
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد الثانى
الحلقة (120)
صـ 278 إلى صـ 284
ففي الجملة جواز كونه فاعلا في الأزل، يستلزم جواز حدوث الحوادث في الأزل، ولهذا لم يعرف من قال بكونه فاعلا في الأزل مع امتناع دوام الحوادث، فإن القائلين بحدوث الأجسام عن تصور من تصورات النفس يقولون بدوام الحوادث في النفس، والقائلين بالقدماء الخمسة لا يقولون: إنه فاعل لها في الأزل، بل يقولون: إنها واجبة بنفسها، هذا هو المحكي عنهم، وقد يقولون: إنها معلولة له لا مفعولة له] (1) .
فإذا قدر أنه فاعل للعالم في الأزل، وقدر امتناع الحدوث في الأزل، جمع بين [وجوب] (2) كونه فاعلا، وامتناع كونه فاعلا.
وإذا قيل (3) : يفعل ما هو قديم ولا يفعل ما هو حادث.
قيل: فعلى هذا التقدير يجوز تغيير القديم ; لأن التقدير أن المعلول القديم (4) حدثت فيه الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب [حادث] (5) ، والمعلول القديم (6) لا يجوز تغييره فإنه يقتضي (7 تغيير علته التامة الأزلية الموجبة له. ثم على هذا التقدير المتضمن إثبات قديم معلول لله أو 7) (7) إثبات قدماء معلولة (8) عن الله مع حدوث الحوادث (9 الدائمة في ذلك القديم، أو مع تجدد حدوث الحوادث 9) (9) فيها هو (10) قول بحدوث [هذا] (11)
_________
(1) هنا ينتهي السقط المشار إليه آنفا في ص 277.
(2) وجوب: ساقطة من (ن) ، (م) .
(3) ع: ثم إذا قيل.
(4) ب، أ: أن يكون القديم.
(5) بلا سبب حادث: ساقط من (ب) ، (أ) . وفي (ن) ، (م) : بلا سبب.
(6) ب، أ: بالقديم.
(7) : (7 - 7) ساقط من (ب) ، (أ) .
(8) ن، م: معلومة.
(9) (9 - 9) : ما بين المعقوفتين ساقط من (ب) ، (أ) .
(10) ب، أ: وهو ; ن، م: وهذا.
(11) هذا: ساقطة من (ن) ، (م) .
**************************************
العالم، كما يذكر ذلك عن ديمقراطيس (1) ومحمد بن زكريا الرازي وغيرهما - وهذا مبسوط في موضعه (2) -[وكما هو قول من يقول بحدوث الأجسام كلها، والرازي قد يجعل القولين قولا واحدا، كما أشار إلى ذلك في " محصله " (3) وغير محصله. وذلك أن المعروف عن الحرنانيين (4) هو القول بالقدماء الخمسة، ثم بنوا عليه تصور النفس و (قد حدث لها عشق) تعلقت بسببه بالهيولي ليكون للأجسام سبب اقتضى حدوثها (5) (6) ، لكنه (7) مع هذا باطل، فإن (8) حدوث الحوادث بلا سبب إن كان ممتنعا بطل هذا القول ; لأنه يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب، (9 وإذا كانت أحوال الفاعل واحدة، وهو لا يقوم به شيء من الأمور الاختيارية امتنع أن يختص بعض الأحوال بسبب يقتضي حدوث الأجسام 9) (9) ، وإن
_________
(1) ب (فقط) : ذيمقراطيس.
(2) عبارة " وهذا مبسوط في موضعه ": ساقطة من (ع) فقط. . والكلام الذي يلي القوس المعقوف ساقط من (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) .
(3) وهو كتاب " محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين " لفخر الدين الرازي وسبقت ترجمته، والكلام على " محصله ".
(4) في الأصل (ع) : الجزنانين، وهو تحريف ; وانظر الملل والنحل 2/58 - 61.
(5) العبارة الأخيرة: " ثم بنوا عليه. . اقتضى حدوثها " فيها نقص رأيت أن تمامه جملة (وقد حدث لها عشق) المكتوبة بين القوسين. وسبق لابن تيمية التعرض لهذا الموضوع ومناقشته في الموضوع الذي أشرت إليه من قبل وهو في هذا الكتاب 1/210 - 211.
(6) هنا ينتهي الكلام الساقط من (ب) ، (أ) كما أشرت إلى ذلك من قبل ويستمر السقط في (ن) ، (م) سطورا أخر، وسنشير إلى نهايته فيما بعد.
(7) ب، أ: ولكنه
(8) ع: لأن.
(9) : (9 - 9) ساقط من (ب) ، (أ) .
*****************************************
كان ممكنا أمكن حدوث كل ما سوى الله بعد أن لم يكن، وكانت هذه القدماء مما يجوز حدوثه.
وأيضا، فعلى هذا القول يكون موجبا بذاته (1) لمعلولاته (2) ع: لم يصر، وهو خطأ. فاعلا بالاختيار لغيرها، والقول بأحد القولين يناقض الآخر] (3) . .
وإن قيل: إن الحوادث يجوز دوامها، امتنع أن تكون علة أزلية لشيء منها، والعالم لا يخلو منها على هذا التقدير ع (فقط) : والعالم على التقديرين، وفي العبارة نقص وتحريف. بل هو مستلزم لها، فيمتنع أن يكون علة [تامة] تامة: (4) . لها في الأزل، ويمتنع أن يكون علة للملزوم دون لازمه.
(7 وأيضا، فإن كل ما سوى الواجب يمكن وجوده وعدمه، وكل ما كان كذلك فإنه لا يكون إلا موجودا بعد عدمه 7) (5) . (6) (7) . [وأيضا، فإن القول بأن المفعول المعين يقارن فاعله أزلا وأبدا مما يعلم بطلانه بضرورة العقل، ولهذا كان هذا مما اتفق عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، حتى أرسطو وأصحابه القدماء ومن اتبعه من المتأخرين، فإنهم متفقون على أن كل ما أمكن وجوده وعدمه لا يكون
_________
(1) ب، ا: وأيضا فيكون موجبا بذاته على هذا القول.
(2) ب: لمعلولات ; أ: لمعلومات.، 8 ثم يصير
(3) هنا ينتهي سقط (ن) ، (م) وهو الذي بدأ بعد عبارة " وهذا مبسوط في موضعه
(4) ساقط من (ع) ، (ن) ، (م)
(5) (7 - 7) ساقط من (ن) ، (م)
(6) .
(7) الكلام بعد القوس المعقوف ساقط من (ب) ، (أ) ، (ن) ، (م) ويوجد في (ع) ، وينتهي ص [0 - 9] 85
*************************************
إلا محدثا مسبوقا بالعدم. وإنما أثبت ممكنا قديما ابن سينا ومن وافقه، وقد أنكر ذلك عليه إخوانه الفلاسفة وبينوا أنه خالف في ذلك قول سلفه، كما ذكر ذلك ابن رشد وغيره، وكذلك عامة العقلاء من جميع الطوائف متفقون على أن كل ما يقال: إنه مفعول أو مبدع أو مصنوع لا يكون إلا محدثا.
ولهذا كان جماهير العقلاء إذا تصوروا أنه خلق السماوات والأرض تصوروا أنه أحدثها، لا يتصور في عقولهم أن تكون مخلوقة قديمة، وإن عبر عن ذلك بعبارات أخر مثل أن يقال: هي مبدعة قديمة أو مفعولة قديمة ونحو ذلك، بل هذا وهذا جمع بين الضدين عند عامة العقلاء، وما يذكره من يثبت مقارنة المفعول لفاعله من قولهم: حركت يدي فتحرك الخاتم ونحوه، تمثيل غير مطابق ; لأنه ليس في شيء مما يذكرونه علة فاعلة تقدمت على المعلول المفعول، وإنما الذي تقدم في اللفظ شرط أو سبب كالشرط، ومثل ذلك يجوز أن يقارن المشروط، هذا إذا سلم مقارنة الثاني للأول، وإلا ففي كثير مما يذكرونه يكون متأخرا عنه مع اتصاله به، كأجزاء الزمان بعضها مع بعض، هو متصل بعضها ببعض مع التأخر.
وأما ما ذكره الرازي في " محصله " وغير محصله ; حيث قال (1) .: " اتفق المتكلمون على أن القديم يمتنع استناده (2) . إلى الفاعل، واتفقت
_________
(1) الكلام التالي يذكره الرازي في كتابه " محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين "، ص [0 - 9] 5، وسنقابل النصوص التالية عليه
(2) في " المحصل ": يستحيل إسناده
****************************************
الفلاسفة على أنه غير ممتنع زمانا، فإن العالم قديم عندهم زمانا مع أنه فعل الله تعالى ".
فيقال: أما نقله عن المتكلمين فصحيح، وهو قول جماهير العقلاء من جميع الطوائف، وأما نقله عن الفلاسفة، فهو قول طائفة منهم كابن سينا، وليس هو قول جمهورهم: لا القائلين بقدم العالم كأرسطو وأتباعه، ولا القائلين بحدوث صورته، وهم جمهور الفلاسفة، فإن القائلين بقدمه لم يكونوا يثبتون له فاعلا مبدعا كما يقوله ابن سينا، بل منهم من لا يثبت له علة فاعلة. وأرسطو يثبت له علة غائية يتشبه بها الفلك، لم يثبت علة فاعلة، كما يقوله ابن سينا وأمثاله، وأما من قبل أرسطو فكانوا يقولون بحدوث السماوات، كما يقوله أهل الملل.
ثم قال الرازي: " وعندي أن الخلاف في هذا المقام لفظي؛ لأن المتكلمين يمتنعون من إسناد القديم (1) . إلى المؤثر الموجب بالذات، وكذلك زعم مثبتو الحال (2) . بناء على أن عالمية الله وعلمه (3) . قديمان (4) .، مع أن العالمية والقادرية معللة بالعلم والقدرة المحصل: مع أن العالمية معللة بالعلم. . وزعم أبو هاشم أن العالمية والقادرية والحيية والموجودية (5) معللة بحال (6) . خامسة مع أن الكل
_________
(1) المحصل (ص [0 - 9] 5) : لم يمنعوا إسناد القديم
(2) المحصل: ولذلك زعموا مثبتو الحال. والقائلون بالأحوال هم أبو هاشم الجبائي وأتباعه وسبقت ترجمته 1/270 - 271، والكلام على مذهبه في الأحوال 2/124 - 125
(3) المحصل: منا أن عالمية الله تعالى وعلمه
(4) في الأصل: قديما، وهو خطأ، وصوابه من " المحصل "
(5) في الأصل: الحسية والوجودية، والصواب من " المحصل "
(6) المحصل: بحالة
****************************************
قديم. وزعم أبو الحسين (1) . أن العالمية حال (2) . معللة بالذات، وهؤلاء وإن كانوا يمتنعون عن إطلاق لفظ القديم على هذه الأحوال، ولكنهم يغطون المعنى (3) . في الحقيقة ".
فيقال: ليس في المتكلمين من يقول بأن المفعول قد يكون قديما: سواء كان الفاعل يفعل بمشيئته، أو قدر أنه يفعل بذاته بلا مشيئة، والصفات اللازمة للموصوف: فإن قيل: إنها قديمة فليست مفعولة عند أحد من العقلاء، بل هي لازمة للذات بخلاف المفعولات الممكنة المباينة للفاعل، فإن هذا هو المفعول الذي أنكر جمهور العقلاء على من قال بقدمه، والمتكلمون وسائر جمهور العقلاء متفقون على أن المفعول لا يكون قديما، وإن قدر أنه فاعل بالطبع كما تفعل الأجسام الطبيعية، فما ذكره عن المتكلمين فليس بلازم لهم.
ثم قال (4) .: " وأما الفلاسفة فإنهم إنما جوزوا إسناد العالم القديم إلى البارئ لكونه عندهم (5) . موجبا بالذات، حتى لو اعتقدو فيه كونه فاعلا بالاختيار لما جوزوا كونه موجبا (6) . للعالم القديم ".
_________
(1) وهو أبو الحسين البصري، وسبقت ترجمته 1/395، 2/125 والإشارة إلى موقفه من الأحوال 2/125 (ت [0 - 9] ) . وفي نهاية الإقدام للشهرستاني (ص [0 - 9] 21) ما يلي: " وقد مال أبو الحسين البصري إلى مذهب هشام بعض الميل، حتى قضى بتجدد أحوال البارئ تعالى عند تجدد الكائنات مع أنه من نفاة الأحوال، غير أنه جعل وجوه التعليقات أحوالا إضافية للذات العالمية "
(2) المحصل: حالة
(3) المحصل: لكنهم يعطون المعنى
(4) في " المحصل " ص [0 - 9] 5 - 56
(5) المحصل: إسناد العالم إلى البارئ تعالى لكنه عندهم. . إلخ
(6) المحصل: موجدا
**************************************
قال (1) .: " فظهر من هذا اتفاق الكل على جواز إسناد القديم إلى الموجب القديم وامتناع إسناده إلى المختار ".
فيقال: بل الفلاسفة في كونه يفعل بمشيئته على قولين معروفين لهم. وأبو البركات وغيره يقولون بأنه فاعل بمشيئته مع قولهم بقدم العالم، فتبين أن ما ذكره عن المتكلمين باطل، وما ذكره عن الفلاسفة باطل.
أما الفلاسفة فعلى قولين، وأما المتكلمون فمتفقون على بطلان ما حكاه عنهم أو ألزمهم به، بل هم وجمهور العقلاء يقولون: يعلم بالضرورة أن كل مفعول فهو محدث، ثم كونه مفعولا بالمشيئة أو بالطبع مقام ثان (2) . .
وليس العلم بكون المفعول محدثا مبنيا على كون الفاعل مريدا، فإن الفعل عندهم لا يكون ابتداؤه إلا من قادر مريد، لكن هذه قضية قائمة بنفسها، وهذه قضية قائمة بنفسها، وكل منهما دليل على حدوث كل ما سوى الله، وهما أيضا قضيتان متلازمتان.
وهذه الأمور لبسطها موضع آخر، ولكن المقصود هنا أن المبطلين لأصول الجهمية والمعتزلة من أهل السنة والشيعة وغيرهم يقولون بهذه
_________
(1) في " المحصل " ص [0 - 9] 6
(2) في الأصل: بان، والصواب ما أثبته. ويوجد أمام الكلام السابق على هامش الصفحة التعليق التالي: " لقولنا فاعل مختار وفاعل بالمشيئة معنيان: أحدهما: ما يصح منه الفعل والترك، والثاني: ما لا يصح منه الترك. فجمهور المتكلمين تقول بالمعنى الأول وجمهور الحكماء تقول بالمعنى الثاني، وهو المعنى الذي لا ينافي كونه موجبا بالذات، فالفلاسفة عن آخرهم إنما يقولون بالمشيئة بالمعنى الثاني لا بالمشيئة بالمعنى الأول. وكذا صاحب " المعتبر " أبو البركات البغدادي إنما حكى عن الفلاسفة المشيئة بهذا المعنى "
***********************************