عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 31-05-2022, 09:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,408
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الرابع
الحلقة (298)

سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ
صـ 173 إلى صـ 179




اعلم أن جميع روايات هذا الحديث المذكورة في المسند والسنن كلها من طريق شعبة ، عن أبي عون ، عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة ، عن أناس من أصحاب معاذ ، عن معاذ ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أما الرواية المتصلة الصحيحة التي ذكرنا سابقا عن ابن قدامة في ( روضة الناظر ) أن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، فهذا الإسناد وإن كان متصلا ورجاله معروفون بالثقة ، فإني لم أقف على من خرج هذا الحديث من هذه الطريق ، إلا ما ذكره العلامة ابن القيم في ( إعلام الموقعين ) عن أبي بكر الخطيب بلفظ : وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ . ا هـ منه . ولفظة " قيل " صيغة تمريض كما هو معروف ، وإلا ما ذكره ابن كثير في تاريخه ، فإنه لما ذكره فيه حديث معاذ المذكور باللفظ الذي ذكرنا بالإسناد الذي أخرجه به الإمام أحمد قال : وأخرجه أبو داود ، والترمذي من حديث شعبة به . وقال الترمذي : لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل . ثم قال ابن كثير : وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه ، إلا أنه من طريق محمد بن سعيد بن حسان وهو المصلوب أحد الكذابين ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن ، عن معاذ به نحوه .

واعلم أن النسخة الموجودة بأيدينا من تاريخ ابن كثير التي هي من الطبعة الأولى سنة ( 1351 ) فيها تحريف مطبعي في الكلام الذي ذكرنا ؛ ففيها محمد بن سعد بن حسان ، والصواب محمد بن سعيد لا سعد . وفيها : عن عياذ بن بشر ، والصواب عن عبادة بن نسي .

وما ذكره ابن كثير من إخراج ابن ماجه لحديث معاذ المذكور من طريق محمد بن سعيد المصلوب ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن وهو ابن غنم ، عن معاذ - لم أره في سنن ابن ماجه ، والذي في سنن ابن ماجه بالإسناد المذكور من حديث معاذ غير المتن المذكور ، وهذا لفظه : حدثنا الحسن بن حماد سجادة ، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن محمد بن سعيد بن حسان ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم ، حدثنا معاذ بن جبل ، قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ، قال : " لا تقضين ، ولا تفصلن إلا بما تعلم ، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه " ا هـ منه . وما أدري أوهم الحافظ بن كثير فيما ذكر ؟ أو هو يعتقد أن معنى " تبينه " في الحديث أي : تعلمه باجتهادك في استخراجه من المنصوص ، فيرجع إلى معنى الحديث المذكور ؟ وعلى كل حال [ ص: 174 ] فالرواية المذكورة من طريق عبادة بن نسي ، عن ابن غنم ، عن معاذ ، فيها كذاب وهو محمد بن سعيد المذكور الذي قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة وصلبه . وقال أحمد بن صالح : وضع أربعة آلاف حديث . فإذا علمت بهذا انحصار طرق الحديث المذكور الذي فيه أن معاذا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إنه إن لم يجد المسألة في كتاب الله ، ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتهد فيها رأيه ، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك في الطريقتين المذكورتين - علمت وجه تضعيف الحديث ممن ضعفه ، وأنه يقول : طريق عبادة بن نسي ، عن ابن غنم لم تسندوها ثابتة من وجه صحيح إليه ، والطريق الأخرى التي في المسند ، والسنن فيها الحارث بن أخي المغيرة وهو مجهول ، والرواة فيها أيضا عن معاذ مجاهيل - فمن أين قلتم بصحتها ؟ وقد قدمنا أن ابن كثير قال في مقدمة تفسيره : إن الطريقة المذكورة في المسند ، والسنن بإسناد جيد . وقلنا : لعله يرى أن الحارث المذكور ثقة ، وقد وثقه ابن حبان ، وأن أصحاب معاذ لا يعرف فيهم كذاب ، ولا متهم .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : ويؤيد ما ذكرنا عن مراد ابن كثير بجودة الإسناد المذكور ما قاله العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين ، قال فيه : وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله ، فقال شعبة : حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو ، عن أناس من أصحاب معاذ : أن رسوله - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن قال : " كيف تصنع إن عرض لك قضاء " ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله . قال : " فإن لم يكن في كتاب الله " ؟ قال : فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال " فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ؟ قال : أجتهد رأيي ، لا آلو . فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدري ثم قال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يرضي رسول الله " . فهذا حديث إن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ ، فلا يضره ذلك ؛ لأنه يدل على شهرة الحديث ، وأن الذي حدث له الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ ، لا واحد منهم ، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سمي ، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم ، والدين ، والفضل ، والصدق بالمحل الذي لا يخفى ، ولا يعرف في أصحابه متهم ، ولا كذاب ، ولا مجروح ، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم ، ولا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك ، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث ؟ وقال بعض أئمة الحديث : إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به . قال أبو بكر الخطيب : وقد قيل : إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، وهذا إسناد متصل ، ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل [ ص: 175 ] العلم قد نقلوه واحتجوا به . فوقفنا بذلك على صحته عندهم ، كما وقفنا بذلك على صحة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا وصية لوارث " ، وقوله في البحر : " هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته " ، وقوله : " إذا اختلف المتبايعان في الثمن ، والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع " ، وقوله : " الدية على العاقلة " . وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها . فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له . انتهى منه . وحديث عمرو بن العاص وأبي هريرة الثابت في الصحيحين شاهد له كما قدمنا ، وله شواهد غير ذلك ستراها إن شاء الله تعالى .
المسألة الثالثة :

اعلم أن الاجتهاد الذي دلت عليه نصوص الشرع أنواع متعددة :

( منها ) : الاجتهاد في تحقيق المناط ، وقد قدمنا كثيرا من أمثلته في " الإسراء " .

( ومنها ) : الاجتهاد في تنقيح المناط ، ومن أنواعه : السبر ، والتقسيم ، والإلحاق بنفي الفارق .

واعلم أن الاجتهاد بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به قسمان :

الأول : الإلحاق بنفي الفارق ، وهو قسم من تنقيح المناط كما ذكرناه آنفا . ويسمى عند الشافعي القياس في معنى الأصل ، وهو بعينه مفهوم الموافقة ، ويسمى أيضا القياس الجلي .

والثاني من نوعي الإلحاق : هو القياس المعروف بهذا الاسم في اصطلاح أهل الأصول .

أما القسم الأول الذي هو الإلحاق بنفي الفارق فلا يحتاج فيه إلى وصف جامع بين الأصل والفرع وهو العلة . بل يقال فيه : لم يوجد بين هذا المنطوق به وهذا المسكوت عنه فرق فيه يؤثر في الحكم ألبتة ، فهو مثله في الحكم ، وأقسامه أربعة ، لأن المسكوت عنه إما أن يكون مساويا للمنطق به في الحكم ، أو أولى به منه ، وفي كل منهما إما أن يكون نفي الفارق بينهما مقطوعا به أو مظنونا . فالمجموع أربعة :

( الأول منها ) : أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به مع القطع بنفي [ ص: 176 ] الفارق ، كقوله تعالى : فلا تقل لهما أف [ 17 \ 23 ] فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به مع القطع بنفي الفارق ، وكقوله تعالى : وأشهدوا ذوي عدل منكم [ 65 \ 2 ] فشهادة أربعة عدول المسكوت عنها أولى بالحكم وهو القبول من المنطوق به ، وهو شهادة العدلين مع القطع بنفي الفارق .

( والثاني منها ) : أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به أيضا ، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيا ، بل مظنونا ظنا قويا مزاحما لليقين . ومثاله نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التضحية بالعوراء . فالتضحية بالعمياء المسكوت عنها أولى بالحكم وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها ، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيا بل مظنونا ظنا قويا ؛ لأن علة النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتا وثمنا وقيمة ، وهذا هو الظاهر ، وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتا وقيمة . وهناك احتمال آخر : هو الذي منع من القطع بنفي الفارق ، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية بالعوراء أن العور مظنة الهزال ؛ لأن العوراء ناقصة البصر ، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي ؛ لأنها لا ترى إلا ما يقابل عينا واحدة ، ونقص الرعي مظنة للهزال . وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء ؛ لأن العمياء يختار لها أحسن العلف ، فيكون ذلك مظنة لسمنها .

( والثالث منها ) : أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق ؛ كقوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية [ 4 \ 10 ] . فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساو للأكل المنطوق به في الحكم الذي هو التحريم ، والوعيد بعذاب النار مع القطع بنفي الفارق . ( والرابع منها ) : أن يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في الحكم أيضا ، إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا مزاحما لليقين ، ومثاله الحديث الصحيح " من أعتق شركا له في عبد . . " الحديث المتقدم في " الإسراء ، والكهف " ، فإن المسكوت عنه وهو عتق بعض الأمة مساو للمنطوق به وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث المتقدم مرارا . إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنا قويا ؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حكم من أحكام العتق . كما قدمناه مستوفى في سورة " مريم " وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق ، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر ، مخصصا له بذلك الحكم دون الأنثى ؛ لأن عتق الذكر يترتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق [ ص: 177 ] الأنثى ، كالجهاد ، والإمامة ، والقضاء ، ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث . وقد أكثرنا من أمثلة هذا النوع الذي هو الإلحاق بنفي الفارق في سورة " بني إسرائيل " .

( وأما النوع الثاني من أنواع الإلحاق ) : فهو القياس المعروف في الأصول ، وهو المعروف بقياس التمثيل . وسنعرفه هنا لغة واصطلاحا ، ونذكر أقسامه ، وما ذكره بعض أهل العلم من أمثلته في القرآن :

اعلم أن القياس في اللغة : التقدير والتسوية . يقال : قاس الثوب بالذراع ، وقاس الجرح بالميل ( بالكسر ) وهو المرود ، إذا قدر عمقه به ؛ ولهذا سمي الميل مقياسا ، ومن هذا المعنى قول البعيث بن بشر يصف جراحة أو شجة :


إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت غثيثتها وازداد وهيا هزومها
فقوله : " قاسها " يعني قدر عمقها بالميل .

والآسي : الطبيب ، والنطاسي ( بكسر النون وفتحها ) : الماهر بالطب ، والغثيثة ( بثاءين مثلثتين ) : مدة الجرح وقيحه ، وما فيه من لحم ميت ، والوهي : التخرق والتشقق ، والهزوم : غمز الشيء باليد فيصير فيه حفرة كما يقع في الورم الشديد .

وتعريف القياس المذكور في اصطلاح أهل الأصول كثرت فيه عبارات الأصوليين مع مناقشات معروفة في تعريفاتهم له . واختار غير واحد منهم تعريفه بأنه حمل معلوم على معلوم ، أي : إلحاقه به في حكمه لمساواته له في علة الحكم . وهذا التعريف إنما يشمل القياس الصحيح دون الفاسد . والتعريف الشامل للفاسد هو أن تزيد على تعريف الصحيح لفظة عند الحامل ، فتقول : هو إلحاق معلوم في حكمه لمساواته له في علة الحكم عند الحامل ، فيدخل الفاسد في الحد مع الصحيح ، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله معرفا للقياس :


يحمل معلوم على ما قد علم للاستوا في علة الحكم وسم
وإن ترد شموله لما فسد فزد لدى الحامل والزيد أسد
ومعلوم أن أركان القياس المذكور أربعة : وهي الأصل المقيس عليه ، والفرع المقيس ، والعلة الجامعة بينهما ، وحكم الأصل المقيس عليه .

فلو قسنا النبيذ على الخمر ، فالأصل : الخمر ، والفرع : النبيذ ، والعلة : الإسكار ، [ ص: 178 ] وحكم الأصل الذي هو الخمر : التحريم . وشروط هذه الأركان الأربعة والبحث فيها مستوفى في أصول الفقه ، فلا نطيل به الكلام هنا .

واعلم أن القياس المذكور ينقسم بالنظر إلى الجامع بين الفرع والأصل إلى ثلاثة أقسام :

الأول : قياس العلة .

والثاني : قياس الدلالة .

والثالث : قياس الشبه .

أما قياس العلة فضابطه أن يكون الجمع بين الفرع والأصل بنفس علة الحكم ، فالجمع بين النبيذ والخمر بنفس العلة التي هي الإسكار ، والقصد مطلق التمثيل ؛ لأنا قد قدمنا أن قياس النبيذ على الخمر لا يصح ؛ لوجود النص على أن كل مسكر خمر ، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام " . والقياس لا يصح مع التنصيص على أن حكم الفرع المذكور كحكم الأصل ، إلا أن المثال يصح بالتقدير والفرض ، ومطلق الاحتمال كما تقدم . وكالجمع بين البر والذرة بنفس العلة التي هي الكيل مثلا عند من يقول بذلك ، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله :


وما بذات علة قد جمعا فيه فقيس علة قد سمعا
وأما قياس الدلالة فضابطه أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة ، كأن يجمع بين الفرع والأصل بملزوم العلة أو أثرها أو حكمها . فمثال الجمع بملزوم العلة أن يقال : النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة ، وهي ملزوم للإسكار ، بمعنى أنها يلزم من وجود الإسكار . ومثال الجمع بأثر العلة أن يقال : القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بمحدد ، بجامع الإثم وهو أثر العلة وهي للقتل العمد العدوان . ومثال الجمع بحكم العلة أن يقال : تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به ، بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد ، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى ، والقتل منهم في الثانية . وإلى تعريف قياس الدلالة المذكور أشار في مراقي السعود بقوله :


جامع ذي الدلالة الذي لزم فأثر فحكمها كما رسم
وقوله : " الذي لزم " بالبناء للفاعل يعني اللازم ، وتعبيره هنا باللازم تبعا لغيره غلط منه وممن تبعه هو ؛ لأن وجود اللازم لا يكون دليلا على وجود الملزوم بإطباق [ ص: 179 ] العقلاء ؛ لاحتمال كون اللازم أعم من الملزوم ، ووجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص كما هو معروف . ولذا أجمع النظار على أن استثناء عين التالي في الشرط المتصل لا ينتج عين المقدم ؛ لأن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم ، والصواب ما مثلنا به من الجمع بملزوم العلة ؛ لأن الملزوم هو الذي يقتضي وجوده وجود اللازم كما هو معروف ، فالشدة المطربة والإسكار متلازمان ، ودلالة الشدة المطربة على الإسكار إنما هي من حيث إنها ملزوم له لا لازم ، لما عرفت من أن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم ، واقتضاؤه له هنا إنما هو للملازمة بين الطرفين ؛ لأن كلا منهما لازم للآخر وملزوم له للملازمة بينهما من الطرفين .

وأما قياس الشبه فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول ، فعرف بعضهم الشبه بأنه منزلة بين المناسب والطرد ، وعرفه بعضهم بأنه المناسب بالتبع بالذات . ومعنى هذا كمعنى تعريف من عرفه بأنه المستلزم للمناسب .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : عبارات أهل الأصول في الشبه الذي هو المسلك السادس من مسالك العلة عند المالكية والشافعية كلها تدور حول شيء واحد ، وهو أن الوصف الجامع في قياس الشبه يشبه المناسب من وجهه ، ويشبه الوصف الطردي من جهة أخرى .

وقد قدمنا في سورة " مريم " أن المناسب هو الوصف الذي تتضمن إناطة الحكم به مصلحة من جلب نفع أو دفع ضر ، والطردي هو ما ليس كذلك ، إما في جميع الأحكام وإما في بعضها ، ولا خلاف بين أهل الأصول في أن ما يسمى بغلبة الأشباه لا يخرج عن قياس الشبه ؛ لأن بعضهم يقول : إنه داخل فيه ، وهو الظاهر ، وبعضهم يقول : هو بعينه لا شيء آخر . وغلبة الأشياء هو إلحاق فرع متردد بين أصلين بأكثرهما شبها به ، كالعبد فإنه متردد بين أصلين لشبهه بكل واحد منهما ، فهو يشبه المال لكونه يباع ويشترى ويوهب ويورث إلى غير ذلك من أحوال المال ، ويشبه الحر من حيث إنه إنسان ينكح ويطلق ويثاب ويعاقب ، وتلزمه أوامر الشرع ونواهيه . وأكثر أهل العلم يقولون : إن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر ؛ لأنه يشبه المال في الحكم والصفة معا أكثر مما يشبه الحر فيهما .

فمن شبهه بالمال في الحكم : كونه يباع ويشترى ويورث ، ويوهب ويعار ، ويدفع في الصداق والخلع ، ويرهن ، إلى غير ذلك من التصرفات المالية .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.92 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]