
08-05-2022, 07:44 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله
الحلقة (283)
الجزء الخامس
- تفسير البغوى
سُورَةُ طه
مَكِّيَّةٌ
الاية45 إلى الاية 67
( قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ( 45 ) )
( قالا ) يعني موسى وهارون : ( ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعجل علينا بالقتل والعقوبة ، يقال : فرط عليه فلان إذا عجل بمكروه ، وفرط منه أمر أي : بدر وسبق ، ( أو أن يطغى ) أي : يجاوز الحد في الإساءة إلينا .
( قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ( 46 ) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى ( 47 ) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ( 48 ) قال فمن ربكما ياموسى ( 49 ) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ( 50 ) )
( قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ) قال ابن عباس : أسمع دعاءكما فأجيبه ، وأرى ما يراد بكما فأمنعه ، لست بغافل عنكما ، فلا تهتما . ( فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ) أرسلنا إليك ، ( فأرسل معنا بني إسرائيل ) أي : خل عنهم وأطلقهم من أعمالك ، ( ولا تعذبهم ) لا تتعبهم في العمل . وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة ، ( قد جئناك بآية من ربك ) قال فرعون : وما هي؟ فأخرج يده لها شعاع كشعاع الشمس ، ( والسلام على من اتبع الهدى ) ليس المراد منه التحية ، إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم . ( إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ) إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه . ( قال فمن ربكما ياموسى ) من إلهكما الذي أرسلكما؟ ( قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) قال الحسن وقتادة : أعطى كل شيء صلاحه ، وهداه لما يصلحه .
وقال مجاهد : أعطى كل شيء صورته ، لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم ، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان ، ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح .
وقال الضحاك : " أعطى كل شيء خلقه : يعني اليد للبطش ، والرجل للمشي ، واللسان للنطق ، والعين للنظر ، والأذن للسمع . [ ص: 277 ]
وقال سعيد بن جبير : ( أعطى كل شيء خلقه ) يعني زوج للإنسان المرأة ، وللبعير الناقة ، وللحمار الأتان ، وللفرس الرمكة . ( ثم هدى ) أي : ألهمه كيف يأتي الذكر الأنثى .
( قال فما بال القرون الأولى ( 51 ) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ( 52 ) الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ( 53 ) )
( قال ) فرعون : ( فما بال القرون الأولى ) ومعنى " البال " : الحال ، أي : ما حال القرون الماضية والأمم الخالية ، مثل قوم نوح وعاد وثمود فيما تدعونني إليه فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث؟ . ( قال ) موسى : ( علمها عند ربي ) أي : أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها .
وقيل : إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك ، فإن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه .
( في كتاب ) يعني : في اللوح المحفوظ ، ( لا يضل ربي ) أي : لا يخطئ . وقيل : لا يضل عنه شيء ولا يغيب عن شيء ، ( ولا ينسى ) [ أي : لا يخطئ ] ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم . وقيل : لا ينسى أي : لا يترك ، فينتقم من الكافر ويجازي المؤمن . ( الذي جعل لكم الأرض مهدا ) قرأ أهل الكوفة : ( مهدا ) ها هنا ، وفي الزخرف ، فيكون مصدرا ، أي : فرشا ، وقرأ الآخرون : " مهادا " ، كقوله تعالى : " ألم نجعل الأرض مهادا " ( النبإ : 16 ) ، أي : فراشا وهو اسم لما يفرش ، كالبساط : اسم لما يبسط . [ ص: 278 ]
( وسلك لكم فيها سبلا ) [ السلك : إدخال الشيء في الشيء ، والمعنى : أدخل في الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها ] قال ابن عباس : سهل لكم فيها طرقا تسلكونها .
( وأنزل من السماء ماء ) يعني : المطر .
تم الإخبار عن موسى ، ثم أخبر الله عن نفسه بقوله : ( فأخرجنا به ) بذلك الماء ( أزواجا ) أصنافا ، ( من نبات شتى ) مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر ، فكل صنف منها زوج ، فمنها للناس ومنها للدواب .
( كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ( 54 ) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ( 55 ) )
( كلوا وارعوا ) [ أي وارتعوا ] ( أنعامكم ) تقول العرب : رعيت الغنم فرعت ، أي : أسيموا أنعامكم ترعى .
( إن في ذلك ) الذي ذكرت ، ( لآيات لأولي النهى ) لذوي العقول ، واحدتها : " نهية سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن القبائح والمعاصي .
قال الضحاك : ( لأولي النهى ) الذين ينتهون عما حرم عليهم .
قال قتادة : لذوي الورع . ( منها ) أي : من الأرض ، ( خلقناكم ) يعني أباكم آدم .
وقال عطاء الخراساني إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله من التراب ومن النطفة فذلك قوله تعالى : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) أي : [ ص: 279 ] عند الموت والدفن ، ( ومنها نخرجكم تارة أخرى ) يوم البعث .
( ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ( 56 ) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى ( 57 ) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى ( 58 ) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ( 59 ) )
قوله عز وجل : ( ولقد أريناه ) يعني فرعون ، ( آياتنا كلها ) يعني : الآيات التسع التي أعطاها الله موسى ، ( فكذب ) بها وزعم أنها سحر ، ( وأبى ) أن يسلم . ( قال ) يعني فرعون ( أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ) يعني : مصر ، ( بسحرك ياموسى ) أي : تريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك وتخرجنا منها . ( فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا ) أي : فاضرب بيننا أجلا وميقاتا ، ( لا نخلفه ) [ قرأ أبو جعفر " لا نخلفه " بجزم ، لا نجاوزه ] ( نحن ولا أنت مكانا سوى ) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب : " سوى " بضم السين ، وقرأ الآخرون بكسرها ، وهما لغتان مثل : عدى وعدى ، وطوى وطوى .
قال مقاتل وقتادة : مكانا عدلا بيننا وبينك .
وعن ابن عباس : نصفا ، ومعناه : تستوي مسافة الفريقين إليه .
قال مجاهد : منصفا . وقال الكلبي : يعني سوى هذا المكان . ( قال موعدكم يوم الزينة ) قال مجاهد ، وقتادة ، ومقاتل ، والسدي : كان يوم عيد لهم ، يتزينون فيه ، ويجتمعون في كل سنة . وقيل : هو يوم النيروز .
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : يوم عاشوراء .
( وأن يحشر الناس ضحى ) أي : وقت الضحوة نهارا جهارا ، ليكون أبعد من الريبة .
[ ص: 280 ] ( فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ( 60 ) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ( 61 ) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ( 62 ) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ( 63 ) )
( فتولى فرعون فجمع كيده ) مكره وحيلته وسحرته ، ( ثم أتى ) الميعاد . ( قال لهم موسى ) يعني : للسحرة الذين جمعهم فرعون ، وكانوا اثنين وسبعين ساحرا ، مع كل واحد حبل وعصا .
وقيل : كانوا أربعمائة . وقال كعب : كانوا اثني عشر ألفا . وقيل أكثر من ذلك .
( ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ) قرأ حمزة والكسائي وحفص : ( فيسحتكم ) بضم الياء وكسر الحاء ، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء وهما لغتان . قال مقاتل والكلبي : فيهلككم . وقال قتادة : فيستأصلكم ، ( وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم ) أي : تناظروا وتشاوروا ، يعني السحرة في أمر موسى سرا من فرعون .
قال الكلبي : قالوا سرا : إن غلبنا موسى اتبعناه .
وقال محمد بن إسحاق : لما قال لهم موسى : لا تفتروا على الله كذبا ، قال بعضهم لبعض : ما هذا بقول ساحر .
( وأسروا النجوى ) أي : المناجاة ، يكون مصدرا واسما ، ثم ( قالوا ) وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون : ( إن هذان لساحران ) يعني موسى وهارون .
قرأ ابن كثير وحفص : ( إن ) بتخفيف النون ، ( هذان ) أي : ما هذان إلا ساحران ، كقوله : وإن نظنك لمن الكاذبين ( الشعراء : 186 ) ، أي : ما نظنك إلا من الكاذبين ، ويشدد ابن كثير النون من " هذان " .
وقرأ أبو عمرو " إن " بتشديد النون " هذين " بالياء على الأصل .
وقرأ الآخرون : " إن " بتشديد النون ، " هذان " بالألف ، واختلفوا فيه : [ ص: 281 ]
فروى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أنه خطئ من الكاتب .
وقال قوم : هذه لغة الحارث بن كعب ، وخثعم ، وكنانة ، فإنهم يجعلون الاثنين في الرفع والنصب والخفض بالألف ، يقولون : أتاني الزيدان [ ورأيت الزيدان ] ومررت بالزيدان ، [ فلا يتركون ] ألف التثنية في شيء منها وكذلك يجعلون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا ، كما في التثنية ، يقولون : كسرت يداه وركبت علاه ، يعني يديه وعليه . وقال شاعرهم
تزود مني بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم
يريد بين أذنيه .
وقال آخر
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
[ ص: 282 ]
وقيل : تقدير الآية : إنه هذان ، فحذف الهاء .
وذهب جماعة إلى أن حرف " إن " هاهنا ، بمعنى نعم ، أي : نعم هذان . روي أن أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرمه ، فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال ابن الزبير : إن وصاحبها ، أي : نعم .
وقال الشاعر
بكرت علي عواذلي يلحينني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه
أي : نعم .
( يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ) مصر ( بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ) قال ابن عباس : يعني بسراة قومكم وأشرافكم ، يقال : هؤلاء طريقة قومهم أي : أشرافهم و ( المثلى ) تأنيث " الأمثل " ، وهو الأفضل ، حديث الشعبي عن علي ، قال : يصرفان وجوه الناس إليهما .
قال قتادة : طريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالا ، فقال عدو الله : يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهم .
وقيل : ( بطريقتكم المثلى ) أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه و ( المثلى ) نعت الطريقة ، تقول العرب : فلان على الطريقة المثلى ، يعني : على الهدى المستقيم .
[ ص: 283 ] ( فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ( 64 ) قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ( 65 ) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ( 66 ) فأوجس في نفسه خيفة موسى ( 67 ) )
( فأجمعوا كيدكم ) قرأ أبو عمرو : " فاجمعوا " بوصل الألف وفتح الميم ، من الجمع ، أي لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به ، بدليل قوله : " فجمع كيده " ، وقرأ الآخرون بقطع الألف وكسر الميم . فقد قيل : معناه الجمع أيضا ، تقول العرب : أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد .
والصحيح أن معناه العزم والإحكام ، أي : اعزموا كلكم على كيده مجتمعين له ، ولا تختلفوا فيختل أمركم .
( ثم ائتوا صفا ) أي جميعا ، قاله مقاتل والكلبي ، وقال قوم : أي : مصطفين مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم ، وقال أبو عبيدة : الصف المجمع ، ويسمى المصلى صفا . معناه : ثم ائتوا المكان الموعود .
( وقد أفلح اليوم من استعلى ) أي : فاز من غلب . ( قالوا ) يعني السحرة ، ( ياموسى إما أن تلقي ) عصاك ، ( وإما أن نكون أول من ألقى ) عصاه . ( قال ) موسى : ( بل ألقوا ) أنتم أولا ( فإذا حبالهم ) وفيه إضمار ، أي فألقوا فإذا حبالهم ( وعصيهم ) جمع العصا ، ( يخيل إليه ) قرأ ابن عامر ويعقوب " تخيل " بالتاء ردا إلى الحبال والعصي ، وقرأ الآخرون بالياء ردوه إلى الكيد والسحر ، ( من سحرهم أنها تسعى )
وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس ، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات ، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ورأوا أنها تسعى . ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) أي : وجد ، وقيل : أضمر في نفسه خوفا ، واختلفوا في خوفه : قيل : خوف طبع البشرية ، وذلك أنه ظن أنها تقصده .
وقال مقاتل : خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا يتبعوه .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|