
تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (2)
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
من صــ 81الى صــ 87
الحلقة (83)
وقوله : يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول عز وجل لملائكته ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك يا ربنا ما رأينا إلا خيرا وهو أعلم فيقول إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي أي خالصا لي ، خرجه الدارقطني . وقيل : المراد فثم الله ، والوجه صلة ، وهو كقوله : وهو معكم . قاله الكلبي والقتبي ، ونحوه قول المعتزلة .
الخامسة : قوله تعالى : إن الله واسع عليم أي يوسع على عباده في دينهم ، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم . وقيل : واسع بمعنى أنه يسع علمه كل شيء ، كما قال : وسع كل شيء علما . وقال الفراء : الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء ، دليله قوله تعالى : ورحمتي وسعت كل شيء . وقيل : واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب . وقيل : متفضل على العباد وغني عن أعمالهم ، يقال : فلان يسع ما يسأل ، أي لا يبخل ، قال الله تعالى : لينفق ذو سعة من سعته أي لينفق الغني مما أعطاه الله . وقد أتينا عليه في الكتاب " الأسنى " والحمد لله .
قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون
فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا هذا إخبار عن النصارى في قولهم : المسيح ابن الله . وقيل عن اليهود في قولهم : عزير ابن الله . وقيل عن كفرة العرب في قولهم : الملائكة بنات الله . وقد جاء مثل هذه الأخبار عن الجهلة الكفار في [ مريم ] و [ الأنبياء ] .
الثانية : قوله تعالى : سبحانه بل له الآية . خرج البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي [ ص: 82 ] فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا .
الثالثة : سبحان منصوب على المصدر ، ومعناه التبرئة والتنزيه والمحاشاة ، من قولهم : اتخذ الله ولدا ، بل هو الله تعالى واحد في ذاته ، أحد في صفاته ، لم يلد فيحتاج إلى صاحبة ، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء ولم يولد فيكون مسبوقا ، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ! بل له ما في السماوات والأرض ما رفع بالابتداء والخبر في المجرور ، أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع . والقائل بأنه اتخذ ولدا داخل في جملة السماوات والأرض . وقد تقدم أن معنى سبحان الله : براءة الله من السوء .
الرابعة : لا يكون الولد إلا من جنس الوالد ، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولدا من مخلوقاته وهو لا يشبهه شيء ، وقد قال : إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ، كما قال هنا : بل له ما في السماوات والأرض فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث ، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت ، فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . ثم إن البنوة تنافي الرق والعبودية . - على ما يأتي بيانه في سورة " مريم " إن شاء الله تعالى - فكيف يكون ولد عبدا هذا محال ، وما أدى إلى المحال محال .
الخامسة : قوله تعالى : كل له قانتون ابتداء وخبر ، والتقدير كلهم ، ثم حذف الهاء والميم . قانتون أي مطيعون وخاضعون ، فالمخلوقات كلها تقنت لله ، أي تخضع وتطيع . والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم . فالقنوت الطاعة ، والقنوت السكوت ، ومنه قول زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم الرجل صاحبه إلى جنبه حتى نزلت : وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام . والقنوت : الصلاة ، قال الشاعر :
قانتا لله يتلو كتبه وعلى عمد من الناس اعتزل
[ ص: 83 ] وقال السدي وغيره في قوله : كل له قانتون أي يوم القيامة . الحسن : كل قائم بالشهادة أنه عبده . والقنوت في اللغة أصله القيام ، ومنه الحديث : أفضل الصلاة طول القنوت قاله الزجاج . فالخلق قانتون ، أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما أن يكونوا على خلاف ذلك ، فأثر الصنعة بين عليهم . وقيل : أصله الطاعة ، ومنه قوله تعالى : والقانتين والقانتات . وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى : وقوموا لله قانتين .
قوله تعالى : بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : بديع السماوات والأرض فعيل للمبالغة ، وارتفع على خبر ابتداء محذوف ، واسم الفاعل مبدع ، كبصير من مبصر . أبدعت الشيء لا عن مثال ، فالله عز وجل بديع السماوات والأرض ، أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال . وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع ، ومنه أصحاب البدع . وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام ، وفي البخاري ( ونعمت البدعة هذه ) يعني قيام رمضان .
الثانية : كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يجوز أن يكون لها أصل في الشرع أولا ، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وخص رسوله عليه ، فهي في حيز المدح . وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف ، فهذا فعله من الأفعال المحمودة ، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه . ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه ، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح ، وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 84 ] قد صلاها إلا أنه تركها ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس عليها ، فمحافظة عمر رضي الله عنه عليها ، وجمع الناس لها ، وندبهم إليها ، بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة . وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهي في حيز الذم والإنكار ، قال معناه الخطابي وغيره .
قلت : وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته : وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة ، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم ، وقد بين هذا بقوله : من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء . وهذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن ، وهو أصل هذا الباب ، وبالله العصمة والتوفيق ، لا رب غيره .
الثالثة : قوله تعالى : وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي إذا أراد إحكامه وإتقانه - كما سبق في علمه - قال له كن . قال ابن عرفة : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه ، ومنه سمي القاضي ، لإنه إذا حكم فقد فرغ مما بين الخصمين . وقال الأزهري : قضى في اللغة على وجوه ، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه ، قال أبو ذؤيب :
وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع
وقال الشماخ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها بوائق في أكمامها لم تفتق
قال علماؤنا : " قضى " لفظ مشترك ، يكون بمعنى الخلق ، قال الله تعالى : فقضاهن سبع سماوات في يومين أي خلقهن . ويكون بمعنى الإعلام ، قال الله تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب [ ص: 85 ] أي أعلمنا . ويكون بمعنى الأمر ، كقوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه . ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام ، ومنه سمي الحاكم قاضيا . ويكون بمعنى توفية الحق ، قال الله تعالى : فلما قضى موسى الأجل . ويكون بمعنى الإرادة ، كقوله تعالى : فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي إذا أراد خلق شيء . قال ابن عطية : قضى معناه قدر ، وقد يجيء بمعنى أمضى ، ويتجه في هذه الآية المعنيان على مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه . وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد .
الرابعة : قوله تعالى : أمرا الأمر واحد الأمور ، وليس بمصدر أمر يأمر . قال علماؤنا : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها :
الأول : الدين ، قال الله تعالى : حتى جاء الحق وظهر أمر الله يعني دين الله الإسلام .
الثاني : القول ، ومنه قوله تعالى : " فإذا جاء أمرنا " يعني قولنا ، وقوله : فتنازعوا أمرهم بينهم يعني قولهم .
الثالث : العذاب ، ومنه قوله تعالى : لما قضي الأمر يعني لما وجب العذاب بأهل النار .
الرابع : عيسى عليه السلام ، قال الله تعالى : إذا قضى أمرا يعني عيسى ، وكان في علمه أن يكون من غير أب .
الخامس : القتل ببدر ، قال الله تعالى : فإذا جاء أمر الله يعني القتل ببدر ، وقوله تعالى : ليقضي الله أمرا كان مفعولا يعني قتل كفار مكة .
السادس : فتح مكة ، قال الله تعالى : فتربصوا حتى يأتي الله بأمره يعني فتح مكة .
السابع : قتل قريظة وجلاء بني النضير ، قال الله تعالى : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره .
[ ص: 86 ] الثامن : القيامة ، قال الله تعالى : أتى أمر الله .
التاسع : القضاء ، قال الله تعالى : يدبر الأمر يعني القضاء .
العاشر : الوحي ، قال الله تعالى : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض يقول : ينزل الوحي من السماء إلى الأرض ، وقوله : يتنزل الأمر بينهن يعني الوحي .
الحادي عشر : أمر الخلق ، قال الله تعالى : ألا إلى الله تصير الأمور يعني أمور الخلائق .
الثاني عشر : النصر ، قال الله تعالى : يقولون هل لنا من الأمر من شيء يعنون النصر ، قل إن الأمر كله لله يعني النصر .
الثالث عشر : الذنب ، قال الله تعالى : فذاقت وبال أمرها يعني جزاء ذنبها .
الرابع عشر : الشأن والفعل ، قال الله تعالى : وما أمر فرعون برشيد أي فعله وشأنه ، وقال : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي فعله .
الخامسة : قوله تعالى : كن قيل : الكاف من كينونه ، والنون من نوره ، وهي المراد بقوله عليه السلام : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق . ويروى : ( بكلمة الله التامة ) على الإفراد . فالجمع لما كانت هذه الكلمة في الأمور كلها ، فإذا قال لكل أمر كن ، ولكل شيء كن ، فهن كلمات . يدل على هذا ما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله تعالى : عطائي كلام وعذابي كلام . خرجه الترمذي في حديث فيه طول . والكلمة على الإفراد بمعنى الكلمات أيضا ، لكن لما تفرقت الكلمة الواحدة في الأمور في الأوقات صارت كلمات ومرجعهن إلى كلمة واحدة . وإنما قيل " تامة " لأن أقل الكلام عند أهل اللغة [ ص: 87 ] على ثلاثة أحرف : حرف مبتدأ ، وحرف تحشى به الكلمة ، وحرف يسكت عليه . وإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص ، كيد ودم وفم ، وإنما نقص لعلة . فهي من الآدميين من المنقوصات لأنها على حرفين ، ولأنها كلمة ملفوظة بالأدوات . ومن ربنا تبارك وتعالى تامة ; لأنها بغير الأدوات ، تعالى عن شبه المخلوقين .
