عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 29-05-2022, 08:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,463
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع سورة القصص


وهذا التعقيب كما ينسجم مع قصة قارون ينسجم مع السورة كلها، ففرعون أيضًا صدرت السورة بأنه ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [القصص: 4]، وبأنه ﴿ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 4]، وكذلك قارون نُهي عن الاستكبار وعن الفساد فأبى، وأما المؤمنون مع كليهما فما بين مستضعف مظلوم، ومستحقر محروم.

ونظرًا لعظمة أموال قارون في نفوس المعاصرين له، واللاحقين الذين يسمعون به، بين الله لكل الناس أن قارون ليس بأول هالك، ولا بأعظم هالك، بل هو واحد من الهالكين ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [القصص: 78]، لذلك فحريٌّ بمن استعظم مال قارون أن يدرك أن ما عنده كالدنيا كلها، "لا تزن عند الله جناح بعوضة"[29]، وأن مَن هو أشد منه قوة وأكثر جمعًا قد هلك قبله[30]، فمصيره، ومصير المتبعين له الآخذين بطريقه مصير الهالكين.

ثم جاء التعقيب الثاني أكثر عمومية إذ جاء بالإشارة إلى عمل الإنسان ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [القصص: 84]، وهي نفحة ربانية يستوي فيها الضعيف والقوي، كل بحسب حاله، فهي أمل الأقوياء في الاستزادة من الخير، وأمل المستضعفين في أن لا يحرموا، كما هي تهديد للمستكبرين وأتباعهم.

ثم جاء الوعد العام، والعبر التفصيلية من القصة كلها ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [القصص: 85]، وهو وعد عظيم بالتمكين للنبي صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من مكة خائفا مترقبا كما خرج موسى خائفا مترقبا، فرجع داعية آمنا.

ثم جاءت التوصيات الختامية:
1) ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ﴾ [القصص: 86]، وهو أمر أصيل في القرآن، لكنه في هذه السورة جاء اقتداء بموسى عليه السلام حين قال: ﴿ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ [القصص: 17]، تماما كما أمر بالاقتداء به في قوله: ﴿ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ﴾ [القصص: 37]، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [القصص: 85].

2) ﴿ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [القصص: 87]، وهو أمرٌ يحتاج إليه كل داعية، فكثيرًا ما صد الدعاة عن دعوتهم وعن دينهم بسبب تحريفٍ أو تغيير في أهدافهم، إن استمروا على الدعوة، فكيف بهم، وقد يراد منهم الرجوع عنها تخويفًا: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]، أو تطميعًا (إن كنت تريد المال، أو الملك أو النساء...).

3) ﴿ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [القصص: 87]، وهذا مربطُ الفرس، فالدعوة واجبة بغض النظر عن النتيجة، هل هي إيمان المدعوين واستجابتهم أو كفرهم وإعراضهم.

4) ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [سورة القصص: 87]، وهي دعوة للإخلاص وجِّهت للنبي صلى الله عليه وسلم ويحتاجها كل مؤمن، وأول ما يجب التخلص من الشرك به نفس الإنسان التي بين جنبيه، فلا يتخذها هوى يتعبَّده، أو إلها يجري في هواه[31]، ثم باقي الشركاء، الشاملين لكل ما سوى الله، سواء كان شرك كفرٍ أو شرك رياءٍ، أو شرك خوفٍ أو شرك طمعٍ...

5) ثم تأتي خاتمة السورة لتؤكد معانيها: ﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88]، ففي هذا الإيجاز دعوةٌ للإخلاص لله وعبادته وحده، وتشمل الخوف والطمع، وتشمل امتثال الأوامر، وتبليغ الدعوة، وتشمل الصبر على الأذى، والأخذ بالوسائل، وتشمل اللين في محلِّه والشدة في محلِّها مع المدعوين.

وفي ذكر هلاك كلِّ ما سوى الله إشارةٌ إلى أن كل مكروه سيزول، وكل مخوف سينتهي، فلا ينبغي الخوف مما سوى الله، ولا الطمع فيما سوى الله.

وفي ذكر العودة إلى الله أمانٌ للدعاة من ضياع جهودهم مهما كان نوعها وحجمها، ووعيدٌ للمكذبين وتهديدٌ لهم بالعذاب الأليم إذا رُدُّوا مردًّا مُخزيًا فاضحًا، في مقابل المرد الكريم للمؤمنين، والنصر الأكيد لهم في الدنيا والآخرة.

وفي هذه الخاتمة من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتأكيد صدقه، وتثبيت قلبه ما لا يخفى، وفيه من الانسجام مع مقدمة السورة، ومع قصصها ما ينبئ بأن هذا القرآن: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42]، فالسورة بيَّنت للنبي صلى الله عليه وسلم أن طريقه طريق الأنبياء، وبيَّنت له مصير المكذبين، وأن العاقبة للمتقين[32]، وجاءت قصصها تأكيدًا لمعانيها المجملة في البداية، وتصديقًا لموعودها، وجاءت خاتمتها أوامرَ صريحة ومباشرة، متجهة في نفس السياق، سياق الثبات على الحق، وتبليغ دين الله، والاقتداء بأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، والشعور بعدم العزلة إذ: ﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [فصلت: 43]، ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83].

[1] من المعلوم أن هذا الاصطفاء كان مؤقتا، وأن المصطفين، لم يفوا بشرطه، فاستبدلوا بغيرهم؛ يدل لذلك قول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129].

[2] لا يخفى أن موسى أرسل إلى قومه وإلى فرعون، وأن نبوته قسمان: قسم مع فرعون، وقسم مع قومه، وإن كان قومه آذوه وهو يستنقذهم من براثن فرعون: ﴿ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ [الأعراف: 129].

[3] أوحى الله إلى أم موسى وحي إلهام (الطبري، جامع البيان، 18/ 155) بأمر موسى فنفذت ما أمرت به؛ ولأن البشر يحتاجون مثبتًا ماديًّا، نظرًا لضعفهم، أرسلت أخت موسى تقص خبره، ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: 11]، ثم حرَّم الله عليه المراضع، كي يمهد لأمه السبيل لإرضاعه، ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ [القصص: 13]، وهي مثبتات مهمة، ومنميات للإيمان عظيمة، جاءتها جراء امتثالها ما ألهمت به.

[4] وذلك أن المنجِّمين أخبروا فرعون أن هلاكه يكون على يد رجلٍ من بني إسرائيل، فقرَّر قتلَ أبنائهم، فلما كثُر القتلُ فيهم، خاف الأقباط أن يُبادَ رجال بني إسرائيل، فيفقدوا الخدمات البدنية التي لا تقوى عليها النساء، فطرَحوا الأمر على فرعون، فقرَّر قتل الأنباء سنة وإحياءَهم سنة، وقد وُلد هارون في سنة الإحياء، وولد موسى في سنة القتل، (الطبري، جامع البيان، 1/ 648)، فأراد الله أن يتحدى به فرعون، وأن يبين للناس مظاهر قدرته، فجعل موسى النبي الأول، وهارون النبي الثاني، ليبيِّن أن كيد الكافرين في تباب.

[5] في قوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38].

[6] في قوله: ﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24].

[7] ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ [الزخرف: 54].

[8] وفي الصحيح أنه قال: "وقتلت نفسًا أومر بقتلها"، (البخاري، الجامع الصحيح، كتاب تفسير القرآن، بَابُ: ‌ذُرِّيَّةَ ‌مَن ‌حَمَلنَا مَعَ نُوح إِنَّهُ كَانَ عَبدًا شَكُورًا [الإسراء: 3]، 6/ 84).

[9] "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، (صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، 4/ 2084).

[10] إشارة للمثل "صنائع المعروف تقي مصارع السوء"، (ابن زنجويه، الأموال، 2/ 760).

[11] نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى حين استعمل رجلا على عمالة فأعطاه عليها، فرد بحجة أنه عمل لله، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ألا تناقض بين الأمرين، (البخاري، كتاب الأحكام، باب رزق الحكام والعاملين عليها، 9/ 67).

[12] البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط، 3/ 83.

[13] في الأثر أنه أكمل "أوفى الأجلين" وهو عشر سنوات، (البحر الزخار، 9/ 281).

[14] وفي الحديث: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى"، (البخاري، الجامع الصحيح، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في البيع، 3/ 57).

[15] دليل ذلك قوله: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴾ [طه: 10].

[16] دليل ذلك قوله: ﴿ وْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ [النمل: 7].

[17] دليل ذلك قوله: ﴿ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ﴾ [القصص: 29].

[18] ﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴾ [القصص: 35].

[19] ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ [القصص: 31، 32].

[20] وردت بعض الإشارات إلى طفولته في سورة طه، كما وقع فيها الإشارة إلى قتله النفس ﴿ وَقَتَلتَ ‌نَفسًا ﴾ [سورة طه:40]، وأما فتوته، وإجارته، فلم ترد تفصيلًا في غير هذه السورة.

[21] كثيرًا ما يخبر القرآن عن إهلاك المكذبين السابقين، ويرشد للنظر في عواقب تكذيبهم الوخيمة، وفرعون وقومه نالوا من ذلك حظهم؛ كما في قول الله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: 103]، وقوله: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [النمل: 14].

[22] لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"، (أورده البخاري في رفع اليدين في الصلاة، ص: 37، وابن أبي عاصم في السنة، 1/ 12، وصحَّحه النووي وجعله الحديث الحادي والأربعين من أربعينه)، والآية تشهد لمعناه.

[23] ونظير هذا في القرآن كثير: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: 44]، ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52].

[24] ونظير هذا في القرآن كثير، ومن أصرحِه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 42 - 45].

[25] يشهد لذلك قول معاذ بن جبل رضي الله عنه: "أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"، (البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، 5/ 161)، وحديث: "«التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء»، (سنن الدارمي، 3/ 1653، وابن ماجه بمعناه، 2/ 724، والترمذي، 2/ 506)، كما يشهد له أن الله جعل من علل تخفيف العبادة عن العباد سعيهم في معايشهم: ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل: 20].

[26] الترمذي، 4/ 421.

[27] صحيح ابن حبان، 8/ 6.

[28] "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها"، (البخاري، الجامع الصحيح، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، 1/ 25).

[29] ابن أبي شيبة، المنصف، 7/ 78.

[30] وهذا المعنى كثير الورود في القرآن الكريم، ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ [الأنعام: 6]، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [غافر: 82]، ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [الروم: 9]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

[31] ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾ [الفرقان: 43]، ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23]، ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [القصص: 50]، ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص: 26]، ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ [النجم: 23].

[32] وهذا هو المعنى الذي أخبر موسى قومه عنه حين قال لهم: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128].






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.50 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.23%)]