عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 10-05-2022, 07:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,491
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

في البكاء على الميت

شرح حديث: (... إني لست أبكي ولكنها رحمة ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [في البكاء على الميت.أخبرنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما حضرت بنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرة فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمها إلى صدره، ثم وضع يده عليها فقضت، وهي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت أم أيمن، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم أيمن! أتبكين ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندك؟ فقالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لست أبكي، ولكنها رحمة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه، وهو يحمد الله عز وجل)].
أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي في البكاء على الميت، والمقصود بالبكاء هو: البكاء السائغ الذي لا محذور فيه ولا مانع منه، وهو الذي يكون عن طريق حزن القلب، ودمع العين من غير صوت للإنسان حين يبكي حتى يحصل منه كلام أو شيء من ذلك، وإنما كون عينه تدمع وقلبه يحزن فهذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وأما حصول البكاء برفع صوت أو ما إلى ذلك فإن هذا محرم، وقد جاء فيه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستأتي في الأحاديث القادمة، وقد كان عليه الصلاة والسلام يحصل منه البكاء عند موت الإنسان، فقد بكى عندما مات ابنه إبراهيم، وقال: (إن العين لتدمع، والقلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
وقد أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في شأن وفاة ابنة صغيرة للرسول صلى الله عليه وسلم، أي: ابنة لإحدى بناته توفيت وخرجت نفسها وهي بين يديه، (قضت) أي: ماتت وهي بين يديه صلى الله عليه وسلم فبكى، وظهر منه البكاء، ودمعت عينه، وكانت أم أيمن عنده فبكت، فقال لها رسول الله عليه الصلاة والسلام: كيف تبكين، وأنت عند رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال: (إني لست أبكي ولكنها رحمة).
يعني: إن الذي حصل إنما هو دمع العين، وحزن القلب، وهذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وذلك لا مانع منه، وإنما المحذور أن يكون هناك صوت عند البكاء، بأن يحصل من الإنسان تجاوز ذلك الذي هو سائغ، إلى غيره مما لا يسوغ ولا يجوز، فهذا هو الذي جاءت به الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في النهي عنه، ولعل أم أيمن ظهر لها صوت، فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر لها ذلك، وقالت: إنها تبكي لأن النبي صلى الله عليه وسلم يبكي، ومن المعلوم أن البكاء الذي هو سائغ هو الذي عن طريق دمع العين وحزن القلب، أما إذا وجد صوت فإن هذا غير سائغ كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: [(قالت: مالي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لست أبكي ولكنها رحمة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن بخير على كل حال)].
أي: في جميع أحواله هو على خير، فإن أصابه شيء يسر شكر الله عز وجل عليه، فهو على خير، وإن أصابه شيء يضر صبر عليه، فإنه على خير، وقد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)، فالمؤمن في خير على كل حال، سواء كان في حال السراء أو الضراء، إن كان في السراء فهو شاكر، وهو على خير في شكره لله عز وجل على نعمه، وإن كانت الضراء وصبر، فهو على خير على صبره على المصائب، وكونه يؤمن بقضاء الله وقدره، فهو على خير في جميع الأحوال.
قوله: [(المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من جنبيه وهو يحمد الله عز وجل)].
أي: يحمد الله عز وجل، ويصبر على ما أصابه، وهذا هو شأن المؤمن فهو في حمد، وشكر، وصبر، واحتساب للأجر عند الله عز وجل.

تراجم رجال إسناد حديث: (... إني لست أبكي ولكنها رحمة ...)

قوله:
[أخبرنا هناد بن السري].
هو هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا أبو الأحوص].
هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي الأحوص، وهنا ذكر بما اشتهر به، بل إن ذكره غالباً إنما هو بكنيته؛ لأنه قد اشتهر بذلك.
[عن عطاء بن السائب].
صدوق، اختلط، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عكرمة].
هو ابن عبد الله مولى ابن عباس، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام.
والإسناد فيه عطاء بن السائب. وهو ممن اختلط، ومن المعلوم أن المختلط إذا جاء شيء يعضده، وجاء الحديث من طرق أخرى فإنه يكون ثابتاً لوروده من غير طريقه، أما لو لم يأت إلا من طريق المختلط، فهذا ينظر فيه هل كان الأخذ عنه قبل الاختلاط، أو بعده؟ فإذا كان قبل الاختلاط، فإنه يعتمد ولا يؤثر، وإن كان الأخذ عنه بعد الاختلاط، فهذا هو الذي يؤثر، وعلى كل حال فإذا كان الأخذ بعد الاختلاط، أو شك هل هو قبل الاختلاط أو بعده، وثبت أو روي الحديث من طرق أخرى، فإن الرواية أو الحديث الذي جاء عن المختلط لا يؤثر؛ لأنه قد جاء من غير طريقه، فيكون ذلك الطريق الذي جاء منه ثابتاً من أجل ما جاء عن غيره، وليس من أجل ما جاء عنه هو.
وابن عباس هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

شرح حديث: (أن فاطمة بكت على رسول الله حين مات ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن فاطمة رضي الله تعالى عنها بكت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات فقالت: يا أبتاه! من ربه ما أدناه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه].أورد النسائي هذا الحديث، أن فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها لما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام بكت البكاء الذي لا صوت معه، والذي يكون بدمع للعين، وحزن للقلب، وهذا ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو القدوة والأسوة الحسنة لأمته عليه الصلاة والسلام، وفاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لما توفي عليه الصلاة والسلام بكت وقالت هذه المقالة عند وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، قالت: (يا أبتاه! من ربه ما أدناه)، يعني: ما أقربه من ربه، (إلى جبريل ننعاه)؛ لأنه كان ينزل إلى الأرض بالوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبموت الرسول صلى الله عليه وسلم ينتهي نزول جبريل بالوحي.
ثم قالت: (يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه)، وهو المكان الأعلى من الجنة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان آخر ما قاله وهو في النزع: (اللهم في الرفيق الأعلى).
والحديث أورده النسائي من أجل ذكر البكاء، وقد علمنا بأن البكاء على الميت يسوغ إذا كان عن طريق حزن القلب ودمع العين من غير صوت عند البكاء، ومن غير أمور أخرى كما سيأتي ذكرها، وهي: شق الجيوب، وحلق الرءوس، وما إلى ذلك من الأشياء التي جاء اللعن فيها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في حق من فعل تلك الأمور.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن فاطمة بكت على رسول الله حين مات ...)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن عبد الرزاق].
هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، أكثر عبد الرزاق بن همام من الرواية عنه، وقد روى عنه حديث الصحيفة، وهي: صحيفة همام بن منبه الطويلة التي تشتمل على مائة وأربعين حديثاً تقريباً، وهي موجودة في مسند الإمام أحمد، وقد أفردت في الطباعة، وقد اشتملت على مائة وأربعين حديثاً كلها صحيحة، وكلها بإسناد واحد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وكلها بإسناد واحد، وبين كل حديث وحديث: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، والبخاري رحمه الله أخرج منها أحاديث، ومسلم أخرج منها أحاديث، واتفقا على إخراج أحاديث منها، وتركا أحاديث منها، وهذا من أوضح الأدلة على أن الإمام البخاري والإمام مسلم لم يتلزما بإخراج كل حديث صحيح؛ لأن هذه الصحيفة بإسناد واحد، ومع ذلك أخذا منها وتركا، فلو كان القصد هو إخراج كل حديث صحيح لكان هذا الإسناد الذي أخرجا بعض الأحاديث من هذه الطريق ما تركا شيئاً من هذا الإسناد، أو من هذا المتن الذي جاء بهذا الإسناد، وإنما أخذا وتركا، وهذا من أوضح الأدلة التي يستدل بها على أن البخاري، ومسلم لم يلتزما إخراج كل حديث صحيح، بل تركا من الصحيح الشيء الكثير، ولم يقصدا الاستيعاب والحصر للأحاديث الصحيحة، وإنما أرادا جمع جملة كثيرة من الأحاديث الصحيحة، من غير استقصاء واستيعاب.
ومعمر بن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ثابت].
هو ثابت بن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهم أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وأم المؤمنين عائشة هؤلاء هم السبعة المعروفون بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

شرح حديث: (... لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله تعالى عنه: (أن أباه قتل يوم أحد قال: فجعلت أكشف عن وجهه وأبكي، والناس ينهوني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، وجعلت عمتي تبكيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، في قصة استشهاد والده عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنه، وأنه قد مثل به، وكان قد سجي بثوب، وكان ابنه جابر يبكي ويكشف عن وجهه، والصحابة ينهونه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاه، ولعل كونهم ينهونه؛ لأنه قد مثل به، وتغيرت صورته رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فخشوا أن يصيبه تأثر كبير وتألم عظيم، فأرادوا الرفق به، ولهذا نهوه وكرروا النهي؛ لأنه إذا رأى وجه أبيه وقد تغير ومثل به، فقد يحصل له تأثر، فلعل هذا هو الذي دفعهم إلى ذلك.
والنسائي أورد الحديث هنا من أجل ذكر البكاء، وأنه كان يبكي بحضرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن البكاء كما هو معلوم هو البكاء الذي هو سائغ، وهو الذي يكون معه دمع العين، وحزن القلب، والحديث سبق أن مر بنا عند ذكر التسجية، وتغطية الميت وتسجيته، وأنه يسجى ويغطى، وجابر رضي الله عنه، كان يبكي، ويكشف عن وجهه وأصحابه ينهونه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاه، وهذا دال على ما ترجم له المصنف من البكاء على الميت، أي: البكاء السائغ الذي لا ينهى عنه.
أما عمته وقد مر في الحديث أنها أخت عمرو أو ابنة عمرو وهو شك من الراوي فإنها بكته، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا تبكي، يعني: نهاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البكاء، وقال: (إن الملائكة ما زلت تظله حتى رفع) يعني: ومثله قد أقدم على شيء يسر، وعلى شيء ينفع، فمثله لا يبكى عليه؛ لأنه أقدم على ما هو خير، وانتقل إلى ما هو خير، والملائكة كانت تظله إكراماً له، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

تراجم رجال إسناد حديث: (... لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله ...)


قوله:
[أخبرنا عمرو بن يزيد].
هو عمرو بن يزيد الجرمي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن بهز بن أسد].
هو بهز بن أسد العمي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن المنكدر].
هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام المكثرين من الرواية عنه، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكرهم آنفاً.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.83 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.47%)]