شرح حديث: (ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله ... الجنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية وعبد الرحمن بن محمد، قالا: حدثنا إسحاق وهو الأزرق، عن عوف، عن محمد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله بفضل رحمته إياهم الجنة، قال: يقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم)].أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا وهو بمعنى الحديث المتقدم الذي قبل هذا، وهو الذي فيه التنصيص أو الجمع بين ذكر الأبوين الأب والأم، وأنه: (ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة، يقال للأبناء: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال: ادخلوا أنتم وآباؤكم)، وهذا مثل ما تقدم في الحديث الذي مر في الرجل الذي فقد ولده، وكان يحبه حباً شديداً، فقال: أما يسرك ألا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وهو أمامك يريد أن يفتحه لك، فهذا الذي في هذا الحديث مثل ذلك الذي قبله، وهو أنهم يكونون سبباً في دخولهم الجنة، وأنهم يدخلون الجنة بسببهم، وأنهم إذا قيل لهم: ادخلوا الجنة، قالوا: حتى يدخل آباؤنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم.
تراجم رجال إسناد حديث: (ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله ... الجنة)
قوله:
[أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور أبوه بـابن علية، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وأبوه محدث مشهور وروى عنه أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره كثيراً في أسانيد الكتب الستة وغيرها، وهو مشهور بـابن علية، يعني: يأتي أحياناً مختصراً على نسبته فيقال: ابن علية، وهذا ابنه محمد بن إسماعيل، ولـإسماعيل بن علية ولد اسمه إبراهيم، ولكنه من المبتدعة قال عنه الذهبي في الميزان: إنه جهمي هالك، هذا إبراهيم بن إسماعيل، وأما أخوه هذا فهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وإبراهيم هو الذي يذكر أو ينسب إليه في بعض المسائل الفقهية مسائل شاذة، وقال: قال فيها ابن علية، فالمراد به إبراهيم، ليس إسماعيل الذي هو الأب، وإنما يراد به الابن المبتدع الجهمي الذي قال عنه الذهبي في الميزان: جهمي هالك هو الذي يأتي ذكره في المسائل الشاذة في مسائل الفقه.
ومن المسائل الشاذة التي جاء ذكره فيها مسألة الإجارة، يقول: إن الإجارة لا تجوز، وأنها حرام ولا يستغني أحد عن الإجارة، فهو شذوذ، وقد ذكر ابن رشد في بداية المجتهد قال: وخالف فيها الأصم وابن علية، وهما من المبتدعة الأصم أبو بكر بن كيسان الأصم وليس أبو العباس الأصم شيخ الحاكم فإن ذاك ثقة، ولكن عندما يأتي ذكر الأصم في المسائل الخلافية الشاذة التي فيها الشذوذ فالمراد به أبو بكر بن كيسان الأصم المعتزلي، وأما ابن علية فهو إبراهيم بن إسماعيل بن علية الجهمي، فهذان الاثنان يأتي ذكرهما في المسائل الشاذة، الأصم وهو أبو بكر بن كيسان، وابن علية الذي هو إبراهيم بن إسماعيل.
[و عبد الرحمن بن محمد].
هو عبد الرحمن بن محمد بن سلام، وهو لا بأس به، وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي، وكلمة (لا بأس به) في اصطلاح الحافظ ابن حجر تعادل صدوق، فهي مثل صدوق يعني: حديثه من قبيل الحسن.
[عن إسحاق].
هو إسحاق بن يوسف الأزرق مشهور بلقبه الأزرق، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عوف].
هو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ويقال له: الأعرابي لفصاحته وحسن نطقه.
[عن محمد].
هو محمد بن سيرين البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
رضي الله عنه قد مر ذكره.
من قدم ثلاثة
شرح حديث: (... يا رسول الله أخاف عليه وقد قدمت ثلاثة فقال رسول الله: لقد احتظرت بحظار شديد من النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [من قدم ثلاثة. أخبرنا إسحاق، أخبرنا جرير، حدثني طلق بن معاوية، وحفص بن غياث، حدثني جدي طلق بن معاوية، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها يشتكي، فقالت: يا رسول الله! أخاف عليه وقد قدمت ثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد احتظرت بحظار شديد من النار)].
أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب من قدم ثلاثة، وهو مثل الذي قبله، وهو يؤدي ما يؤديه الذي قبله من حيث أن من قدم ثلاثة من الولد لا تمسه النار، أو أنه يدخل الجنة بفضل رحمته إياهم، قال: [احتظرت بحظار من النار]، يعني: وقاية، جعلت بينها وبين النار وقاية، يكون به سلامتها من النار، [احتظرت بحظار]، الحظار هو: الذي يكون وقاية، ولهذا يقال الحظيرة التي تكون في داخلها الدواب، وتمنعها من الشرود والذهاب والانفلات، فهي كالسور، أو كالجدار، أو كالحائل الذي يكون بينها وبين النار، احتظرت بحظار من النار، وهو مثل الذي قبله، ولكنه خالف في الترجمة، هنا قال: من يتوفى له ثلاثة من الولد، وهنا قال: من قدم ثلاثة من الولد، ولعل الفرق هو من أجل اللفظ الذي ورد في الحديث؛ لأن الذي مر في الأحاديث الماضية ذكر التوفي وهنا ذكر فيه التقديم؛ لأن المرأة قالت: إنها قدمت ثلاثة من الولد، يعني: أنهم ماتوا، فهو مثل الذي قبله من حيث المعنى، ومن حيث المؤدى، ولكن النسائي لعله فرق بين الترجمتين، وإن كان مؤدى الأحاديث فيهما واحد، لعل ذلك من أجل ما ورد في هذا من لفظ التقديم، وما ورد في ذلك من لفظ التوفي.
قوله: [جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها يشتكي فقالت: يا رسول الله، أخاف عليه، وقد قدمت ثلاثة].
يعني: مات ثلاثة وتخاف أنه يلحق بهم، فقال عليه الصلاة والسلام: [لقد احتظرت بحظار شديد من النار] معناه: أنها اتخذت وقاية أو قدمت وقاية فهو من جنس ما تقدم [لم تمسه النار إلا تحلة القسم]، ومن جنس: (إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته إياهم)، فالمؤدى واحد، ولكن التفريق لعله من أجل ذكر التقديم في الحديث وذكر التوفي في الأحاديث السابقة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... يا رسول الله أخاف عليه وقد قدمت ثلاثة فقال رسول الله: لقد احتظرت بحظار شديد من النار)
قوله:
[أخبرنا إسحاق].
هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المشهور بـابن راهوية الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[أخبرنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني طلق بن معاوية].
هو طلق بن معاوية النخعي الكوفي، وهو تابعي، كبير، مخضرم، مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والنسائي.
[و حفص بن غياث].
يعني: أن إسحاق بن راهويه يروي عن حفص بن غياث ويروي عن جرير، قوله: حفص معطوف على جرير، فجرير يروي عن طلق بن معاوية وحفص يروي عن طلق، فـجرير شيخ لـإسحاق، وحفص شيخ لـإسحاق، يعني: أنه لما ذكر الإسناد الأول الذي فيه إسحاق عن جرير عن طلق بن معاوية، أتى بالإسناد الثاني الذي هو حفص يروي عنه إسحاق، وحفص يروي عن جده طلق، فلعل التفريق بينهما من أجل أن هذا نص على جده، فذكر ذاك أولاً، وذكر الرواية عن طلق في الإسناد الأول، ثم ذكر الإسناد الثاني، وذكر اللفظ الذي قاله حفص بن غياث في روايته عن جده طلق بن معاوية، وإسحاق بن راهويه يروي عن جرير بن عبد الحميد ويروي عن حفص بن غياث.
فهنا ما ذكر علامة التحويل في الإسناد، لأنّ المقصود به يعني: بدون تحويل؛ والسبب في هذا أنه ذكر جرير عن طلق، ثم ذكر حفص عن جده طلق، وطلق جاء مرتين، مرة في الإسناد الأول ومرة في الإسناد الثاني، مرة جرير عن طلق ومرة حفص عن طلق، وحفص معطوف على جرير أي: أن إسحاق قال: حدثنا جرير وحدثنا حفص، يعني: حدثنا جرير عن طلق، وحدثنا حفص عن طلق، ولعل التفريق بينهما من جهة أن في الإسناد الثاني الذي هو الطريقة الثانية أن حفصاً ذكر جده وقال: حدثني جدي طلق بن معاوية.
وحفص بن غياث ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي زرعة].
هو أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
رضي الله عنه، وقد مر ذكره في الأسانيد السابقة.
الأسئلة
تفسير معنى استواء الله تعالى على عرشه
السؤال: يقول: فضيلة الشيخ! حفظكم الله، قال الله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )[طه:5] فسرها السلف بالعلو، والصعود، والارتفاع، والاستقرار، وذكر الشيخ ابن عثيمين حفظه الله في عقيدة أهل السنة والجماعة أن الصعود والارتفاع عائدان إلى العلو، فهل نستطيع أن نفسر الاستواء كذلك بالطلوع وله معنى العلو، أو أننا لا نخرج عن أقوال السلف؟
الجواب: ما يؤتى بألفاظ غير الألفاظ التي وردت عن السلف، يقتصر على ما ورد عن السلف في ذلك، فالذي ورد عنهم هذه العبارات الأربع، وهذه ذكرها ابن القيم في النونية، وذكرها جماعة من أهل العلم نقلاً عن ابن القيم، وذكرها الشيخ الهراس في شرحه للواسطية يعني: نقلاً عن ابن القيم، فهذه عبارات السلف الأربع هي التي يقتصر عليها، ولا يؤتى بعبارات أخرى غير ما ورد عن السلف.
درجة صحة تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس
السؤال: فضيلة الشيخ، هل تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يحتج به؟ علماً بأن السيوطي قال في الإتقان في الجزء الثاني صفحة خمس أنها من أصح الطرق عن ابن عباس، وأنها عليه اعتمد البخاري في صحيحه، لكن المزي في تهذيب الكمال قال: إن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس شيئاً.
الجواب: والله ما أذكر شيئاً في هذا، لكن أذكر أن فيها كلاماً ما أتذكره، وأظن أنني ذكرت في الفوائد المنتقاة فيما يتعلق بالتفسير شيئاً عن روايات علي بن أبي طلحة.
مداخلة: إن كانت هذه الطريق ضعيفة فما هي الطرق الصحيحة أو المقبولة عند ابن عباس؟
الشيخ: والله ما أستطيع أجيب على هذا السؤال الآن، ولا أعرف، لكن طريق مجاهد بن جبر هذه معروفة أنها من أصح، فهو أخذ عنه التفسير وهو ثقة، لكن الطرق المتعددة ما أتذكرها الآن.
حكم الصلاة تجاه قبر النبي عليه الصلاة والسلام
السؤال: ما حكم الصلاة تجاه قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: قصد القبر بالصلاة إليه مخالف لما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في قوله: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)، والحديث صحيح ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمن يأتي ويتعمد أن يصلي إلى القبر، فإنه واقع في هذه المخالفة لهذا الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فقوله: (لا تصلوا إلى القبور) يعني: لا تستقبلوها فتجعلوها قبلة لكم، وقد ذكر البخاري في صحيحه أثراً عن عمر ما أدري من هو الشخص الذي كان يصلي، وكان إلى قبر فصاح به: القبر.. القبر، ثم حوله إلى جهة ليس فيها قبر، طبعاً الصلاة أمام القبر وقصد القبر بالصلاة عليه، أو بكونه يصير في القبلة هي هذه المخالفة الواضحة، أما من يصف وهو لا يدري، أو يصف من مكان بعيد ولا يدري هل القبر أمامه أو ليس أمامه، هذا ليس عليه شيء، بل هو معذور، ولكن من يأتي ويتعمد ويعرف أن القبر أمامه، ثم يريد أن يصلي وراءه فإن هذا داخل تحت هذا الحديث الذي قال فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها).
فيمن نزلت هذه الآية: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)؟
السؤال: قوله تعالى: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا )[الحجرات:6] هل هذه الآية نزلت في صحابي، وإن كان كذلك فهل يطعن في عدالته؟
الجواب: كما هو معلوم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من حصل منهم خطأ، فعقيدة أهل السنة معروفة أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عدول، وأن من حصل منهم خطأ، فهم قد حصل لهم من السوابق وحصل لهم من الأعمال، وحصل له من الحسنات التي تمحو السيئات ما يكون بدلاً من ذلك، وهذا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، في آخر كتاب العقيدة الواسطية، فإنه تكلم في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، فالصحابة كلامهم من أبدع الكلام، ومن أحسن الكلام، وأن من جاء عن الصحابة منه شيء عيب عليه، فإنه يعتذر عنه بتلك الأشياء التي أشرت إلى شيء منها، فالفسق أو الخطأ إذا حصل من الصحابة فهم كما هو معلوم غير معصومين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولكن من حصل منه خطأ أو حصل منه زلل، فإن له من الحسنات المكفرة، والحسنات الماحية، وله من صحبة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وله من الفضل على ذلك ما يكفر ما حصل منه خطأ إن حصل.
مدى عموم أحاديث ثواب من مات له ثلاثة أولاد بين الذكور والإناث
السؤال: هل المقصود فضيلة الشيخ المذكورين في الأحاديث السابقة الذكور فقط أم يشمل الإناث والذكور؟
الجواب: لا، يشمل الذكور والإناث؛ لأن ذكر الولد يطلق على الذكر والأنثى، ولهذا يقول الله عز وجل: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ )[النساء:11] فكلمة الأولاد تشمل الرجال والنساء، تشمل الذكور والإناث وليست خاصة بالأبناء، بل تشمل البنات؛ لأن ذكر الولد عند إطلاقه يشمل الجميع.
مدى جواز إزالة الشارب النابت للمرأة
السؤال: فضيلة الشيخ، هل يجوز للمرأة أن تأخذ من شاربها؟
الجواب: إذا طلع لها شارب فلها أن تزيله، وتتخلص منه، أو تقصه وتنتفه، وكذلك شعر الوجه ما عدا شعر الحواجب.
مكان اعتداد المرأة عن زوجها
السؤال: فضيلة الشيخ، المتوفى عنها زوجها هل تعتد في بيت زوجها أو في البيت الذي يبلغها فيه وفاة زوجها؟
الجواب: لا، تعتد في بيت زوجها؛ لأنه قد يبلغها وهي عند الجيران أو عند أناس أجانب زارتهم، فكيف تعتد عندهم، وإنما تعتد في بيت زوجها.