
تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (2)
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
من صــ 249الى صــ 255
الحلقة (107)
الثامنة عشرة : قوله تعالى : بالمعروف يعني بالعدل ، لا وكس فيه ولا شطط ، وكان هذا موكلا إلى اجتهاد الميت ونظر الموصي ، ثم تولى الله سبحانه تقدير ذلك على لسان نبيه عليه السلام ، فقال عليه السلام : الثلث والثلث كثير ، وقد تقدم ما للعلماء في هذا ، وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها لكم زكاة . أخرجه الدارقطني عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الحسن : لا تجوز وصية إلا في الثلث ، وإليه ذهب البخاري واحتج بقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله ، فمن تجاوز ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد على الثلث فقد أتى ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، وكان بفعله ذلك عاصيا إذا كان بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عالما . وقال الشافعي : وقوله الثلث كثير يريد أنه غير قليل .
التاسعة عشرة : قوله تعالى : حقا يعني : ثابتا ثبوت نظر وتحصين ، لا ثبوت فرض ووجوب بدليل قوله : على المتقين وهذا يدل على كونه ندبا ; لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين ، فلما خص الله من يتقي ، أي يخاف تقصيرا ، دل على أنه غير لازم إلا فيما يتوقع تلفه إن مات ، فيلزمه فرضا المبادرة بكتبه والوصية به ; لأنه إن سكت عنه كان تضييعا له وتقصيرا منه ، وقد تقدم هذا المعنى ، وانتصب حقا على المصدر المؤكد ، ويجوز في غير القرآن " حق " بمعنى ذلك حق .
الموفية عشرين : قال العلماء : المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية ، وإنما هي من حديث ابن عمر ، وفائدتها : المبالغة في زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبة مشهودا بها وهي الوصية المتفق على العمل بها ، فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب خطا ، فلو كتبها بيده ولم يشهد فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه .
الحادية والعشرون : روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : كانوا يكتبون في صدور وصاياهم ( هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وأوصى من [ ص: 250 ] ترك بعده من أهله بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم ، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين ، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب : يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) .
قوله تعالى : فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم
فيه أربع مسائل :
الأولى : قوله تعالى : فمن بدله شرط ، وجوابه فإنما إثمه على الذين يبدلونه و " ما " كافة ل " إن " عن العمل . وإثمه رفع بالابتداء ، على الذين يبدلونه موضع الخبر ، والضمير في بدله يرجع إلى الإيصاء ، لأن الوصية في معنى الإيصاء ، وكذلك الضمير في سمعه ، وهو كقوله : فمن جاءه موعظة من ربه أي وعظ ، وقوله : إذا حضر القسمة أي المال ، بدليل قوله " منه " ، ومثله قول الشاعر :
ما هذه الصوت
أي الصيحة ، وقال امرؤ القيس :
برهرهة رؤدة رخصة كخرعوبة البانة المنفطر
والمنفطر المنتفخ بالورق ، وهو أنعم ما يكون ، ذهب إلى القضيب وترك لفظ الخرعوبة . وسمعه يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه ، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده ، وذلك عدلان ، والضمير في إثمه عائد على التبديل ، أي إثم التبديل عائد على [ ص: 251 ] المبدل لا على الميت ، فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي . وقيل : إن هذا الموصي إذا غير الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم .
الثانية : في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ذمته وحصل الولي مطلوبا به ، له الأجر في قضائه ، وعليه الوزر في تأخيره ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في أدائه ، وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه .
الثالثة : ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز ، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه ، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث ، قاله أبو عمر .
الرابعة : قوله تعالى : إن الله سميع عليم صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المعتدين .
قوله تعالى : فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم
فيه ست مسائل :
الأولى : قوله تعالى : فمن خاف من شرط ، وخاف بمعنى خشي ، وقيل : علم ، والأصل خوف ، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها ، وأهل الكوفة يميلون خاف ليدلوا على الكسرة من فعلت . " من موص " بالتشديد قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ، وخفف الباقون ، والتخفيف أبين ; لأن أكثر النحويين يقولون " موص " للتكثير ، وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم . جنفا من جنف يجنف إذا جار ، والاسم منه جنف وجانف ، عن النحاس ، وقيل : الجنف الميل . قال الأعشى :
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا
وفي الصحاح : " الجنف " الميل ، وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا مال ، ومنه قوله تعالى : فمن خاف من موص جنفا . قال الشاعر [ هو عامر الخصفي ] : [ ص: 252 ]
هم المولى وإن جنفوا علينا وإنا من لقائهم لزور
قال أبو عبيدة : المولى ها هنا في موضع الموالي ، أي بني العم ، كقوله تعالى : ثم يخرجكم طفلا ، وقال لبيد :
إني امرؤ منعت أرومة عامر ضيمي وقد جنفت علي خصومي
قال أبو عبيدة : وكذلك الجانئ ( بالهمز ) وهو المائل أيضا ، ويقال : أجنف الرجل ، أي جاء بالجنف . كما يقال : ألام ، أي أتى بما يلام عليه ، وأخس ، أي أتى بخسيس ، وتجانف لإثم ، أي مال ، ورجل أجنف ، أي منحني الظهر ، وجنفى ( على فعلى بضم الفاء وفتح العين ) : اسم موضع ، عن ابن السكيت ، وروي عن علي أنه قرأ " حيفا " بالحاء والياء ، أي ظلما ، وقال مجاهد : فمن خاف أي من خشي أن يجنف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الأذية ، أو يأتيها دون تعمد ، وذلك هو الجنف دون إثم ، فإن تعمد فهو الجنف في إثم ، فالمعنى من وعظ في ذلك ورد عنه فأصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وبين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه . إن الله غفور رحيم عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الأذية ، وقال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم : معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق . فلا إثم عليه أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل ، وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد ، ولكنه تبديل لمصلحة ، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى .
الثانية : الخطاب بقوله : فمن خاف لجميع المسلمين . قيل لهم : إن خفتم من موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف ، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته ، أو إلى ابن ابنه ، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه ، أو أوصى لبعيد وترك القريب ، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم ، فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح . والإصلاح فرض على الكفاية ، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين ، وإن لم يفعلوا أثم الكل .
الثالثة : في هذه الآية دليل على الحكم بالظن ، لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح ، وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له .
[ ص: 253 ] قوله تعالى : فأصلح بينهم عطف على " خاف " ، والكناية عن الورثة ، ولم يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى ، وجواب الشرط فلا إثم عليه .
الرابعة : لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت ، لقوله عليه السلام وقد سئل : أي الصدقة أفضل ؟ فقال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح الحديث ، أخرجه أهل الصحيح ، وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة ، وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع .
الخامسة : من لم يضر في وصيته كانت كفارة لما ترك من زكاته . روى الدارقطني عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حضرته الوفاة فأوصى فكانت وصيته على كتاب الله كانت كفارة لما ترك من زكاته ، فإن ضر في الوصية وهي :
السادسة : فقد روى الدارقطني أيضا عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الإضرار في الوصية من الكبائر ، وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار . وترجم النسائي " الصلاة على من جنف في وصيته " أخبرنا علي بن حجر أنبأنا هشيم عن منصور وهو ابن زاذان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك وقال : لقد هممت ألا أصلي عليه [ ثم دعا مملوكيه ] فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ، وأخرجه مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره : وقال له قولا شديدا ، بدل قوله : لقد هممت ألا أصلي عليه .
[ ص: 254 ] قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون
فيه ست مسائل :
الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام لما ذكر ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم ، ولا خلاف فيه ، قال صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج رواه ابن عمر ، ومعناه في اللغة : الإمساك ، وترك التنقل من حال إلى حال ، ويقال للصمت صوم ; لأنه إمساك عن الكلام ، قال الله تعالى مخبرا عن مريم : إني نذرت للرحمن صوما أي سكوتا عن الكلام ، والصوم : ركود الريح ، وهو إمساكها عن الهبوب . وصامت الدابة على آريها : قامت وثبتت فلم تعتلف ، وصام النهار : اعتدل ، ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ، ومنه قول النابغة :
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما
أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة ، كما قال [ امرؤ القيس ] :
كأن الثريا علقت في مصامها
أي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل ، وقوله :
والبكرات شرهن الصائمة
[ ص: 255 ] يعني التي لا تدور .
وقال امرؤ القيس :
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا
أي أبطأت الشمس عن الانتقال والسير فصارت بالإبطاء كالممسكة ، وقال آخر :
حتى إذا صام النهار واعتدل وسال للشمس لعاب فنزل
وقال آخر :
نعاما بوجرة صفر الخدود ما تطعم النوم إلا صياما
أي قائمة ، والشعر في هذا المعنى كثير .
والصوم في الشرع : الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات ، لقوله عليه السلام : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .
