عرض مشاركة واحدة
  #280  
قديم 15-04-2022, 12:48 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الرابع
الحلقة (278)

سُورَةُ طه
صـ 33 إلى صـ 39



[ ص: 33 ] قوله تعالى : قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى

.

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن السحرة لما جمعهم فرعون واجتمعوا مع موسى للمغالبة قالوا له متأدبين معه : إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى وقد بين تعالى مقالتهم هذه في غير هذا الموضع . كقوله في " الأعراف " : قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين [ 7 115 ] . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يحذف مفعول فعل في موضع ، ثم يبين في موضع آخر ، فإنا نبين ذلك ، وقد حذف هنا في هذه الآية مفعول تلقي ومفعول أول من ألقى وقد بين تعالى في مواضع أخر أن مفعول إلقاء موسى هو عصاه وذلك في قوله في " الأعراف " : وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون [ 7 117 ] ، وقوله في " الشعراء " : فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون [ 26 45 ] ، وقوله هنا : وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا الآية [ 20 69 ] . وما في يمينه هو عصاه . كما قال تعالى : وما تلك بيمينك ياموسى قال هي عصاي الآية [ 20 17 ] .

وقد بين تعالى أيضا في موضع آخر : أن مفعول إلقائهم هو حبالهم وعصيهم ، وذلك في قوله في " الشعراء " : فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون [ 26 44 ] . وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضا بقوله هنا قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى [ 20 66 ] ، لأن في الكلام حذفا دل المقام عليه ، والتقدير : قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . والمصدر المنسبك من " أن " وصلتها في قوله أن تلقي وفي قوله أن نكون فيه وجهان من الإعراب : الأول أنه في محل نصب بفعل محذوف دل المقام عليه ، والتقدير : إما أن تختار أن تلقي أي : تختار إلقاءك أولا ، أو تختار إلقاءنا أولا . وتقدير المصدر الثاني : وإما أن تختار أن نكون أي : كوننا أول من ألقى ، والثاني أنه في محل رفع ، وعليه فقيل هو مبتدأ ، والتقدير إما إلقاؤك أولا ، أو إلقاؤنا أولا . وقيل خبر مبتدأ محذوف ، أي : إما الأمر إلقاؤنا أو إلقاؤك .
قوله تعالى : قال بل ألقوا

.

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما خيره سحرة فرعون أن يلقي قبلهم أو يلقوا قبله قال لهم : ألقوا يعني ألقوا [ ص: 34 ] ما أنتم ملقون كما صرح به في " الشعراء " في قوله تعالى : قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون [ 26 43 ] وذلك هو المراد أيضا بقوله في " الأعراف " قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس [ 7 116 ] .

تنبيه

قول موسى للسحرة : ألقوا المذكور في " الأعراف ، وطه ، والشعراء " فيه سؤال معروف ، وهو أن يقال : كيف قال هذا النبي الكريم للسحرة ألقوا . أي : ألقوا حبالكم وعصيكم ، يعني اعملوا السحر وعارضوا به معجزة الله التي أيد بها رسوله ، وهذا أمر بمنكر ؟ ، والجواب : هو أن قصد موسى بذلك قصد حسن يستوجبه المقام ، لأن إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما معهم من مكائد السحر ، واستنفاد أقصى طرقهم ومجهودهم . فإذا فعلوا ذلك كان في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من إظهار الحق وإبطال الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل . ولأجل هذا قال لهم : ألقوا ، فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى

.

قرأ هذا الحرف ابن ذكوان عن ابن عامر " تخيل " بالتاء ، أي : تخيل هي أي : الحبال ، والعصي أنها تسعى . والمصدر في " أنها تسعى " بدل من ضمير الحبال ، والعصي الذي هو نائب فاعل لـ " تخيل " بدل اشتمال . وقرأ الباقون بالياء التحتية . والمصدر في سحرهم أنها تسعى نائب فاعل لـ " تخيل " .

وفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه ، والتقدير : قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم ، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . وبه تعلم أن الفاء في قوله فإذا حبالهم عاطفة على محذوف كما أشار لنحو ذلك ابن مالك في الخلاصة بقوله :


وحذف متبوع بدا هنا استبح


و " إذا " هي الفجائية ، وقد قدمنا كلام العلماء فيها فأغنى ذلك عن إعادته هنا . والحبال : جمع حبل ، وهو معروف . و " العصي " جمع عصا ، وألف العصا منقلبة عن واو ، ولذا ترد إلى أصلها في التثنية : ومنه قول غيلان ذي الرمة :

[ ص: 35 ]
فجاءت بنسج العنكبوت كأنه على عصويها سابري مشبرق


وأصل العصي عصوو على وزن فعول جمع عصا . فأعل بإبدال الواو التي في موضع اللام ياء فصار عصويا ، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء ، فالياءان أصلهما واوان . وإلى جواز هذا النوع من الإعلال في واوي اللام مما جاء على فعول أشار في الخلاصة بقوله :


كذاك ذا وجهين جا الفعول من ذي الواو لام جمع أو فرد يعن


وضمة الصاد في وعصيهم أبدلت كسرة لمجانسة الياء ، وضمة عين " عصيهم " أبدلت كسرة لاتباع كسرة الصاد . والتخيل في قوله يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى هو إبداء أمر لا حقيقة له ، ومنه الخيال . وهو الطيف الطارق في النوم . قال الشاعر :


ألا يا لقومي للخيال المشوق وللدار تنأى بالحبيب ونلتقي


وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى يدل على أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون تخييل لا حقيقة له في نفس الأمر . وهذا الذي دلت عليه آية " طه " هذه دلت عليه آية " الأعراف " وهي قوله تعالى : فلما ألقوا سحروا أعين الناس [ 7 116 ] ، لأن قوله : سحروا أعين الناس يدل على أنهم خيلوا لأعين الناظرين أمرا لا حقيقة له . وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السحر خيال لا حقيقة له .

والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين : أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخييل لا حقيقة له ، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى : فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه [ 2 102 ] فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سببا للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبر الله عنه بما الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي . ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد [ 113 4 ] يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن . فلولا أن السحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه . وسيأتي إن شاء الله أن السحر أنواع : منها ما هو أمر له حقيقة ، ومنها ما هو تخييل لا حقيقة له . وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدالة على أن له حقيقة ، والآيات الدالة على أنه خيال .

[ ص: 36 ] فإن قيل : قوله في " طه " : يخيل إليه من سحرهم [ 20 66 ] ، وقوله في " الأعراف " : سحروا أعين الناس [ 7 116 ] الدالان على أن سحر سحرة فرعون خيال لا حقيقة له ، يعارضهما قوله في " الأعراف " : وجاءوا بسحر عظيم [ 7 116 ] لأن وصف سحرهم بالعظم يدل على أنه غير خيال . فالذي يظهر في الجواب ، والله أعلم أنهم أخذوا كثيرا من الحبال ، والعصي ، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال ، والعصي تسعى وهي كثيرة . فظن الناظرون أن الأرض ملئت حيات تسعى ، لكثرة ما ألقوا من الحبال ، والعصي فخافوا من كثرتها ، وبتخييل سعي ذلك العدد الكثير وصف سحرهم بالعظم . وهذا ظاهر لا إشكال فيه . وقد قال غير واحد : إنهم جعلوا الزئبق على الحبال ، والعصي ، فلما أصابها حر الشمس تحرك الزئبق فحرك الحبال ، والعصي ، فخيل للناظرين أنها تسعى . وعن ابن عباس : أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحرا ، مع كل ساحر منهم حبال وعصي . وقيل : كانوا أربعمائة . وقيل كانوا اثني عشر ألفا . وقيل أربعة عشر ألفا . وقال ابن المنكدر : كانوا ثمانين ألفا . وقيل : كانوا مجمعين على رئيس يقال له شمعون . وقيل : كان اسمه يوحنا معه اثنا عشر نقيبا ، مع كل نقيب عشرون عريفا ، مع كل عريف ألف ساحر . وقيل : كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم ، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد وثلاثمائة ألف ساحر من الريف فصاروا تسعمائة ألف ، وكان رئيسهم أعمى ا ه . وهذه الأقوال من الإسرائيليات ، ونحن نتجنبها دائما ، ونقلل من ذكرها ، وربما ذكرنا قليلا منها منبهين عليه .
قوله تعالى : وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر .

قرأ هذا الحرف نافع ، وأبو عمرو وحمزة ، والكسائي وقنبل عن ابن كثير ، وهشام عن ابن عامر ، وشعبة عن عاصم بتاء مفتوحة مخففة بعدها لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة مشددة بعدها فاء ساكنة ، وهو مضارع تلقف وأصله تتلقف بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفا ، كما أشار له في الخلاصة بقوله :

وما بتاءين ابتدي قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر

والمضارع مجزوم ، لأنه جزاء الطلب في قوله وألق وجمهور علماء العربية على أن الجزم في نحو ذلك بشرط مقدر دلت عليه صيغة الطلب ، وتقديره هنا : إن تلق ما في يمينك تلقف ما صنعوا . وقرأه البزي عن ابن كثير كالقراءة التي ذكرنا ، إلا أنه يشدد [ ص: 37 ] تاء تلقف وصلا . ووجه تشديد التاء هو إدغام إحدى التاءين في الأخرى ، وهو جائز في كل فعل بدئ بتاءين كما هنا ، وأشار إليه في الخلاصة بقوله :


وحيي افكك وادغم دون حذر كذاك نحو تتجلى واستتر


ومحل الشاهد منه أوله نحو " تتجلى " ومثاله في الماضي قوله :


تولي الضجيج إذا ما التذها خصرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل


أصله تتابع ، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر كالقراءة المذكورة للجمهور إلا أنه يضم الفاء ، فالمضارع على قراءته مرفوع ، ووجه رفعه أن جملة الفعل حال ، أي : ألق بما في يمينك في حال كونها متلقفة ما صنعوا . أو مستأنفة ، وعليه فهي خبر مبتدأ محذوف ، أي : فهي تلقف ما صنعوا . وقرأ حفص عن عاصم تلقف بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف مخففة مع الجزم ، مضارع لقفه بالكسر يلقفه بالفتح ومعنى القراءتين واحد ، لأن معنى تلقفه ولقفه إذا تناوله بسرعة ، والمراد بقوله تلقف ما صنعوا على جميع القراءات أنها تبتلع كل ما زوروه وافتعلوه من الحبال ، والعصي التي خيلوا للناس أنها تسعى وصنعهم في قوله تعالى : ما صنعوا واقع في الحقيقة على تخييلهم إلى الناس بسحرهم أن الحبال والعصي تسعى ، لا على نفس الحبال ، والعصي لأنها من صنع الله تعالى . ومن المعلوم أن كل شيء كائنا ما كان بمشيئته تعالى الكونية القدرية .

وهذا المعنى الذي ذكره جل وعلا هنا في هذه الآية الكريمة : من كونه أمر نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يلقي ما في يمينه أي : يده اليمنى ، وهو عصاه فإذا هي تبتلع ما يأفكون من الحبال ، والعصي التي خيلوا إليه أنها تسعى أوضحه في غير هذا الموضع ، كقوله في " الأعراف " : وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين [ 7 117 - 119 ] ، وقوله تعالى في " الشعراء " : فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون [ 26 45 ] فذكر العصا في " الأعراف ، والشعراء " يوضح أن المراد بما في يمينه في " طه " أنه عصاه كما لا يخفى .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ما يأفكون أي : يختلقونه ويفترونه من الكذب ، وهو زعمهم أن الحبال ، والعصي تسعى حقيقة ، وأصله من قولهم : أفكه عن شيء يأفكه عنه ( من باب ضرب ) : إذا صرفه عنه وقلبه . فأصل الأفك بالفتح [ ص: 38 ] القلب والصرف عن الشيء . ومنه قيل لقرى قوم لوط والمؤتفكات .

لأن الله أفكها أي : قلبها . كما قال تعالى : فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا [ 15 74 ] . ومنه قوله تعالى : يؤفك عنه من أفك [ 51 9 ] أي : يصرف عنه من صرف ، وقوله : قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا [ 46 22 ] أي : لتصرفنا عن عبادتها ، وقول عمرو بن أذينة :


إن تك عن أحسن المروءة مأفوكا ففي آخرين قد أفكوا


وأكثر استعمال هذه المادة في الكذب لأنه صرف وقلب للأمر عن حقيقته بالكذب ، والافتراء . كما قال تعالى : ويل لكل أفاك أثيم [ 45 7 ] ، وقال تعالى : وذلك إفكهم وما كانوا يفترون [ 46 28 ] إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إنما صنعوا كيد ساحر " ما " موصولة وهي اسم " إن " ، و " كيد " خبرها ، والعائد إلى الموصول محذوف . على حد قوله في الخلاصة : .

. . . . . . . . . . . .
والحذف عندهم كثير منجلي


في عائد متصل إن انتصب بفعل أو وصف كمن نرجو يهب

والتقدير : إن الذي صنعوه كيد ساحر . وأما على قراءة من قرأ كيد ساحر بالنصب فـ " ما " كافة و " كيد " مفعول " صنعوا " وليست سبعية ، وعلى قراءة حمزة ، والكسائي " كيد سحر " بكسر السين وسكون الحاء ، فالظاهر أن الإضافة بيانية . لأن الكيد المضاف إلى السحر هو المراد بالسحر . وقد بسطنا الكلام في نحو ذلك في غير هذا الموضع . والكيد : هو المكر .
قوله تعالى : ولا يفلح الساحر حيث أتى

.

وقد قدمنا في سورة " بني إسرائيل " أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم . لأنه ينحل عند بعض أهل العلم عن مصدر وزمان ، وعند بعضهم عن مصدر وزمان ونسبة . فالمصدر كامن في مفهومه إجماعا ، وهذا المصدر الكامن في مفهوم الفعل في حكم النكرة فيرجع ذلك إلى النكرة في سياق النفي وهي صيغة عموم عند الجمهور . فظهر أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم ، وكذلك الفعل في سياق الشرط . لأن النكرة في سياق الشرط أيضا صيغة عموم . وأكثر أهل العلم على ما ذكرنا من أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم ، خلافا لبعضهم فيما إذا لم يؤكد الفعل المذكور بمصدر . فإن أكد به فهو [ ص: 39 ] صيغة عموم بلا خلاف ، كما أشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم :


ونحو لا شربت أو إن شربا واتفقوا إن مصدرا قد جلبا

والتحقيق في هذه المسألة : أنها لا تختص بالفعل المتعدي دون اللازم ، خلافا لمن زعم ذلك ، وأنه لا فرق بين التأكيد بالمصدر وعدمه . لإجماع النحاة على أن ذكر المصدر بعد الفعل تأكيد للفعل ، والتأكيد لا ينشأ به حكم ، بل هو مطلق تقوية لشيء ثابت قبل ذلك كما هو معروف . وخلاف العلماء في عموم الفعل المذكور هل هو بدلالة المطابقة أو الالتزام معروف . وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ولا يفلح الساحر الآية . يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر ، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله : حيث أتى وذلك دليل على كفره . لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيا عاما إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر . ويدل على ما ذكرنا أمران :

الأول هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر . كقوله تعالى : وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر الآية [ 2 102 ] . فقوله وما كفر سليمان يدل على أنه لو كان ساحرا وحاشاه من ذلك لكان كافرا . وقوله ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر صريح في كفر معلم السحر ، وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقررا له : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر [ 2 102 ] ، وقوله : ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق [ 2 102 ] أي : من نصيب ، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذا بالله تعالى . وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح ، وذلك مما لا شك فيه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.46%)]