عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 28-04-2022, 05:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,372
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثالث
صـ 641 الى صـ 646
الحلقة (126)






قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي (وحائط له، فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيها وعيالها) فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « قد [ ص: 641 ] قبله منك » . فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اليتامى الذين في حجره. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « رب عذق لأبي الدحداح مدلى في الجنة » وفي رواية: « كم من عذق »
إلخ. وقوله تعالى: حسنا أي: طيبة به نفسه من دون من ولا أذى. وقوله سبحانه: فيضاعفه له أضعافا كثيرة كما قال سبحانه: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ولما رغب سبحانه في إقراضه أتبعه جملة مرهبة مرغبة فقال: والله يقبض ويبسط أي: يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين. أي: فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم، لئلا يبدل السعة الحاصلة لكم بالضيق.

وإليه ترجعون أي: يوم القيامة فيجازيكم.

قال المهايمي: وكيف ينكر بسط الله وقبضه، وهو الذي يعطي الفقير الملك ويسلبه من أهله، ويقوي الضعفاء من الجمع القليل ويضعف الأقوياء من الجمع الكثير؟! يعني كما قصه تعالى في قوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

[246] ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين .

ألم تر إلى الملإ وهم القوم ذو الشارة والتجمع: من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم إنما نكر لعدم مقتض لتعريفه، وزعم الكتابيون أنه صموئيل: [ ص: 642 ] ابعث لنا ملكا أي: أقم لنا أميرا: نقاتل أي: معه عن أمره: في سبيل الله وذلك حين ظهرت العمالقة، قوم جالوت على كثير من أرضهم: قال لهم نبيهم: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا

قال الزمخشري: خبر (عسيتم) ألا تقاتلوا. والشرط فاصل بينهما. والمعنى: هل قاربتم ألا تقاتلوا: يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل (هل) مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى: هل أتى على الإنسان معناه التقرير. وقرئ (عسيتم) بكسر السين، وهي ضعيفة.

قالوا وما لنا ألا نقاتل أي: وأي سبب لنا في ترك قتال عدونا: في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا أي: والحال أنه قد عرض ما يوجب القتال إيجابا قويا من أخذ بلادنا وسبي أولادنا: فلما كتب عليهم القتال بعد إلحاحهم في طلبه: تولوا أي: أعرضوا عن قتال عدوهم جبنا: إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وترك الجهاد وعصيانا لأمره تعالى.

قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآية الكريمة أنها دلت على أحكام:

الأول: وجوب الجهاد، لأن الله تعالى إنما ذكر هذه القصة المشهورة في بني إسرائيل وما نالهم تحذيرا من سلوك طريقهم. وأيضا: شرائع من قبلنا تلزمنا.

الثاني: أن الأمير يحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أمر عليها أميرا. قال في " الكشاف ": [ ص: 643 ] وروي أنه أمر الناس إذا سافروا أن يجعلوا أحدهم أميرا عليهم.

الثالث: وجوب طاعة الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب، لأن سياق الآية يقضي بذلك، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: « أطيعوا الأمير ولو كان عبدا حبشيا » . وقد ذكر أهل علم المعاملة: أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم أميرا ودليلا وإماما، وهذا محمود؛ إذ بذلك ينقطع الجدال وتنتظم أمورهم. ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد في الآراء، نحو أمور الأوقاف والمساجد والإمامة لكل مسجد ونحو هذا.

قال الحاكم: وفيه دلالة على أن للأنبياء تشديد العهود والمواثيق فيما يلزمهم ووجه ذلك أنه قال: هل عسيتم وهذا نوع من التأكيد عليهم، وكذا يأتي في الإمام قياس ما ذكر الحاكم في النبي.
القول في تأويل قوله تعالى:

[247] وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم .

[ ص: 644 ] وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا هذا شروع في تفصيل ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية إلى مصير حالهم. أي: قال لهم (بعد ما أوحى إليه ما أوحى) إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا أي: ملكه عليكم، فانتهوا في تدبير الحرب إلى أمره، وكان طالوت من سبط لم يكن الملك فيهم. وطالوت اسم أعجمي كجالوت وداود، ولذلك لم ينصرف، وزعم قوم أنه عربي من (الطول) لما وصف به من البسطة في الجسم. ولكنه ليس من أبنية العرب، فمنع صرفه للعلمية وشبه العجمة. وقد زعم الكتابيون أن طالوت هو المعروف عندهم بشاول قالوا معترضين على نبيهم بل على الله تعالى: أنى يكون له الملك علينا أي: من أين يكون أو كيف يكون ذلك: ونحن أحق بالملك منه أي: لأن فينا من هو سبط الملوك دونه.

قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم. فكان فيه حظ من فخر إبليس، حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: أنا خير منه

ولم يؤت سعة من المال أي: فصار له مانعان:

أحدهما: أنه ليس من بيت الملك.

والثاني: أنه مملق. والملك لا بد له من مال يعتضد به.

قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال، وأنه مما يقام به ملك. وإنما الملك بإيتاء الله. فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم.

قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم لما استبعدوا [ ص: 645 ] تملكه بسقوط نسبه وبفقره، رد عليهم ذلك أولا: بأن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانيا: بأن العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، وجسامة البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب، وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر. قاله أبو السعود.

والله يؤتي ملكه من يشاء في الدنيا من غير إرث أو مال ؛ إذ لا يشترط في حقه تعالى شيء، فهو الفعال لما يريد: والله واسع يوسع على الفقير ويغنيه: عليم بمن يليق بالملك ممن لا يليق به، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة.

قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية أن النبوة والإمامة لا تستحق بالإرث وأن الغنى والصيانة من الحرف الدنيئة، لا تشترط في أمير ولا إمام ولا قاض. أي: لما روي أن طالوت كان دباغا أو سقاء مع فقره. قال الحاكم: فيبطل قول الإمامية إنها وراثة، والمعروف من قولهم أن الإمامة طريقها النص، وتدل الآية أيضا على أنه يشترط في الأمير ونحوه القوة على ما تولاه، فيكون سليما من الآفات عالما بما يحتاج إليه، لأن الله تعالى ذكر البسطة في العلم والجسم ردا على ما اعتبروا.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.80 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.18 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.53%)]