عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 09-05-2022, 04:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الفقه على المذاهب الأربعة ***متجدد إن شاء الله

الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري
الجزء الرابع
[كتاب النكاح]
صـــــ 211 الى صــــــــ
219
الحلقة (193)





مباحث القسم بين الزوجات في المبيت والنفقة ونحوهما
تعريفه
-القسم - بفتح القاف - معناه لغة مصدر قسم قسماً، كضرب ضرباً، أي فرق الأنصباء وأعطى كل واحد نصيباً، أما القسم - بكسر القاف - فهو نفس النصيب، يقال: هذا قسمي من الأرض أو الزرع أو الحب، أي نصيبي وحصتي، ويجمع بالكسر على أقسام، كحمل وأحمال.
وأما معناه في اصطلاح الفقهاء، فهو العدل بين الزوجات في البيتوتة ولو كتابية مع مسلمة، فإن كن كلهن حرائر سوى بينهن بحيث يبيت عند كل واحدة مثل ما يبيت عند ضرتها، وإن كان بينهن أمة (1) ، فللحرة ضعف ما للأمة بأن يبيت عند الحرة ليلتين وعند الأمة ليلة، وهكذا، أما النفقة من مأكول، ومشروب، وملبوس، وسكنى فلا تجب التسوية بينهن فيها، بل يجب لكل واحدة منهن نفقة مثلها اللائقة بحالها، فلا يحل الجور على واحدة منهن في ذلك، بحيث لو أنقص واحدة منهن عن نفقة مثلها كان حراماً عليه، ثم بعد أن يعطي كل واحدة منهن حقها اللائق بها جاز له أن يميز ضرتها بما يحب، لأنه في هذه الحالة يكون متبرعاً، ولكن ينبغي أن ينظر إلى ما عساه أن يترتب على ذلك من فساد وفتن، فإن كان ذلك يفضي إلى شقاق بين الأسرة، وتولد الأحقاد والضغائن بينها وإيجاد النفرة والعداوة بين الأولاد، فإنه لا يجوز له أن يفعله وإلا فإنه يجوز (2) .
حكم القسم ودليله وشرطه
-والقسم المذكور واجب، فيفترض على كل واحد مستكمل للشروط الآتية أن يقسم بين زوجاته في البيتوتة، ودليل ذلك قوله تعالى: {فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة} فقد أمر الله سبحانه بالاقتصار على الزوجة الواحدة عند الخوف من عدم العدل، فدل ذلك على أن إقامة العدل واجبة، سواء قلنا: إن الاقتصار على الواحدة عند الخوف من إقامة العدل واجب، كما هو الصحيح أو قلنا: إنه مندوب، أما الأول فظاهر، لأنه إذا كان مجرد الخوف من إقامة العدل بين الاثنتين جعل الجمع بينهما محرماً فتكون إقامة العدل بينهما واجبة فلا تردد، أما الثاني فلأنه إذا كان مجرد الخوف من إقامة العدل جعل الجمع بين الزوجات مكروهاً كان العدل بينهن واجباُ، لأن الذي يخاف المكلف من تركه إنما هو الواجب، إذ لو كانت إقامة العدل بينهن مندوبة لما خاف أحد من تركها، لأن الإنسان يخاف من العقاب، والمندوب لا عقاب عليه.
وأما شروطه فثلاثة:
أحدها: العقل، فلا يجب القسم على المجنون، أما المجنونة فإنه يجب لها القسم إذا كانت هادئة قائمة بمنزل زوجها بحيث يمكن وطؤها، وإلا فلا.
ثانيها: أن يكون مراهقاً (3) يمكنه أن يطأ وتلتذ به النساء، فإن كان طفلاً فإنه لا يجب عليه القسم، وكذا إذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء، فإنه لا يجب لها القسم. أما التي تطيق فإنه يجب لها، كالكبيرة بلا فرق، فإن جار المراهق كان إثمه على وليه لأنه هو الذي زوجه، وهو الذي احتمل مسؤوليته في ذلك، فعليه أن يدور به على نسائه ليعدل بينهن.
ثالثها (4) : أن تكون المرأة غير ناشزة، فلو كانت خارجة عن طاعة زوجها فلا حق لها في القسم.
ولا يسقط القسم وجود مانع يمنع الوطء، سواء كان قائماً بالمرأة، كحيض. أو نفاس. أو رتق. أو مرض. أو كان قائماً بالرجل، كما إذا كان مجبوباً. أو عنيناً. أو مريضاً، لأن الغرض من المبيت الأنس لا الوطء، لما عرفت من أن الوطء غير لازم فإذا كان مريضاً مرضاً لا يستطيع معه الانتقال أقام عند من يستريح لتمريضها وخدمتها.
مبحث لا تجب المساواة بين الزوجين في الحب القلبي وما يترتب عليه من شهوة

-كما لا تجب التسوية في النفقة كذلك لا تجب في الوطء والميل القلبي، لأن ذلك ليس في اختيار الإنسان، وإنما هو تابع لحالة طبيعية، فقد تنبعث شهوته إلى واحدة دون الأخرى، وقد يتعلق قلبه بواحدة من حيث لا يدري، وهذا هو معنى قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل} ، فالمراد نفي الاستطاعة التي ليست في اختيار الإنسان من المحبة القلبية وما يترتب عليها من استمتاع. أما ما عدا ذلك من إقامة العدل في المبيت وإعطاء كل واحدة نفقة مثلها بدون جور فإنه مستطاع من كل أحد، فلذا كان صلى الله عليه وسلم يتحرى الدقة في العدل بين نسائه في هذا ويقول: "اللهم ان هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" ولكن ليس معنى هذا أن الرجل يترك إحدى زوجاته بدون وطء فيعرضها للخنا والفساد، فإنه إن فعل ذلك فقد ارتكب إثماً، بل يجب على الزوج أن يعف زوجته ويصرفها عن التعلق بغيره، وإن لم يستطع وجب عليه أن يسرحها، وهل للزوجة الحق في طلب إعفافها؟ وإذا طالبته فهل يقدر لها القاضي قدراً معيناً؟ وكذلك هل لها أن تشكو كثرة استعمالها إذا تضررت منه؟ وهل يقدر القاضي له قدراً معيناً أو لا، في ذلك تفاصيل المذاهب (5) .
كيفية القسم، وما يترتب عليه

-للزوج أن يقسم بينهن بحسب حاله، فإن كان ممن يعمل لقوته بالنهار قسم بالليل، وإن كان ممن يعمل بالليل كالحارس وغيره قسم بينهن بالنهار، ثم إن تراضوا على مدة معينة كأن يكون لهذه جمعة وللأخر مثلها فذاك، وأن لم يتراضوا ففي ذلك تفصيل المذاهب (6) .
مبحث حق الزوجة الجديدة في القسم وتنازل المرأة عن حقها فيه
-إذا تزوج جديدة، فإذا كانت بكراً كان لها الحق في المبيت عندها أسبوعاً نافلة لها بحيث لا يحتسب عليها. وإن كانت ثيباً كان لها الحق في المبيت عندها ثلاث ليال، فإذا انتهت مدة إقامته عند الجديدة عاد إلى القسم بين زوجاته على التفصيل المتقدم (7) ولا فرق بين أن تكون الجديدة أمة تزوجها على حرة. أو حرة، لخبر ابن حيان في صحيحه" سبع للبكر وثلاث للثيب" وفي الصحيحين عن أنس أن السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ثم قسم وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً ثم قسم.
وللزوجة أن تتنازل لضرتها عن نصيبها في مقابل مال تأخذه منها. أو بدون مقابل، وإذا تنازلت لها ثم رجعت فإن رجوعها يصح وفي ذلك تفصيل المذاهب (8) .
__________
(1) (المالكية - قالوا: الزوجة الأمة كالحرة في البيتوتة فلها مثلها.)
(2) (الحنفية - لهم رأيان في ذلك، فبعضهم يرى أن المعتبر في النفقة حال الزوج، بقطع النظر عن الزوجات، وعلى هذا يجب أن يسوي بين الزوجات في النفقة أيضاً، والمراد بالنفقة ما يشمل المأكول، والمشروب، والملبوس والسكنى، وبعضهم يقول: إن المعتبر في النفقة حال الزوجين معاً، فتقدر النفقة بحسب مقدرة الزوج، ثم توزع عليهن بحسب حالهن، فيعطى للفقيرة أقل من الغنية، فالتسوية غير مطلوبة حتماً، فإذا سوى بينهن برضائهن فذاك، وإلا قدرت للمرأة الغنية نفقة أكثر من نفقة الفقيرة، وهذا القول هو المعتمد، وعليه فلا يكون فرق بين الحنفية وبين غيرهم، لأن الغرض انتفاء الجور وإعطاء كل واحدة حقها اللائق بها بدون جرر، ومتى أدى لكل منهن حقها فإنه يكون حراً في زيادة من يشاء منهن بعد ذلك.
المالكية - لهم رأيان في الزيادة، فإذا أعطى لكل واحدة منهن حقها في نفقة مثلها، ثم وسع على واحدة منهن دون الأخرى بعد ذلك، فقيل: يصح، وقيل: لا، والمعتمد أنه يصح، وهو المعروف في مذهب مالك.
(3) (المالكية - قالوا: يشترط أن يكون الزوج بالغاً، أما الزوجة فلا يشترط لها البلوغ، بل يكفي أن تكون مطيقة للوطء، كما هو الحكم عند غيرهم) .
(4) (الحنفية - زادوا شرطاً رابعاً، وهو أن لا يكون مسافراً فلا قسم في السفر كما يأتي قريباً) .
(5) (الحنفية - قالوا: إذا كان الرجل متزوجاً بامرأة واحدة ولم يبت عندها لاشتغاله بالعبادة أو بجواريه كان لها الحق في طلب المبيت عندها، ولا يقدر ذلك بمدة معينة في الأسبوع على الراجع بل القاضي يأمر أن يبيت عندها ويصحبها من وقت لآخر بحيث لا تشعر بغيبة طويلة عنها، وقدر لها بعضهم كل أربعة أيام ليلة، ولكنهم قالوا: إن هذا ضعيف، والمعتمد الأول.
أما الوطء فليس لها حق في المطالبة به إلا مرة واحدة، ولكنه يفترض عليه ديانة أن يعفها وإلا كان من الآثمين، على أن بعض الحنفية يرى أنه يجب الحكم لها عليه قضاء بما يعفها، فكما يجب لها
فلا قسم فيه، ولكن التسوية في هذا تسن، وليس للمرأة الحق في مطالبة الرجل بالوطء على الراجح، لأن عقد النكاح واقع على أن يستمتع الرجل بها، فالمعقود عليه المرأة لا الرجل، وعلى هذا فالوطء حقه، وقد تقدم هذا مفصلاً في تعريف النكاح أول الكتاب، وهذا لا ينافي أن لها الحق في فسخ العقد إذا كان الرجل مجبوباً، ولو حدث له الجب بعد وطئها وكذا إذا كان عنيناً قبل أن يطأها مرة، لأن بين الأمرين فرقاً ظاهراً، لأنها في بقائها مع من لا يرجى منه وطء يأس تام، أما السليم الصحيح، فإن طمعها فيه لا ينقطع) .
(6) (الحنفية - قالوا: للرجل أن يقدر المدة التي يقيمها عند إحداهن، ولكن يشترط أن لا تزيد على أربعة أشهر، وهي الإيلاء، لأنه حلف أن لا يقرب امرأته ينتظر هذه المدة وعندها تبين منه إن لم يطأها، فلو لم تكن هذه المدة هي التي تتضرر المرأة عند مجاوزتها لما حكم الشارع بإبانتها عندها، وأيضاً قد روي عن عمر أنه سأل ابنته حفصة، كم تصبر المرأة عن الرجل؟ فقالت: أربعة أشهر فأمر القواد أن يصرفوا من كان له أربعة أشهر، فإن قلت: إن الحنفية لا يوجبون الوطء على الرجل إلا مرة واحدة في العمر فكيف يجتمع هذا مع قولهم إن المرأة لا تصبر عن أكثر من أربعة أشهر؟ قلت إن الحنفية يقولون ذلك على أن الرجل غير ملزم قضاء عند التنازع كما يأتي في الصحيفة التي تلي هذه، والأفضل أن يقسم الزوج بينهن بما يزيل الوحشة بحيث لا يتركها مدة تتألم فيها، وليس للرجل أن يذهب في ليلة إحداهن إلى الأخر، فلو ذهب إلى غير صاحبة النوبة بعد الغروب يأثم أما في النهار فلا مانع أن يذهب إلى غير صاحبة النوبة، ولكن ليس له أن يجامعها في غير نوبتها مطلقاً، وله أن يدخل إليها لعيادتها إن كانت مريضة، وإذا اشتد بها المرض كان له أن يقيم عندها حتى تشفى إذا لم يكن عندها من يؤنسها، وإذا ذهب إلى الضرة ومكث عندها أو وطئها في نوبة الأخرى فإنه لا يقضي.
المالكية - قالوا: إذا كان مقيماً في بلدة واحدة مع زوجاته وجب عليه أن يقسم بيوم وليلة بدون زيادة ولا نقص إلا إذا تراضوا غير ذلك، ومثل ذلك ما إذا كان بعض زوجاته مقيماً ببلدة قريبة من بلدته بحيث تكون البلدتان في حكم الواحدة، أما إذا كان في بلدة بعيدة فله أن يقسم بالجمعة أو الشهر حسب الحالة، ويحرم على الزوج أن يدخل على ضرتها في يومها ليستمتع بها، أما إذا دخل لقضاء حاجة غير ذلك فإنه يجوز، ولو أمكنه أن يرسل آخر لقضائها، ويندب أن يجعل القسم ليلاً إلا إذا كان قادماً من السفر فإنه مخير فيما يفعل.
الشافعية - قالوا: أقل نوب القسم ليلة لهذه وليلة للأخرى، فلا يجوز ببعض ليلة ولا ببعض هذه
الليلة وبعض الليلة التي تليها، لأن في ذلك خلطاً وتشويشاً، والأفضل أن يقسم بليلة وليس له أن يزيد على ثلاثة أيام، إلا إذا تراضوا، لما في الزيادة من طول العهد بينهن، ويجب أن يقرع بينهن فيما يبدأ بها، فإذا خرجت القرعة لواحدة بدأ بها، وبعد تمام نوبتها يقرع بين الباقيات، فإذا تمت النوب جرى على هذا الترتيب.
وإذا كان القسم بينهن نهاراً لمن عمله بالليل. كالحارس ونحوه حرم عليه أن يدخل على ضرتها بالنهار إلا لضرورة، كمرضها المخوف، أما إذا كانت مريضة مريضاً عادياً فلا، أما بالليل فله أن يدخل لقضاء حاجة وله أن يستمتع بها بشرط أن لا يطأها، فإن وطئها في نوبة ضرتها حرم. ومثل هذا ما إذا كان القسم بينهن ليلاً لمن كان عمله بالنهار، فإنه يحرم عليه أن يدخل على ضرتها بالليل لغير ضرورة، وله الدخول بالنهار والاستمتاع بغير وطء، وقد يعبر عمن كان قسمه بالنهار بأن النهار أصل والليل تبع، وعمن كان قسمه بالليل بأن الليل أصل والنهار تبع، فأما الأصل سواء كان الليل أو النهار، فإنه لا يجوز له أن يدخل إلا لضرورة كعيادتها لمرض مخوف، ولا يجوز له أن يطيل المكث فإن طال قضى لضرتها الوقت كله، سواء كان الليل أو النهار. وأما التبع، فإنه يجوز له أن يدخل لحاجة وإن لم تكن ضرورية، فإن طال زمن قضاء الحاجة بطبيعته فلا يقضي لها شيئاً، وإن طال هو عمداً فإنه يقضي للزوجة الأخر ما زاد على قضاء الحاجة، وإذا وطئها فلا يقضي الوطء، لأنه تابع الداعية والنشاط، وقد يوجد لإحداهن دون الأخرى، ولكنه يرتكب محرماً بالوطء.
الحنابلة - قالوا: يجب أن يكون القسم ليلة وليلة بحيث لا يزيد عن ذلك إلا إذا تراضوا عليه وله أن يخرج في ليلة كل واحدة منهن لقضاء ما جرت العادة به قضاء حقوق وواجبات وصلاة ونحو ذلك، وليس له أن يتعمد الخروج الكثير في ليلة إحداهن دون الأخرى لأن في ذلك إجحافاً بحقها، أما إذا اتفق على ذلك لا يضره.
ويحرم عليه أن يدخل إلى ضرتها في نوبتها لا في الأصل ولا في التبع، فإن كان القسم ليلاً حرم عليه الدخول في الليل والنهار ولكن لا يجوز له أن يدخل بالليل إلا إذا كانت محتضرة وتريد أن توصي إليه ونحو ذلك من النوازل الخطيرة، أما بالنهار فإنه يجوز له أن يدخل لحاجة كسؤال عن أمر يريد معرفته بشرط أن لا يمكث طويلاً، فإن مكث قضي اليوم لضرتها، وكذلك إذا جامع فإنه يجب عليه أن يقضي الجماع، خلافاً للشافعية) .
(7) (الحنفية - قالوا: لا اسستثناء لإحدى الزوجات في المبيت، بل الجديدة، والقديمة، والبكر، والثيب سواء فلو تزوج بكراً جديدة، أو ثيباً جديدة ابتدأ المبيت عندهما سبع ليال للبكر وثلاث ليال للثيب، ثم يعوض نساءه الباقيات عن هذه المدة، وذلك هو معنى الحديث، لأن الحديث لا يدل على عدم التسوية في القسم، وإنما يدل على البدء بالدور، ومن المعقول أن يجعل للجديدة أول الدور، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل} ، فقد رفع عن الناس المؤاخذة فيما لا اختيار لهم فيه، وهو الميل القلبي، ونهاهم عن الميل الذي في اختيارهم، وهو القسم مطلقاً بدون استثناء للجديدة.)
(8) (الحنفية - قالوا: في التنازل عن القسم في نظير مال تأخذه من ضرتها. أو من الزوج خلاف، فبعضهم يرى صحة التنازل وبطلان الشرط، فلو تنازلت ليلتين مثلاً ولم ترجع فيهما سقط حقها وليس لها أن تطالب بأخذ المال، فإذا رجعت في تنازلها قبل قضاء الليلتين كان لها الحق في الرجوع، وبعضهم يرى أن لها الحق في المال المشترط لأنه عوض عن حق تنازلت عنه فينفذ، والأول أرجح، وإذا تنازلت لواحدة معينة كضرتها زينب مثلاً، فهل للزوج أن يتصرف في هذا التنازل ويجعله لفاطمة بدل زينب؟ في هذا رأيان: الأول: أنه لا يصح له أن يتصرف. والثاني: أنه يصح، والأول أرجح، لأن النوبة حق المرأة، وقد تنازلت عنها لضرتها، فإما أن تأخذه الضرة أو تتركه، وليس للزوج فيه حق وقد يقال: إن الغرض من البيتوتة الأنس والراحة والاستمتاع، وكل هذا متبادل بين الزوجين، فإذا تنازلت المرأة عن حقها بقي حق الرجل، فله أن يتصرفه كما يجب ومع هذا فإننا إذا فرضنا أنه حق خاص بالمرأة قبل الرجل وقد وهبته لغيرها كان معنى ذلك أنها أسقطته عنه بدون إلزام له، فله أن يمنحه للموهوب لها وله أن يمنحه لغيرها، والجواب: أن هذا حق خاص بالزوجة وإذا وهبته أصبح حقاً للموهوب لها بدون مدخل للزوج فيه فإن شاءت أخذته، وإن شاءت تركته وعلى هذا فلو تركته الموهوب لها لا يكون للزوج حق المبيت عندها وإذا رضيت الموهوب لها ليس للزوج رده خلافاً للأئمة الثلاثة.
المالكية - قالوا: يجوز للضرة أن تهب نوبتها لضرتها بشرط رضاء الزوج، وتختص به الموهوب لها، فلو أراد الزوج أن يتصرف بنقل الهبة إلى غيرها لا يصح، وذلك لأنه أذن فيه، فأصبح ملتزماً به بخصوصه، أما إذا وهبت نوبتها لزوجها، فإنه يصح، وحينئذ يكون له التصرف فيها فيصرفها لمن يحب من زوجاته، ولها الرجوع في هبتها.
وكما يجوز لها هبة نوبتها لضرتها. فكذلك يجوز لها أن تبيع نوبتها بعوض معين من مال وغيره لزوجها، أو لضرتها، ولكن لا يصح البيع للضرة إلا برضاء الزوج، وإذا منع من البيع لا يلزمه أن يدفع لها الثمن، ثم إذا اشترتها الضرة اختصت بها دون غيرها، وإذا اشتراها الزوج كان له أن يخص بها من يشاء منهن، وهل لإحدى الزوجات أن تشتري نصيب ضرتها في المبيت دائماً، أو جواز الشراء مقصور على نحو اليوم واليومين؟ خلاف، والمشهور أنه لا يجوز لها أن تبيع نصيبها دائماً، بل تبيع قليلاً لا كثيراً، ويجوز لها أن تتنازل عنها لضرتها بدون ثمن، كما يجوز لها أن تعطي زوجها مالاً لتبقى في عصمته، أو ليدوم على حسن معاشرتها.
الحنابلة - قالوا: للمرأة أن تهب حقها من القسم في جميع الزمان وفي بعضه لبعض ضرائرها أو لكلهن بإذن الزوج، كما أن لها هبته للزوج فيجعله لمن شاء منهن، ولو أبت الموهوب لها ما دامت الواهبة قد رضيت هي والزوج، لأن الحق لا يخرج عنهما، فقد ثبت أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. ولا تصح هبة نصيبها بمال، خلافاً للمالكية، ووفاقاً للشافعية، فإن أخذت الواهبة عليه مالاً لزمها رده لصاحبته. ويجب على الزوج في هذه الحالة أن يقضي لها الزمن الذي وهبته لضرتها لأنها إنما وهبته بشرط العوض ولم تأخذ العوض، فحينئذ لها الرجوع فيما وهبته، فإن كان العوض غير المال كإرضاء زوجها عنها جاز، وبعض الحنابلة يقول: يجوز لها أن تأخذ عوضاً مالياً في نظير تنازلها عن سائر حقوقها من القسم وغيره، والأول هو المشهور، وللواهبة أن ترجع في هبتها فيكون لها الحق في المستقبل أما الذي مضى فلا حق لها فيه.
الشافعية - قالوا: للزوجة أن تهب نوبتها في المبيت لضرتها المعينة بشرط أن يرضى الزوج، ولا يشترط رضاء الموهوب لها، بل للزوج أن يبيت عندها ولو كرهت، وكذا لها أن تهبه للجميع وإذا وهبته للجميع أخذت كل واحدة نصيبها فيه، وإذا وهبته للزوج، فله أن يخصص من شاء منهن به ولا يجوز للواهبة أن تأخذ بدل حقها عرضاً فإن أخذته لزمها رده وكان لها الحق في قضاء ما تنازلت عنه من نوبتها، وفاقاً للحنابلة.
وللواهبة الحق في الرجوع في هبتها متى شاءت فإذا رجعت كان لها الحق فيما بقي لا فيما مضى فلو قضى عند ضرتها الموهوب لها نصف الليلة الموهوبة مثلاً ثم رجعت وجب عليه أن يخرج إليها إن لم يخف على نفسه فإن خاف كان عليه للواهبة نصف ليلة يقضيها لها.
واعلم أنه إذا وهبت إحدى الزوجات ليلتها لضرتها لزمه قضاؤها في وقتها، مثلاً إذا كانت نوبتها ليلة الخميس فوهبتها لضرتها، وكانت ليلة ضرتها ليلة الجمعة بات عند الضرة ليلتين متواليتين ولا يجوز له أن ينقلها من ليلة الخميس إلى ليلة الاثنين مثلاً، وذلك لأن ليلة الاثنين التي يريد أن ينقل إليها حق للضرة الثالثة، وربما تتضرر من تغيير ليلتها. فإذا رضيت جاز، وأيضاً فإن للواهبة الحق في الرجوع، فلو وهبت له ليلة الاثنين فلا يجوز له أن يقدمها إلى ليلة الجمعة إلا برضا، إذ قد يعن لها أن ترجع عن هبتها، فلو قدمها انقضت فلا يكون لها حق في الرجوع.
أما إذا كانت ليلتها الجمعة وأراد أن ينقلها إلى ليلة الاثنين فإنه يجوز من غير رضاها لأنه يريد أن يؤخرها لها لتكون لها الفرصة في الرجوع إذا شاءت، ولكن لا يجوز له النقل إلا برضاء الضرة الثالثة، وعلى هذا القياس.
هذا، وقد نقل بعض محققي الحنفية هذا عن الشافعية، فذكر أنهم يجيزون نقل الليلة الموهوبة بجوار ليلة الموهوب لها ليبيت عندها ليلتين متواليتين، ورجع هو عدم الجواز لما يلحق الضرة الثالثة من الضرر، ولكن الواقع أن الشافعية لم يجيزوا على الاطلاق، بل اشترطوا رضاء الضرة ورضاء الواهبة بحيث لا يعود على واحدة منهن ضرر، وهذا حسن ولا شيء فيه.
ويتضح من هذا كله أن الأئمة الثلاثة يقولون بعدم أخذ العوض المالي في نظير هبة النوبة من المبيت، وكذلك لا يجوز للزوجة بيع نوبتها لضرتها أو لزوجها بعوض مال خلافاً للمالكية القائلين بالجواز، ولكن الحنابلة والحنفية لهم رأيان في هذا والراجح عدم الجواز، كما عرفت، أما الشافعية فإنه لا خلاف عندهم في عدم الجواز) .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.50 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.25%)]