شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الجنائز
(324)
- (باب تقبيل الميت) إلى (باب في البكاء على الميت)
كتب الله تعالى على هذه الدار بمن فيها الفناء، فالكل ميت ومفارق لها، فمن مات له إنسان فبكى عليه فلا بأس إذا كان بكاء مما يسوغ في الشرع، فلقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال واصفاً حاله: إنها رحمة. ونهى عن البكاء الذي يصحبه صوت وجزع.
تقبيل الميت
شرح حديث: (أن أبا بكر قبل بين عيني النبي وهو ميت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تقبيل الميت. أخبرنا أحمد بن عمرو أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل بين عيني النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميت].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تقبيل الميت، أي: أنه جائز، وأورد فيه ما حصل من أبي بكر رضي الله عنه، لما جاء والرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، وهو مغطى فكشف عن وجهه، وقبل بين عينيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عن أبي بكر الصديق وعن الصحابة أجمعين، ففعل هذا الصحابي الجليل أول الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، يدلنا على أن ذلك سائغ.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن أبا بكر قبل بين عيني النبي وهو ميت)
قوله:
[أخبرنا أحمد بن عمرو].
هو أحمد بن عمرو بن السرح أبو الطاهر المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن وهب عن يونس].
يونس، هو ابن يزيد الأيلي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وقد مر ذكرها.
حديث: (أن أبا بكر قبل النبي وهو ميت) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى عن سفيان حدثني موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهم أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت].أورد النسائي حديث ابن عباس، وعائشة وهو مثل الذي قبله (أن أبا بكر رضي الله عنه، قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميت) في الحديث الأول بين أنه قبل بين عينيه، وهذا مطلق، وذاك يبين مكان التقبيل.
قوله:
[أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى].
هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومثله محمد بن المثنى، فـمحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي كل منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتا في سنة واحدة وهي سنة (252هـ)، ومثلهم محمد بن بشار أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومات معهم في هذه السنة، فهم ثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة ماتوا في سنة واحدة.
[قالا: حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني موسى بن أبي عائشة].
هو موسى بن أبي عائشة الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن عبيد الله بن عبد الله].
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله هذان من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، فقيه، أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وفقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين هم: عبيد الله هذا، وعروة بن الزبير الذي مر، وكذلك سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن ابن عباس وعائشة].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهم: من صغار الصحابة، ومشهورون بهذا اللقب: العبادلة الأربعة، مع أن من يسمى عبد الله كثير من أصحاب رسول الله، ولكن هذا اللقب اشتهر بهؤلاء العبادلة الأربعة.
[عن عائشة].
مر ذكرها.
شرح حديث: (أن أبا بكر أقبل على فرس ... ثم أكب عليه فقبله فبكى ...) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد حدثنا عبد الله حدثنا معمر ويونس قالا: قال الزهري: وأخبرني أبو سلمة أن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرته، أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه، أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبله، فبكى، ثم قال: بأبي أنت، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وفيه تفصيل ما حصل من أبي بكر رضي الله عنه، وأنه قدم من مسكنه بالسنح، وهو مكان في عوالي المدينة، فجاء على فرس، بعد أن سمع خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان بعض الصحابة دهشوا وذهلوا، ولم يصدق بعضهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات، فدخل وكشف عن وجهه، وكان مغطى ببرد حبرة، وهي ثياب من الثياب اليمانية يقال له: حبرة بوزن عنبة، يعني: كان قد غطي به عليه الصلاة والسلام، فكشف عن وجهه، [(ثم كب عليه فقبله فبكى، ثم قال: بأبي أنت والله)].
يعني: مفدي أنت بأبي والله، ليس المقصود به الحلف بالله وإنما المقصود به: فداؤك أبي، وهذه كلمة يقولها العرب، ويستعملونها كثيراً، فعندما يخاطبونه يذكرون التفدية، فأحيان يقولون بالأب والأم، وأحياناً يقولون بالأب كما هو هنا؛ وذلك لشدة محبة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذه كلمة تستعمل حتى في حال الموت؛ لأنها كلمة تدل على تعظيم من تقال في حقه والتنويه بشأنه.
قال: (والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً)، يعني: كونه يموت، ثم يرجع، ثم يموت، ليس هناك إلا هذه الموتة التي يخرج بها من الدنيا، نعم هناك موتتان وحياتان جاءت في القرآن: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )[غافر:11] (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )[البقرة:28]، فالموتة الأولى: هي التي كانت لهم حين كانوا عدماً وقبل أن يوجدوا، ثم حصلت الحياة الدنيا، ثم يحصل الموت، ثم تحصل الحياة الأخروية، هاتان هما الحياتان، والموتتان اللتان قال الله عز وجل عن الكفار: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )[غافر:11]، وجاء تفصيلها في سورة البقرة: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )[البقرة:28] الموت الأول وهو كونه عدماً، ثم الحياة الدنيوية، ثم الموت والانتقال منها، ثم الحياة الأخروية التي ليس بعدها موت، وإنما الموتة التي كتبها الله عز وجل عليه قد ذاقها وقد ماتها، وأنه قد مات فعلاً، وليس كما حصل من بعض الصحابة حينما دهش وذهل، وقال ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تسجية الميت
شرح حديث جابر: (جيء بأبي يوم أحد ... وقد سجي بثوب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تسجية الميت. أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت ابن المنكدر يقول: سمعت جابراً رضي الله تعالى عنه يقول: (جيء بأبي يوم أحد وقد مثل به، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سجى بثوب، فجعلت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرفع، فلما رفع سمع صوت باكية، فقال: من هذه؟ فقالوا: هذه بنت عمرو أو أخت عمرو، قال: فلا تبكي، أو فلم تبكي؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تسجية الميت، وقد مر في الحديث الذي قبله كون النبي صلى الله عليه وسلم قد سجي ببرد حبرة، وأن أبا بكر كشف ذلك البرد وقبله، فهو دال على ما حصل، إلا أن هذا فيه كونه فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره على ذلك، ومن المعلوم أن كون الصحابة سجوه دليل على أن فعلهم حجة؛ ولكن النسائي رحمه الله، أتى بالشيء الذي هو مضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث التقرير، وأنه أقره حيث كان قد سجي بثوب.
وتسجية الميت يعني: تغطيته إذا مات، وأورد في هذه الترجمة حديث جابر بن عبد الله أنه أوتي بأبيه لما استشهد يوم أحد وقد مثل به حتى تغيرت صورته، وقد سجي بثوب، فجاء يريد أن يكشف عنه فنهاه قومه، ولعل نهيهم عنه لأنه قد مثل به فيخشون أنه يصيبه تأثر شديد لكونه قد مثل به، فلعل هذا هو السبب لكونهم ينهونه، ويخشون أن يتألم، وأن يتأثر تأثراً بالغاً، فلم يريدوا منه أن يكشف فيرى وجه أبيه ممثلاً به، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غطي.
قوله: [(فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فرفع)] أي: حمل حتى يدفن، ويوارى.
قوله: [(فلما رفع سمع صوت باكية، فقال: من هذه قالوا: ابنة عمرو أو أخت عمرو)] يعني: وهي من أقربائه.
قوله: [(قال: فلا تبكي)].
قيل: إنه نهي، وقيل: إنه نفي بمعنى النهي.
قوله: [(أو فلم تبكي؟)] فهذا شك من الراوي هل قال كذا، أو قال كذا؟ والمقصود من هذا: أنها كيف تبكي وهو قد أقدم على خير؟ وهو يفرح له بهذا الذي أقدم عليه، ولا يبكى عليه وقد حصل له هذا الخير وهي: الشهادة في سبيل الله عز وجل.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: [(ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع)]، وهذا يدل على فضل عبد الله بن حرام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
تراجم رجال إسناد حديث جابر: (جيء بأبي يوم أحد ... وقد سجي بثوب ...)
قوله:
[أخبرنا محمد بن منصور].
هو الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت ابن المنكدر].
هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت جابراً].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين مر ذكرهم آنفاً، وهذا الإسناد من الأسانيد الرباعية، يعني: محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر، فهو سند رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي.
يتبع