الحرب النفسية ومقاومة المسلمين لها
- في كل زمان ومكان.. تُعد الحرب النفسية ومن يقف خلفها من أخطر أنواع الحروب، التي تواجه العقائد والحركات الإصلاحية. فهي تستهدف الأفكار، والتعاليم الناشئة، وتلجأ إلى التشويش عليهما لتحول بينها وبين الوصول إلى العقول، والرسوخ في القلوب. كما تبذر بذور الفرقة والانقسام، وتعمل في الظلام، وتطعن من الخلف، وتخلق الأقاويل والإشاعات، وتنشر الإرهاب، وتتبع وسائل الترغيب والترهيب، مما يجعل هذه الحرب أشد خطورة من المواجهة العسكرية في ميادين القتال(علي حسني الخربوطي: الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والحرب النفسية، ص: 2، مكتبة الأنجلو المصرية).
- كانت الحرب النفسية وإثارة الإشاعات، أول أسلوب جابهت به قريش الدعوة في مرحلتها الجهرية. فقد اجتمعت قيادة قريش، لتتفق حول كلمة (واحدة) يقولونها عن الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - للعرب في موسم الحج، فقال الوليد: (فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولُكم بعضُه بعضًا). فخرجوا بأن يقولوا: "(ساحر)، جاء بقول هو سحر، يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته"(السيرة النبوية لابن هشام، ج1، ص: 271). إشاعة مُحكمة (غير متعددة الكلمات) عن قائد الدعوة ووصفه بالسحر، وفي موسم الحج، مما يجعل هذه الإشاعة تنتشر في جميع أصقاع الجزيرة العربية عن طريق وفود الحجيج.. حتى إن الرجل يأتيه صاحبه من مصر أو اليمن، فيأتيه قومه أو ذوو رَحِمِه، فيقولون له: (احذر فتى قريش لا يفتنك) (دلائل النبوة للبيهقي، ج2، ص: 442).
- أقدموا على السخرية، والتحقير، والاستهزاء، والضحك، قصدوا من ذلك تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا صاحب الدعوة - صلى الله عليه وسلم - (بالجنون) (فتح الباري لابن حجر، ج1، ص: 32، الطبعة السلفية)، (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (الحجر: 6).
- عندما سأل هرقل أبا سفيان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل جربتم عليه الكذب؟ قال: لا. فقال هرقل: ما كان يدع الكذب على الناس ويكذب على الله"، (ابن الجوزي: الوفاء بأحوال المصطفي، ج2، 447، وكذلك د. احمد نوفل: الإشاعة، ص: 33، دار الفرقان، الأردن). هم يوقنون في قرارة أنفسهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أصدق الناس، وأبرهم. ومع ذلك أشاعت قريش أنه (كاذب).
- كانوا يضحكون من المؤمنين، ويسخرون منهم، ويغمز بعضهم بعضًا عند مرورهم بين أيديهم، قال - تعالى -: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين) (المطففين: 2933).
- كثفت قريش من أساليب الحرب النفسية، ما تمثل في تشويه تعاليم الإسلام، وبخاصة القرآن الكريم (وهو المصدر الأول من مصادر الإسلام التشريعية، فأي شبهة حوله ربما نتج عنها شك في الإسلام كله)، بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر القرآن، فنسبوا ما جاء فيه إلى أساطير وأكاذيب الأولين، التي تملى على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - صباح مساء: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) (الفرقان: 5).. كما زعموا أن القرآن مفترى من قِبَل محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأعانه عليه قوم آخرون: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون) (الفرقان: 4). وكانوا يقولون: (إنما يعلمه بشر) (النحل: 103). يحاولون هم وغيرهم في عصرنا الراهن إرجاع القرآن إلى مصدر (بشري) لا إلهي، قال السيوطي فيما رواه عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم قينًا بمكة اسمه (بلعام) وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل ويخرج من عنده، فقالوا إنما يعلمه (بلعام) (لباب النقول في أسباب النزول للسيويط، هامش تفسير الجلالين، ص: 505، دار المعرفة، بيرو ت).
-قاموا بالصياح، واللغط أثناء قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن، عَلَّه يسكت عنها، أو يحولون بين سماع الناس له، قال - تعالى -: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) (فصلت: 26).
- ذهب "النضر بن الحارث" إلى الحيرة، ليتعلم أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم، واسفنديار، من أجل أن يعارض القرآن. غكان إذا جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسًا للتذكير بالله تعالي، خلفه النضر قائلاً: والله ما محمد بأحسن حديثًا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ورستم، واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني؟ (سيرة ابن هشام، ج1، ص: 299).
- كانت حادثة الإسراء والمعراج، من أكبر الحوادث، التي استغلتها قريش في شن حرب نفسية على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته. فبعد عودته من تلك الرحلة، جلس في الحرم ينوي إخبار قريش بالأمر، فمر به أبو جهل، فقال له: هل من خبر؟ فقال: (( نعم، قال: وما هو؟ فقال: إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: إلى بيت المقدس؟ فقال: نعم، قال أبو جهل: هيا معشر قريش، -وقد اجتمعوا من أنديتهم- فقال: أخبر قومك بما أخبرتني به، فقص عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى، وأنه جاء بيت المقدس وصلى فيه، فإذا بالقوم بين مصفق ومصفر، تكذيبًا له، واستبعادًا لخبره، وطار الخبر بمكة، وارتد ناس ممن كان آمن به من ضعاف القلوب، وسعى رجال إلى أبي بكر - رضي الله عنه -، فقال قولته المشهورة: إن كان قال ذلك فقد صدق)) (ابن كثير: البداية والنهاية، ج3، ص: 111). لقد تحصلت قريش من الحادثة علي ارتداد بعض ضعاف الإيمان. لكنها لم تكتف بذلك، بل حاولت استغلالها لإحداث فُرقة بين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصديقه أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، ولكنها باءت بالفشل.
- لولا الحس الأمني العالي لدى النبي - صلى الله عليه وسلم-، لكانت تلك الحادثة سببًا في ارتداد كثير من الناس، وذلك بتقديمه لأدلة قاطعة على رحلته تلك. فذكر مكان عير لقريش، حينما ند عنهم بعير، وكذلك شرب من إناء مغطى، فشرب كل ما فيه وتركه مغطى، وقد حدد لقريش مكان وزمان فعله هذا، حين دلهم على اسم الوادي الذي دل فيه العير على البعير، والمكان الذي شرب فيه الماء(سيرة ابن هشام، ج1، ص: 402). جاءت العير فأثبتت صدق ما قاله المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. فتثبت المؤمنون، وبطلت دعاية قريش، ومحولتها الفاشلة خلخلة أسس الدعوة.
القرآن بلسم شافي يواجه أساليب قريش في الحرب النفسية.
- عندما لجأت قيادة قريش إلى أسلوب السخرية والاستهزاء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه، جاءت آيات القرآن مواسية لهم، وسلوي للرسول الأكرم، وأوضحت مصير الساخرين والمستهزئين، وأن الغلبة للحق وأهله، قال - تعالى -: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون) (الأنعام: 10)، فهذه الآية بينت أن هذا الأسلوب استخدم مع سالف الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وفي ذلك سلوى للرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه. ثم وضحت، وفي ذلك إعطاء أمل للمسلمين ليصبرون، ويتحملون. وفي ذات الوقت تهديد ووعيد للكفار، الأمر الذي ربما يكون له أثره النفسي عليهم.
- رد القرآن الكريم على شبهة الكفار، التي زعموا فيها أن الذي علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن بَشَر، فقال - تعالى -: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل: 103)، ففند تلك الشبهة بصورة قاطعة، حيث بيّن أن(بلعام) أعجمي اللسان، بينما القرآن عربي اللسان، فأُسقط في أيدي الكفار.
مقاومة المسلمين لأسلوب الاضطهاد
- جربت قريش الأساليب السالفة في الحرب النفسية، ففشلت، فلجأت إلى التعذيب والتنكيل بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه - رضي الله عنهم - وكوّنت لذلك لجنة (خمسة وعشرين رجلاً من سادة قريش)، يتزعمها "أبو لهب" عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاتخذت قرارًا حاسمًا: ألا تألو جهدًا في محاربة الإسلام، وإيذاء قائد الدعوة وصحبه، والتعرض لهم بألوان النكال والإيلام(سيرة ابن هشام، ج1، ص: 317).
قيادة قريش تقوم بتعذيب قائد الدعوة - صلى الله عليه وسلم -
- تم وُضع سِلا الجَزُور عليه -صلى الله عليه وسلم- وهو ساجد.. وتفل "عقبة ابن أبي مُعَيْط" في وجهه الشريف. ووضعوا رداءه في عنقه، ثم جروه به حتى وجب النبي - صلى الله عليه وسلم – ساقطًا، هذا إلى جانب ما كان يضعه جيرانه من القاذورات والأشواك أمام بابه(ابن الجوزي: الوفاء بأحوال المصطفي، ج 1، ص: 190، ط 1، دار الكتب الحديثة، وكذلك: السيرة النبوية لابن حبان، ص: 84، والكامل في التاريخ لابن الأثير، ج2، ص: 70). أرادوا ثني النبي - صلى الله عليه وسلم - أو تعطيله عن دعوته، فثبت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصبر، مما كان له كبير الأثر في نفوس المؤمنين، فتحملوا العذاب بصبر وجَلَد، تأَسيًّا به.
هذه بعض صور التعذيب التي تعرض لها أفراد الدعوة من قِبَل "الجهاز القرشي"، وهي تتفاوت من شخص لآخر، شدة ولينًا، طولاً وقصرًا.
- التعذيب بحرارة الشمس (الرمضاء): تولى وأشرف "أمية بن خلف" علي تعذيب سيدنا بلال بن رباح، - رضي الله عنه -، حيث جعل في عُنقه حبلاً، ودفعه إلى الصبيان يجرونه، ثم يُذْهَب به إلى رمضاء مكة، ويلُقى على ظهره، وتُوضع على صدره صخرة عظيمة، ويقولون له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فكان جوابه: أحدٌ أحدٌ. فمر به سيدنا أبو بكر، - رضي الله عنه - يومًا، وهو على هذه الحالة، فقال: يا أمية أما تتقي الله في هذا المسكين، حتى متى تعذبه؟ قال: أنت أفسدته، فأنقذه مما ترى، فاشتراه وأعتقه(محمد الخضري، نور اليقين: ص: 56).
- التعذيب بالنار: عذبت قريش أسرة "آل ياسر" بأكملها بالنار، فمات الشيخ "ياسر" تحت التعذيب، وقتلت "سمية" بطعنة رمح، فكانت أول شهيدة في الإسلام، أما "عمّار" فتلفظ بكلمة الكفر مكرهًا، فرُفع عنه العذاب إلى حين، وفيه نزل(59) قوله - تعالى -: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) (سورة النحل: 106). كما عُذب بالنار أيضًا سيدنا "خباب بن الأرت" - رضي الله عنه -، فكانت مولاته تعذبه بالنار، فتأتي بالحديدة المحماة، فتجعلها على ظهره ليكفر، فلا يزيده ذلك إلا إيمانًا.. وممن عذب بالنار كذلك، سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه(الرحيق المختوم، لصفي الرحمن، ص: 101، السيرة النبوية للندوي، ص: 107).
- قصدت قريش من هذا التعذيب، فتنة المسلمين، وصدهم عن دينهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، بدليل أن سيدنا عمّارًا لمّا تلفظ بكلمة الكفر تركوه، وأما الذين صمدوا وصبروا، فإما قتلوا تحت التعذيب، أو أعجزوا قريش صبرًا وتحملاً، وفي موقف عمّار ملحظ له دلالاته.. فحين اشتد عليه العذاب، تلفظ بسب النبي - صلى الله عليه وسلم - مكرهًا، وقد جاء القرآن مستثنيًا من الكفر هذا التصرف، بل قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إن عادوا فعد)).. وعلى ذلك يجوز للمسلم المداراة في حالة الإكراه، بشرط أن يبقى قلبه مطمئنًا بالإيمان، لكن ليس ذلك على إطلاقه، فإذا كان التلفظ ببعض الكلمات يلحق ضررًا بالغاً بالدعوة والمدعوين، ففي هذه الحالة، الصبر والثبات أولى.. والضرورات تقدر بقدرها.
مجابهة المسلمين لاضطهاد قريش
-ثمة عوامل كانت وراء هذا الثبات العظيم، والصبر الجميل، على الأصناف والألوان المختلفة من العذاب، لعل من أهمها:
- دور الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وذلك بعد الإيمان القاطع بالله، إذ ضرب لهم المثل بنفسه، فناله ما ناله من عذاب في سبيل الله، وفي ذلك سلوى للمسلمين، فعندما ينظرون إلى عذاب سيد البشر - صلى الله عليه وسلم -، يهون عليهم عذابهم، مما يدفعهم إلى الصبر والثبات تأسيًا به - صلى الله عليه وسلم -.
- ومما أعان الصحابة - رضي الله عنهم - على الصبر والتحمل، دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم، فكان عندما يمر عليهم وهم يُعذبون، يدعو لهم، ويحثهم على الصبر، مبشرًا إياهم بالجنة، فكان يقول لآل ياسر: (( صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت)) (البداية والنهاية، لابن كثير، ج3، صك5: ).
- وتارة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعد صحابته بالنصر والتمكين، ضاربًا لهم المثل من الذين خَلَوْا من قبلهم، فعندما جاءه خباب - رضي الله عنه -، وسأله أن يدعو الله لهم كي يخفف عنهم هذا العذاب، فقال: ((كانَ الرَّجُلُ فيمَن قبلكم، يُحفرُ له في الأرض، فيُجعلُ فيه، فيُجاءُ بالمِنشارِ، فيُوضَعُ على رَأسِهِ، فيُشَقُّ باثنتين، وما يصدُّهُ ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاط الحديدِ ما دونَ لحمه من عظمٍ أو عَصَبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دينه، واللهِ ليُتِمَّنَّ هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْت [وفي رواية: إلى مكة] لا يخافُ إلاَّ اللهَ، أو الذئبَ على غَنَمِه، ولكنَّكم تستعجلون)) (البخاري في مناقب الأنصار، ج1، 543).
- مما ساعد المسلمين على اجتياز هذه المحن، التي أوقعهم فيها كفار قريش، الشعور بالمسؤولية، التي لا يمكن الحياد عنها، فالعواقب التي تترتب على الفرار من تحملها أشد ضخامة، وأكبر ضررًا عما هم فيه من الاضطهاد والعذاب(لرحيق المختوم، لصفي الرحمن، ص: 143).
- لد نزل القرآن الكريم يهون المتاعب التي أحسها الصحابة أثناء التعذيب. فهذا الابتلاء، من طبيعة الطريق، لتمييز الصادق من الكاذب: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) (البقرة: 214)، ويقول تعالي: (آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). (العنكبوت: 13)
من الحرب النفسية، إلى التنكيل، إلي المفاوضات.. فشل بعد فشل بعد فشل
- قيادة قريش تجري "مفاوضات غير مباشرة وأخري مباشرة": ذهبوا إلى أبي طالب "خط الدفاع الأول" عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفد من قريش عدة مرات وعرضوا عليه عدة خيارات ومن ثم تهديد ووعيد، وبعث "أبو طالب" إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يكلمه فقال له: يا ابن أخي! إن قومك جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر مالا أطيق، فظن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد بدا لعمه فيه بداء، أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال: ((يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته)).. ثم استعبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى، ثم قام، فلما ولَّى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخي! فأقبل عليه، فقال: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا"(السيرة النبوية لابن هشام، ج1، ص: 266).
- إقدام قريش على المفاوضات المباشرة: عن طريق عتبة بن ربيعة، فذهب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو يصلي في المسجد، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني، أعرض عليك أمورًا، تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (( قل يا أبا الوليد، أسمع))، قال: يا ابن أخي! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفًا سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئيًا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى. فلما فرغ عتبة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( أقد فرغت يا أبا الوليد؟)) قال: نعم. قال: ((فاسمع مني)) قال: أفعل. فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آيات من أول سورة فصلت إلى السجدة، فلما سمع عنه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها، يسمع م نه، فلما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة منها سجد، ثم قال: ((قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذلك)) (68). فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض، يحلف بالله: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعتُ قولاً، والله ما سمعتُ مثله قطُّ، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.. يا معشر قريش! أطيعوني، فاجعلوها بي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لكلامه الذي سمعتُ نبأ، فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فعزه عزكم. فقالوا: لقد سحرك محمد. قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم(70).
- لإحكام العرض، نوّعت قيادة قريش الخيارات للمصطفى - صلى الله عليه وسلم -، من مال، وسيادة، وملك، وهي المطالب التي عادة ما يمكن أن يضمرها أصحاب الدعوات الجديدة، والمنادون بالثورة والإصلاح. لكن فات على قريش جوهر وحقيقة دعوة الإسلام، المغايرة لسائر الدعوات الوضعية، هي مرتبطة بالسماء، غايتها وأهدافها سامية، لذا كان الرد قاطعا وحاسمًا من قائد الدعوة: (( ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم..))، إنما هدفه وغايته إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
ربما تساءل بعض الناس: لماذا لم يرض رسول - صلى الله عليه وسلم - من باب الحكمة والسياسة الزعامة، أو الملك، على أن يقرر في نفسه اتخاذ الملك والزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد، خصوصًا وأن للسلطان والملك تأثيرًا قويًا في النفوس؟
- لم يرض أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلوك هذه السياسة، لأن ذلك ينافي مبادئ دعوته نفسها، ولأن المساومة كانت للعدول عن الدعوة، وفي الإسلام "الغاية لا تبرر الوسيلة". فالله - سبحانه وتعالى - تعبَّدَنَا بالوسائل كما تعبَّدَنا بالغايات، قال - تعالى -: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) (الكهف: 110). وهذا مبدأ هام من مبادئ الإسلام.. فإذا كانت بعض المواقف في الشدة والمحنة، تحتاج إلى مداراة، فعلى المسلم أن يكون حذرًا في ذلك، غير متجاوز حدود الشرع.
يتبع