من مفردات غريب القرآن(5)
وحيد عبدالله أبو المجد
(المكْر)
مَكَرَ يَمْكُرُ مَكْرًا ومَكَرَ به؛ قال الليث: (المَكْرُ احتيال في خُفية)، وقال ابن سيده: (المَكْرُ الخَدِيعَة والاحتيال)[1].
ومعنى المكْر اصطلاحًا: (المكْر ما يَقْصد فَاعله في بَاطِنه خلاف ما يَقْتَضِيه ظَاهره)[2].
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 54].
قد يسأل سائل: كيف يمكر الله تعالى؟
وهنا لنا وقفة للإيضاح وزوال أي استشكال قد يطرأ في فهم الآية المباركة.
ومن فضل الله وتوفيقه أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وعندنا التفسير بالأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا اجتهاد العلماء الأجلاء، فكل ذلك يبين لنا الإجابة الشافية الكافية، بإذنه تعالى.
قال الزجاج: "مكر الله هو مجازاتهم على مكرهم، فسمي الجزاء باسم الابتداء؛ كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [البقرة: 15].
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ [النساء: 142].
وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]"[3].
من هنا يتبين لنا أن مكر الله لا يستخدم إلا في رد البلاء، ودفع الضرر عن المؤمنين الذين يمكر بهم فئة من الناس.
وهو لا شك (مكر محمود)؛ إذ إن المكر من الله تعالى جزاء سُمي باسم مكر المجازي؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40]، فالثانية ليست بسيئة في الحقيقة، ولكنها سميت سيئة لازدواج الكلام، وكذلك قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: 194]، فالأَول ظلم والثاني ليس بظلم، ولكنه سمي باسم الذنب ليُعلم أَنه عقاب عليه وجزاء به، ويجري مجرى هذا القول كما بينا من سياق الآيات، فالمكر ليس شرًّا في حد ذاته، بل يتم تصنيف المكر بأنه مكر فاسد أو مكر صالح بتحديد الغاية من ورائه.
أما مكر المنافقين وغيرهم الذين يمكرون بالمؤمنين، هذا مكر مذموم، لأنه يُتحرى به فعل قبيح؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ [فاطر: 43].
وقوله تعالى: ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النمل: 51].
وحتى يتبين لنا الأمر بصورة أوضح، هنا في تلكم الآية سنعلم الفرق بين المكر المحمود والمذموم في قوله تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: 50].
(مكروا مكرًا): هذا مذموم، (ومكرنا مكرًا) هذا هو المحمود؛ لأنه سبحانه يحيق مكرهم ويجعله مردودًا عليهم.
ومن السنة النبوية أيضًا نتعلم فدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما جاء في سنن أبي داود وابن ماجه، وأحمد، والترمذي واللفظ له: ((اللهم امْكُرْ لِي ولا تَمْكُرْ عليَّ)).
وكما في شرح العلماء للحديث: ((وامْكُرْ لي))؛ الْمَكْرُ هو الخِداعُ، وهو مِن اللهِ إيقاعُ بَلائِه بأعدائِه مِن حيثُ لا يَشعُرون في قابلة مكرهم، وهو صِفةُ كَمالٍ في حَقِّه تعالى؛ أي: أنزِلْ مَكْرَك بمَن أراد بي شَرًّا وسوءًا، وارزُقْني الحيلةَ السَّليمةَ، والطَّريقةَ الْمُثْلى في دَفْعِ كَيْدِ عدوِّي، فأَسْلَمَ مِن كَيدِهم وشَرِّهم.
((ولا تَمكُرْ علَيَّ))؛ أي: ولا تَهْدِ عدُوِّي إلى طريقِ دَفْعِه إيَّاي عن نفسِه، ولا تُعامِلْني بسُوءِ نيَّتي، فأغتَرَّ وأتجاوَزَ الحَدَّ مِن حيثُ لا أشعُرُ فأَهلِكَ[4].
فالمكر من صفات اللهِ تعالى الفعلية المقيدة التي تقع بمَشيئتِه، فلا تطلق على الله تعالى إلا في سبيل المقابلة والجزاء لمن يمكر به تعالى وبأوليائه.
نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.
[1] الصحاح للجوهري، تاج العروس للزبيدي.
[2] معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم.
[3] من تفسير القرطبي رحمه الله.
[4] شرح الأدب المفرد.