شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الجنائز
(322)
(باب علامة موت المؤمن) إلى (باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه)
جاءت أحاديث تبين علامات موت المؤمن، وأن ذلك يكون بعرق الجبين؛ لما يلاقيه من شدة الموت، كما حصل ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد مات يوم الإثنين، وجاء في السنة أن من مات في غير مولده زاد ثوابه.
علامة موت المؤمن
شرح حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب علامة موت المؤمن.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (موت المؤمن بعرق الجبين)].
يقول النسائي رحمه الله: باب علامة موت المؤمن. ومقصوده من هذه الترجمة؛ ما جاء في الحديث من أن المؤمن يموت بعرق الجبين، وأن هذه هي العلامة التي ترجم أو عقد هذه الترجمة لها، فعلامة موت المؤمن عرق جبينه، أو أنه يموت بعرق الجبين، وقد فسر عرق الجبين بثلاثة تفسيرات:
فقيل: إنه يراد به ما يحصل له من الشدة التي تكون عند الموت، فيكون فيها تكفير لخطاياه، ويكون فيها رفعة لدرجاته وثوابه عند الله عز وجل؛ لأن المؤمن لا يصيبه بلاء ويصبر عليه إلا كان خيراً له كما جاء في الحديث: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).
وعلى هذا فإن هذا المعنى هو أنه يموت بعرق الجبين، أنه يكون عنده شدة، والله عز وجل يأجره على ما يحصل له من الشدة عندما يحصل منه الصبر، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته ولخطاياه.
وفُسر أن عرق الجبين يكون حياءً من الله عز وجل عندما تأتيه البشرى، وقد قدم شيئاً من الذنوب والخطايا، وقد بشر فإنه يستحي من الله عز وجل الذي تفضل عليه وجاد عليه، وحصلت له هذه البشرى مع أنه حصل منه ما حصل من الإخلال بما عليه من حقوق النعم التي أعطاه الله عز وجل إياها، وأنه لم يقم بشكرها كما ينبغي، فهو يعرق جبينه أو يحصل له ذلك حياء من الله عز وجل.
وقيل: إن هذه علامة تكون للمؤمن وإن لم يعرف المعنى، المهم أنه جاء في الحديث أنه يموت بعرق الجبين، وسواء عرفت الحكمة من وراء حصول هذه العلامة وكونها شدة كما في القول الأول، أو كونها حياء كما في القول الثاني.
والحديث الذي أورده النسائي في هذه الترجمة: (المؤمن يموت بعرق الجبين) حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وقد عرفنا معنى هذا المتن على ما قيل فيه من أقوال ثلاثة.
تراجم رجال إسناد حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين)
قوله:
[أخبرنا محمد بن بشار].
هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، هو شيخ لهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومن الشيوخ الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة مباشرة وبدون واسطة محمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وكذلك عمرو بن علي الفلاس.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان، وهو المحدث، الناقد، ثقة، ثبت، وهو بصري، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن المثنى بن سعيد].
هو البصري الضبعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن بريدة].
هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، وهو مروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو بريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
حديث: (موت المؤمن بعرق الجبين) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن معمر حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤمن يموت بعرق الجبين)].هنا أورد النسائي حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه من طريق أخرى، والمتن هو نفس المتن.
قوله:
[أخبرنا محمد بن معمر].
هو محمد بن معمر البحراني البصري، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يوسف بن يعقوب].
هو يوسف بن يعقوب بن أبي القاسم، وهو صدوق، أخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وما خرج له مسلم، ولا أبو داود.
[حدثنا كهمس].
كهمس هو: ابن الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن بريدة].
هو عبد الله بن بريدة الذي سمي في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن أبيه].
هو بريدة بن الحصيب، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شدة الموت
شرح حديث عائشة: (... فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعدما رأيت رسول الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [شدة الموت.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا عبد الله بن يوسف حدثني الليث حدثني ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لبين حاقنتى وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: شدة الموت، يعني: ما يحصل عنده من الشدة في النزع قبل خروج الروح، والمقصود أنها حصلت لرسول الله عليه الصلاة والسلام وهو أكمل الناس، وهو خير الناس عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك فيه زيادة لأجره وثوابه عند الله عز وجل، وفي هذا تسلية للغير في حصول تلك الشدة للرسول صلى الله عليه وسلم فمن يحصل له ذلك من الشدة، أنه لا يظن به أن هذا علامة سوء له، بل قد تكون علامة خير؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وهو خير الناس وأفضل الناس لقي ما لقي من الشدة عند خروج روحه صلوات وسلامه وبركاته عليه، ومن المعلوم أن حصول ما يحصل للمسلم من المصائب ومن الشدائد ومن الأمور الشديدة والأمور العظيمة إذا صبر على ذلك أنه يؤجر عليه، ويكون كفارة لخطاياه، ويكون ذلك الذي يحصل له في آخر حياته مما يكفر الله تعالى به خطاياه.
ولكن المحذور والأمر الذي ليس بحسن هو كون الإنسان لا يرضى، كأن يتسخط، ويحصل منه ما يحصل من التبرم والتسخط، فهذا هو الذي يضر الإنسان، وأما إذا صبر على الشدة، وصبر على النصب، واحتسب الأجر عند الله عز وجل، فإنه ما من مصيبة تصيب الإنسان فيصبر عليها إلا ويكون مأجوراً على ذلك ويحصل الأجر على ذلك.
وأورد النسائي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وأنها قالت: [إن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو بين حاقنتها وذاقنتها]. أي: أنها قد أسندته على صدرها، وكان رأسه على صدرها بين بطنها وبين ذقنها، ففسر بأن الحاقنة هي البطن، والذاقنة هي الذقن، وقيل: بأن الحاقنة هي ملتقى الترقوتين، وتفسيره بأن الحاقنة هي المعدة والبطن، والذاقنة الذي هو الذقن، فيكون الرأس على الصدر الذي هو بين الذقن وبين البطن وهذا هو الواضح؛ لأن رأسه عليه الصلاة والسلام كان على صدرها، وكان بين حاقنتها وذاقنتها، يعني: أنها أعلم الناس بحاله، وبما جرى له عند النزع وعند خروج روحه صلى الله عليه وسلم، ولهذا قالت: [ما أكره الموت لأحدٍ أبداً بعد ما رأيت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم] يعني: أنه ليس علامة غير طيبة، بل هو علامة طيبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو خير الناس، وأكرم الناس، وأفضل الناس، حصل له ذلك، فإذا حصل لأحدٍ من الناس فإن ذلك قد حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: فيكون ذلك خيراً له إذا صبر، أما إذا لم يصبر وحصل منه التبرم، والتضجر، وعدم الصبر؛ فإن هذا على خطر؛ لأن هذا لا يكون صبر على البلاء، ومن المعلوم أن الصبر على البلاء هو الذي يؤجر عليه الإنسان، وأما إذا حصل منه كلمات غير حسنة، فإن هذا يكون فيه عدم الصبر، ويكون فيه صدور الكلام الذي يؤاخذ عليه الإنسان.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (... فلا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعدما رأيت رسول الله)
قوله:
[أخبرنا عمرو بن منصور].
هو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عبد الله بن يوسف].
هو عبد الله بن يوسف التنيسي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثني الليث].
هو الليث بن سعد المصري، فقيه مصر، ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني ابن الهاد].
هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني، وهو ثقة، مكثر من الرواية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بالنسبة لجده.
[عن عبد الرحمن بن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، من الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو سعيد، وأنس، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال، وامرأة واحدة.
الموت يوم الإثنين
شرح حديث: (... وتوفي من آخر ذلك اليوم وذلك يوم الإثنين) في وفاة النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الموت يوم الإثنين.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: (آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فأراد أبو بكر أن يرتد فأشار إليهم أن امكثوا وألقى السجف، وتوفى من آخر ذلك اليوم وذلك يوم الإثنين)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الموت يوم الإثنين، فأورد تحتها حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، الذي أخبر أن آخر نظرة نظرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كشفت الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأراد أبو بكر أن يرجع القهقرى ليصلي أو ليتقدم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليهم أن امكثوا، ثم أرجع الستار ومات الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم، وكان ذلك يوم الإثنين.
قوله: [آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فأراد أبو بكر أن يرتد فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم، وذلك يوم الإثنين] وهذا فيه -وفي غيره من الأحاديث- أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه هو الذي كان يصلي بالناس تلك المدة؛ التي هي مدة مرضه عليه الصلاة والسلام، فإنه لما حصل له المرض ولم يتمكن من الحضور للمسجد ليصلي بالناس قال: (مروا أبا بكر فليصلي بالناس) فراجعوه فقال: (مروا أبا بكر فليصلي بالناس)، وهذه علامة واضحة جلية إلى أنه الأحق بالأمر من بعده رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ولهذا قال الفاروق رضي الله عنه وأرضاه يوم السقيفة: (رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا أفلا نرتضيك لأمر دنيانا)، وكان الناس يصلون في مدة مرضه عليه الصلاة والسلام خلف أبي بكر رضي الله عنه، وفي اليوم الذي مات فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حصل له نشاط، ثم إنه كشف الستارة، فظنوا أنه سيخرج، وأنه سيأتي للصلاة بهم، وأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يرجع القهقرى؛ أي: أن يرجع إلى الورى حتى يخلي المكان لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن امكثوا؛ يعني: على ما أنتم عليه خلف إمامكم، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر ذلك اليوم.
يتبع