عرض مشاركة واحدة
  #130  
قديم 28-05-2022, 12:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الثالث
الحلقة (130)
صـ501 إلى صـ 510



[ ص: 501 ] وعن ابن عمر وغيره أنه سئل عن الالتفات في الصلاة يمينا وشمالا فقال : بل نلتفت هكذا ، وهكذا ، ونفعل ما يفعل الناس . كأنه كره التزام عدم الالتفات ورآه من الأمور التي لم يرد التزامها .

[ ص: 502 ] وقال عمر : واعجبا لك يا ابن العاص لئن كنت تجد ثيابا أفكل الناس يجد ثيابا والله لو فعلت لكانت سنة ، بل أغسل ما رأيت ، وأنضح ما لم أر .

هذا فيما لم يظهر الدوام فيه فكيف مع الالتزام ؟

والأحاديث في هذا والأخبار كثيرة ، جميعها يدل على أن التزام الخصوصات في الأوامر المطلقة مفتقر إلى دليل ، وإلا كان قولا بالرأي واستنانا بغير مشروع ، وهذه الفائدة انبنت على هذه المسألة مع مسألة أن الأمر بالمطلق لا يستلزم الأمر بالمقيد .
[ ص: 503 ] المسألة الخامسة عشرة

المطلوب الفعل بالكل هو المطلوب بالقصد الأول ، وقد يصير مطلوب الترك بالقصد الثاني : كما أن المطلوب الترك بالكل هو المطلوب الترك بالقصد الأول .

وقد يصير مطلوب الفعل بالقصد الثاني وكل واحد منهما لا يخرج عن أصله من القصد الأول .

أما الأول فيتبين من أوجه :

أحدها : أنه قد يؤخذ من حيث قصد الشارع فيه ، وهذا هو الأصل فيتناول على الوجه المشروع ، وينتفع به كذلك ولا ينسى حق الله فيه لا في [ ص: 504 ] سوابقه ولا في لواحقه ولا في قرائنه .

فإذا أخذ على ذلك الوزان كان مباحا بالجزء مطلوبا بالكل ، فإن المباحات إنما وضعها الشارع للانتفاع بها على وفق المصالح على الإطلاق بحيث لا تقدح في دنيا ولا في دين ، وهو الاقتصاد فيها ، ومن هذه الجهة جعلت نعما ، وعدت مننا ، وسميت خيرا وفضلا .

فإذا خرج المكلف بها عن ذلك الحد إلى أن تكون ضررا عليه في الدنيا ، أو في الدين كانت من هذه الجهة مذمومة ; لأنها صدت عن مراعاة وجوه الحقوق السابقة واللاحقة والمقارنة ، أو عن بعضها فدخلت المفاسد بدلا عن المصالح في الدنيا ، وفي الدين ، وإنما سبب ذلك تحمل المكلف منها ما لا يحتمله ، فإنه إذا كان يكتفي منها بوجه ما ، أو بنوع ما ، أو بقدر ما ، وكانت مصالحه تجرى على ذلك ، ثم زاد على نفسه منها فوق ما يطيقه تدبيره ، وقوته البدنية والقلبية كان مسرفا وضعفت قوته عن حمل الجميع فوقع الاختلال وظهر الفساد كالرجل يكفيه لغذائه مثلا رغيف ، وكسبه المستقيم إنما يحمل ذلك المقدار ; لأن تهيئته لا تقوى على غيره فزاد على الرغيف مثله فذلك إسراف منه في جهة اكتسابه أولا من حيث كان يتكلف كلفة ما يكفيه مع التقوى فصار يتكلف كلفة اثنين ، وهو مما لا يسعه ذلك إلا مع المخالفة ، وفي جهة تناوله ، فإنه يحمل نفسه من الغذاء فوق ما تقوى عليه الطباع فصار ذلك شاقا عليه وربما ضاق نفسه واشتد كربه ، وشغله عن التفرغ للعبادة المطلوب فيها الحضور مع الله تعالى ، [ ص: 505 ] وفي جهة عاقبته ، فإن أصل كل داء البردة ، وهذا قد عمل على وفق الداء فيوشك أن يقع به .

[ ص: 506 ] وهكذا حكم سائر أحواله الظاهرة والباطنة في حين الإسراف فهو في الحقيقة الجالب على نفسه المفسدة لا نفس الشيء المتناول من حيث هو غذاء تقوم به الحياة .

فإذا تأملت الحالة وجدت المذموم تصرف المكلف في النعم لا أنفس النعم إلا أنها لما كانت آلة للحالة المذمومة ذمت من تلك الجهة ، وهو القصد الثاني ; لأنه مبني على قصد المكلف المذموم ، وإلا فالرب تعالى قد تعرف إلى عبده بنعمه وامتن بها قبل النظر في فعل المكلف فيها على الإطلاق ، وهذا دليل على أنها محمودة بالقصد الأول على الإطلاق ، وإنما ذمت حين صدت من صدت عن سبيل الله ، وهو ظاهر لمن تأمله .

والثاني : أن جهة الامتنان لا تزول أصلا . وقد يزول الإسراف رأسا ، وما هو دائم لا يزول على حال هو الظاهر في القصد الأول . بخلاف ما قد يزول ، فإن المكلف إذا أخذ المباح كما حد له لم يكن فيه من وجوه الذم [ ص: 507 ] شيء ، وإذا أخذه من داعي هواه ولم يراع ما حد له صار مذموما في الوجه الذي اتبع فيه هواه ، وغير مذموم في الوجه الآخر .

وأيضا فإن وجه الذم قد تضمن النعمة واندرجت تحته ، لكن غطى عليها هواه ، ومثاله أنه إذا تناول مباحا على غير الجهة المشروعة فقد حصل له في ضمنه جريان مصالحه على الجملة ، وإن كانت مشوبة فبمتبوع هواه والأصل هو النعمة ، لكن هواه أكسبها بعض أوصاف الفساد ولم يهدم أصل المصلحة ، وإلا فلو انهدم أصل المصلحة لانعدم أصل المباح ; لأن البناء إنما كان عليه فلم يزل أصل المباح ، وإن كان مغمورا تحت أوصاف الاكتساب والاستعمال المذموم فهذا أيضا مما يدل على أن كون المباح مذموما ، ومطلوب الترك إنما هو بالقصد الثاني ، لا بالقصد الأول .

والثالث : أن الشريعة مصرحة بهذا المعنى كقوله تعالى : أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون [ النحل : 72 ] ، [ ص: 508 ] وقوله : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا [ يونس : 59 ] وقوله : إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [ غافر : 61 ] ، وقوله : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا [ النحل : 14 ] إلى قوله : ولعلكم تشكرون [ القصص : 73 ] فهذه الآيات وأشباهها تدل على أن ما بث في الأرض من النعم والمنافع على أصل ما بث إلا أن المكلف لما وضع له فيها اختيار به يناط التكليف داخلتها من تلك الجهة الشوائب لا من جهة ما وضعت له أولا فإنها من الوضع الأول خالصة .

فإذا جرت في التكليف بحسب المشروع فذلك هو الشكر ، وهو جريها على ما وضعت أولا ، وإن جرت على غير ذلك فهو الكفران ، ومن ثم انجرت المفاسد ، وأحاطت بالمكلف وكل بقضاء الله وقدره والله خلقكم وما تعملون [ الصافات : 96 ] .

وفي الحديث : إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا فقيل : أيأتي الخير بالشر ؟ فقال : لا يأتي الخير إلا بالخير ، وإن مما [ ص: 509 ] ينبت الربيع ما يقتل حبطا ، أو يلم الحديث .

وأيضا فباب سد الذرائع من هذا القبيل ، فإنه راجع إلى طلب ترك ما ثبت طلب فعله لعارض يعرض ، وهو أصل متفق عليه في الجملة ، وإن اختلف العلماء في تفاصيله فليس الخلاف في بعض الفروع مما يبطل دعوى الإجماع في الجملة لأنهم اتفقوا على مثل قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا [ البقرة : 104 ] .

وقوله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله [ الأنعام : 108 ] .

وشبه ذلك والشواهد فيه كثيرة .

وهكذا الحكم في المطلوب طلب الندب قد يصير بالقصد الثاني مطلوب الترك حسبما تناولته أدلة التعمق والتشديد والنهي عن الوصال ، [ ص: 510 ] وسرد الصيام والتبتل .

وقد تقدم من ذلك كثير .

ومثله المطلوب طلب الوجوب عزيمة قد يصير بالقصد الثاني مطلوب الترك إذا كان مقتضى العزيمة فيه مشوشا ، وعائدا على الواجب بالنقصان كقوله : ليس من البر الصيام في السفر ، وأشباه ذلك .

فالحاصل أن المطلوب بالقصد الأول على الإطلاق قد يصير مطلوب الترك بالقصد الثاني ، وهو المطلوب .

فإن قيل : هذا معارض بما يدل على خلافه ، وأن المدح والذم راجع إلى ما بث في الأرض ، وعلى ما وضع فيها من المنافع على سواء ، فإن الله عز وجل قال : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ هود : 7 ] .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.87%)]