكان ردّ فعل بلال - رضي الله عنه - أن غفر لأبي ذر، ورفض أن يطأ وجهه، وقد حدث مثل هذا أيضًا بين الأوس والخزرج حين فَتَنَ بينهم شاسُ بنُ قيس، فقال الأوس: يا للأوس، وقال الخزرج: يا للخزرج، وحينها أيضًا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((اللَّهَ اللَّهَ! أَبْدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرْكُمْ، دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)) والحديث في البخاري ومسلم.
وليس أدل على تلك القبلية مما حدث بمجرد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من فتنة بني حنيفة، واجتماع الناس حول مسيلمة الكذاب، حتى سُئل رجل من أتباع مسيلمة: أتعلم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - صادق ومسيلمة كاذب؟ فأجاب قائلاً: والله أعلم أن محمدًا صادق، وأن مسيلمةَ كاذب، ولكن كاذب بني ربيعة، أحب إليّ من صادق مضر. هكذا كانت النظرة قَبَلِيّة تمامًا في نظر هذا الرجل، ولو لَمَسَ الإيمانُ قلبه ما قال مثل قولته هذه.
إذن فقد ظهرت العنصرية والقبلية منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتدارك هذا الأمر بسرعة، ويحفّز الناس بالإيمان ويقرّبهم إلى ربهم، ويذكّرهم بالآخرة (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ) [الذاريات: 55]. فسرعان ما يتجاوزن ما حدث ولا يعودون، روى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنِّي جَعَلْتُ نَسَبًا وَجَعَلْتُمْ نَسَبًا، فَجَعَلْتُ أَكْرَمَكُمْ أَتْقَاكُمْ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ خَيْرٌ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْفَعَ نَسَبِي وَأَضَعُ نَسَبَكُمْ)). ويقول - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) [المؤمنون: 101-103].
الأحداث بعد بلاط الشهداء وعودة المسلمين إلى الأندلس.
بعد عودة المسلمين إلى الأندلس، قام فيهم عقبة بن الحجّاج السلولي - رحمه الله -، وتولّى الولاية من سنة 116 هـ= 734 م إلى سنة 123 هـ= 741 م، ويُعدّ آخر المجاهدين بحقٍّ في فترة عهد الولاة الأُول.
وقد خُيّر هذا الرجل بين إمارة إفريقيا بكاملها -كل الشمال الأفريقي- وبين إمارة الأندلس، ففضل إمارة الأندلس؛ لأنّها أرض جهاد حيث ملاصقتها لبلاد النصارى، فأقام مجاهدًا فاتحًا حتى بلغ أربونة، وفتح معها جليقية وبنبلونة، وكان إذا أسر الأسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام، ويقبح له عبادة الأصنام [الأعلام للزركلي جـ 4 ص 220].
قال صاحب البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب (جـ 1 / ص 151): وأقام عقبة بالأندلس بأحسن سيرة وأجملها، وأعظم طريقة وأعدلها...
وقال المقرّي في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (جـ 1 / ص 236): وولي عقبة بن الحجاج السّلولي من قبل عبيد الله بن الحبحاب، فأقام خمس سنين محمود السيرة مجاهداً مظفّراً...
وقد قام - رحمه الله - خلال سنوات إمارته السبع بأكثر من سبع حملات داخل فرنسا، وكان ينزل إلى الأسرى بنفسه يعلّمهم الإسلام، حتى إنه أسلم على يديه ألفان من الأسرى ((لَأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))، فكيف بألفين!.
ولقد استشهد عقبة بن الحجّاج - رحمه الله - سنة 123 هـ= 741م، وباستشهاده يكون قد انتهى عهد الولاة الأُول أو الفترة الأولى من عهد الولاة.
الفترة الثانية: من عهد الولاة وأهم سماتها
تبدأ هذه الفترة من انتهاء العهد الأول من عهد الولاة سنة 123 هـ= 741 م وحتى سنة 138 هـ= 755 م، وترجع بذور هذا العهد إلى موقعة "بلاط الشهداء"، حيث حبّ الغنائم والنزعة العنصرية والقبلية...
أهم سمات هذه الفترة:
1- حب الدنيا:
في أول هذا العهد كانت الأموال كثيرة، والغنائم ضخمة، وفتحت الدنيا عليهم، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ مِمَّا أَخَاُف عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا)). وهكذا فُتحت الدنيا على المسلمين، وانخرطوا فيها؛ فتأثّر بذلك إيمانُهم.
2- تفاقم العنصرية والقبلية:
وتبعًا لتأثّر الإيمان ظهرت العنصرية بصورة كبيرة، وحدثت انقسامات كثيرة في صفوف المسلمين داخل الأندلس، حدثت انقسامات بين العرب والبربر، وكانت جذور هذه الانقسامات منذ بلاط الشهداء، ثم حدثت انقسامات بين العرب أنفسِهم، بين المضريين والحجازيين، وبين العدنانيين (أهل الحجاز) والقحطانيين (أهل اليمن)، حتى إنه كان هناك خلافات وحروب كثيرة بين أهل اليمن وأهل الحجاز.
ولقد وصل الأمر إلى أن حدثت انقسامات بين أهل الحجاز أنفسِهم، بين الفهريين وبين الأمويين، بين بني قيس وبني ساعدة، وهكذا انقسم أهل الحجاز بعضهم على بعض.
3- ظلم الولاة:
وإضافة إلى حبّ الغنائم وتفاقم القبلية والنزعة العنصرية، وكخطوة لاحقة لهذا ظهر ما يمكن أن نسميه ظلم الولاة، فقد تولّى أمر المسلمين في الأندلس ولاة ظلموا الناس، وألهبوا ظهورهم بالسياط، كان منهم - على سبيل المثال - عبد الملك بن قَطَن، ملأ هذا الوالي الأرض ظلمًا وجورًا، قسم الناس بحسب العنصرية وبحسب القبلية، أعطى المضريين وحدهم من الغنائم، ومنع البربر وغيرهم، فانقسم الناس عليه وانقلبوا.
وعلى دربه سار يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي تولى من سنة 130 هـ= 748 م وحتى آخر هذه الفترة وآخر عهد الولاة كلية سنة 138 هـ= 755 م فقد انفصل هذا الوالي بالحكم كليّة عن الخلافة الأموية، وادعى أن إمارة الأندلس إمارة مستقلة، بالإضافة إلى إذاقة الناس من العذاب ألوانًا، فحدثت انكسارات جديدة، وثورات عديدة، بلغت أكثر من ثلاثين ثورة داخل بلاد الأندلس.
4- ترك الجهاد:
منذ قليل كنا نتحدث عن الانتصارات الإسلامية، والتاريخ المجيد، وفتح الأندلس، وفتح فرنسا، ثم ها هي الدنيا إذا تمكنت من القلوب، وها هي العنصرية، وها هو ظلم الولاة يسلم الناس إلى هذه الثورات، وكرد فعل طبيعي جدا لكلِّ هذا، ترك الناس الجهاد، وتوقفت الفتوحات في فرنسا، وتوقفت الحروب ضد النصارى في الشمال الغربي في منطقة الصخرة، والتي كان يتمركز بها مجموعة لا بأس بها من النصارى منذ الفتح الأول لبلاد الأندلس، وكقاعدة ربانية وسنة إلهية فما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، يروي أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ -نوع من الربا-، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)). وهكذا كان حين ترك المسلمون الجهاد في فرنسا وأرض الأندلس، فسلط الله عليهم الذلّ، وانقسموا على أنفسهم، وانشغلوا بدنياهم.
أهم أحداث الفترة الثانية من عهد الولاة.
نظرًا لتفاعل الأمور السابقة بعضها مع بعض، نستطيع بإيجاز شديد أن نلّخص أهمّ الأحداث التي تمخّضت عنها الفترة الثانية والأخيرة من عهد الولاة فيما يلي:
أولاً: فُقدت كل الأراضي الإسلامية في فرنسا باستثناء مقاطعة "سبتمانيا"، والتي كانت قد فُتحت بسرية من سرايا موسى بن نصير، كما ذكرنا قبل ذلك.
ثانياً: ظهرت مملكة نصرانية في المنطقة الشمالية الغربية عند منطقة الصخرة تسمى: "مملكة ليون".
ثالثاً: انفصل إقليم الأندلس عن الخلافة الإسلامية - الأموية في ذلك الوقت -، وذلك على يد يوسف بن عبد الرحمن الفهري، كما ذكرنا قبل قليل.
رابعاً: انقسمت الأندلس إلى فرق عديدة متناحرة، وثورات لا نهائية، كلٌّ يريد التملك والتقسيم وفق عنصره وقبيلته.
خامساً: أمر خطير جدًا وهو ظهور فكر الخوارج الذين جاءوا من الشام، واعتناق البربر له، وذلك أن البربر كانوا يعانون ظلمًا شديدًا وعنصرية بغيضة من قِبل يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ فاضطروا إلى قبول هذا الفكر الخارج عن المنهج الإسلامي الصحيح واعتناقه؛ خلاصًا مما يحدث لهم ممن ليسوا على فكر الخوارج.
سادساً: زاد من خطورة هذا الموقف ذلك الحدث الجسيم الذي صدع الأمة الإسلامية في سنة 132 هـ= 750 م وهو سقوط الخلافة الأموية، وقيام الخلافة العباسية، والذي كان قيامًا دمويًا رهيبًا، انشغل فيه العباسيون بالقضاء على الأمويين، ومن ثَمّ فقد ضاعت قضية الأندلس وغابت تمامًا عن الأذهان

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]