
11-04-2022, 06:57 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,610
الدولة :
|
|
رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله
الحلقة (280)
- تفسير البغوى
الجزء الخامس
سُورَةِ مَرْيَمَ
مَكِّيَّةٌ ، وَهِيَ ثَمَانٍ وَتِسْعُونَ آيَةً
الاية72 إلى الاية 90
( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ( 72 ) )
( ثم ننجي الذين اتقوا ) أي : اتقوا الشرك وهم المؤمنون . والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه .
وقرأ الكسائي ويعقوب : " ننجي " بالتخفيف . والآخرون : بالتشديد .
والدليل على هذا : ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم بن منيب أخبرنا سفيان عن الزهري عن [ ص: 248 ] سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم " .
وأراد بالقسم قوله : ( وإن منكم إلا واردها )
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا هشام أخبرنا قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " وقال أبان عن قتادة : " من إيمان " مكان " خير " .
أخبرنا أبو المظفر محمد بن إسماعيل بن علي الشجاعي أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن محمود الجرجاني أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري أخبرنا محمد بن عبد الوهاب أخبرنا محمد بن الفضل أبو النعمان أخبرنا سلام بن مسكين أخبرنا أبو الظلال عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن رجلا في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان فيقول الله عز وجل لجبريل : اذهب فأتني بعبدي هذا قال : فذهب جبريل فوجد أهل النار منكبين يبكون قال : فرجع فأخبر ربه عز وجل قال اذهب فإنه في موضع كذا وكذا قال : فجاء به قال : يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال : يا رب شر مكان وشر مقيل قال ، ردوا عبدي . قال : ما كنت أرجو أن تعيدني إليها إذ أخرجتني منها ، قال الله تعالى لملائكته : دعوا عبدي " .
وأما قوله عز وجل : لا يسمعون حسيسها " ( الأنبياء : 102 ) قيل : إن الله عز وجل أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم لا يسمعون حسيسها ، فيجوز أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة لأنه لم يقل : لم يسمعوا حسيسها ، ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها لأن الله عز وجل يجعلها عليهم بردا وسلاما . [ ص: 249 ]
وقال خالد بن معدان : يقول أهل الجنة : ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة .
وفي الحديث : تقول النار للمؤمن : " جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي " .
وروي عن مجاهد في قوله عز وجل : ( وإن منكم إلا واردها ) قال : من حم من المسلمين فقد وردها .
وفي الخبر : " الحمى كير من جهنم ، وهي حظ المؤمن من النار " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " .
( كان على ربك حتما مقضيا ) أي : كان ورودكم جهنم حتما لازما ( مقضيا ) قضاه الله عليكم .
( ثم ننجي الذين اتقوا ) أي : اتقوا الشرك . وقرأ الكسائي " ننجي " بالتخفيف والباقون بالتشديد ( ونذر الظالمين فيها جثيا ) جميعا . وقيل : جاثين على الركب وفيه دليل على أن الكل دخلوها ثم أخرج الله منها المتقين وترك فيها الظالمين وهم المشركون .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي [ ص: 250 ] أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال : " هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب " قالوا : لا يا رسول الله ، قال : " فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب " قالوا : لا قال : فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله عز وجل فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ؟ فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل ، وكلام الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا : نعم ، قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله ، ومنهم من يجردل ثم ينجو ، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود ، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار ، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار ، وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها ، فيقول : هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غير ذلك فيقول : لا وعزتك ، فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق فيصرف الله وجهه عن النار ، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم قال يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول الله تبارك وتعالى : أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول يا رب لا أكون أشقى خلقك فيقول فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غير ذلك فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول الله ويحك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله عز وجل منه ثم يأذن له في دخول الجنة فيقول تمن فيتمنى حتى إذا انقطع [ ص: 251 ] أمنيته قال الله عز وجل من كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى لك ذلك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله لك ذلك ومثله معه قال أبو سعيد إني سمعته يقول ذلك لك وعشرة أمثاله .
ورواه محمد بن إسماعيل عن محمود بن غيلان أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة بمعناه وقال : فيأتيهم الله عز وجل في غير الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربكم فيقولون : نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا آتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربكم فيقولون : أنت ربنا فيتبعونه .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعذب أناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة قال : فيخرجون فيطرحون على أبواب الجنة قال : فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما تنبت القثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة " .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا هناد بن السري أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأعرف آخر أهل النار خروجا رجل يخرج منها زحفا فيقول يا رب قد أخذ الناس المنازل قال فيقال له انطلق فادخل الجنة قال فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيرجع فيقول يا رب قد أخذ الناس المنازل قال فيقال له أتذكر الزمان الذي كنت فيه فيقول نعم فيقال له تمن قال فيتمنى فيقال له فإن لك الذي تمنيته وعشرة أضعاف الدنيا قال فيقول أتسخر بي وأنت الملك قال فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه " . [ ص: 252 ]
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية " قال : قلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) قال : أفلم تسمعيه يقول : ( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) .
( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ( 73 ) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ( 74 ) )
قوله عز وجل : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) واضحات ( قال الذين كفروا ) يعني : النضر بن الحارث وذويه من قريش ( للذين آمنوا ) يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رءوسهم ويلبسون حرير ثيابهم فقالوا للمؤمنين : ( أي الفريقين خير مقاما ) منزلا ومسكنا [ وهو موضع الإقامة .
وقرأ ابن كثير : " مقاما " بضم الميم أي : إقامة ] .
( وأحسن نديا ) أي مجلسا ومثله النادي فأجابهم الله تعالى فقال : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ) أي متاعا وأموالا . وقال مقاتل : لباسا وثيابا ( ورئيا ) قرأ أكثر القراء بالهمز أي : منظرا من " الرؤية " وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ونافع غير ورش : " وريا " مشددا بغير همز وله تفسيران : أحدهما هو الأول بطرح الهمز والثاني : من الري الذي هو ضد العطش ومعناه : الارتواء من النعمة فإن المتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة ، والفقير يظهر عليه ذيول الفقر .
[ ص: 253 ] ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ( 75 ) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا ( 76 ) ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ( 77 ) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا ( 78 ) )
( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ) هذا أمر بمعنى الخبر معناه : يدعه في طغيانه ويمهله في كفره ( حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ) وهو الأسر والقتل في الدنيا ( وإما الساعة ) يعني : القيامة فيدخلون النار ( فسيعلمون ) عند ذلك ( من هو شر مكانا ) منزلا ( وأضعف جندا ) أقل ناصرا أهم أم المؤمنون؟ لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة وهذا رد عليهم في قوله ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) قوله عز وجل : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) أي إيمانا وإيقانا على يقينهم ( والباقيات الصالحات ) الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها ( خير عند ربك ثوابا وخير مردا ) عاقبة ومرجعا . قوله عز وجل : ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن حفص أخبرنا أبي أخبرنا الأعمش بن مسلم عن مسروق حدثنا خباب قال : كنت قينا فعملت للعاص بن وائل فاجتمع مالي عنده فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت : أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا قال : وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت : نعم قال : فإنه سيكون لي ثم مال وولد فأقضيك ، فأنزل الله عز وجل : ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ) . قوله عز وجل : ( أطلع الغيب ) قال ابن عباس : أنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد : أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟ [ ص: 254 ]
( أم اتخذ عند الرحمن عهدا ) يعني قال لا إله إلا الله وقال قتادة : يعني عملا صالحا قدمه . وقال الكلبي : أعهد إليه أن يدخل الجنة؟
( كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ( 79 ) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ( 80 ) واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ( 81 ) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ( 82 ) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ( 83 ) )
( كلا ) رد عليه يعني : لم يفعل ذلك ( سنكتب ) سنحفظ عليه ( ما يقول ) [ فنجازيه به في الآخرة . وقيل : نأمر به الملائكة حتى يكتبوا ما يقول ] . ( ونمد له من العذاب مدا ) أي : نزيده عذابا فوق العذاب . وقيل : نطيل مدة عذابه . ( ونرثه ما يقول ) أي : ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه ، وقوله ما يقول لأنه زعم أن له مالا وولدا " في الآخرة " أي لا نعطيه ونعطي غيره فيكون الإرث راجعا إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول .
وقيل : معنى قوله : ( ونرثه ما يقول ) أي : نحفظ ما يقول حتى نجازيه به .
( ويأتينا فردا ) يوم القيامة بلا مال ولا ولد . قوله عز وجل : ( واتخذوا من دون الله آلهة ) يعني : مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها ( ليكونوا لهم عزا ) أي : منعة حتى يكونوا لهم شفعاء يمنعونهم من العذاب . ( كلا ) أي ليس الأمر كما زعموا ( سيكفرون بعبادتهم ) أي تجحد الأصنام والآلهة التي كانوا يعبدونها عبادة المشركين ويتبرءون منهم كما أخبر الله تعالى " تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون " ( القصص : 63 ) .
( ويكونون عليهم ضدا ) أي : أعداء لهم وكانوا أولياءهم في الدنيا .
وقيل : أعوانا عليهم يكذبونهم ويلعنونهم . قوله عز وجل : ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) أي سلطناهم عليهم وذلك حين قال لإبليس : " واستفزز من استطعت منهم بصوتك " الآية ( الإسراء - 64 ( تؤزهم أزا ) [ ص: 255 ] تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية " والأز " " والهز " : التحريك أي : تحركهم وتحثهم على المعاصي .
( فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ( 84 ) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ( 85 ) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ( 86 ) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ( 87 ) )
( فلا تعجل عليهم ) أي لا تعجل بطلب عقوبتهم ( إنما نعد لهم عدا ) قال الكلبي : يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام .
وقيل : الأنفاس التي يتنفسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل لعذابهم . قوله عز وجل ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) أي : اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى الرحمن إلى جنته وفدا أي : جماعات جمع " وافد " مثل : راكب وركب وصاحب وصحب .
وقال ابن عباس : ركبانا . وقال أبو هريرة : على الإبل .
وقال علي بن أبي طالب : ما يحشرون والله على أرجلهم ، ولكن على نوق رحالها الذهب ونجائب سرجها يواقيت ، إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت . ( ونسوق المجرمين ) الكافرين ( إلى جهنم وردا ) أي : مشاة . وقيل : عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش . " والورد " جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد عطش . ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) يعني لا إله إلا الله .
وقيل : معناه لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا يعني : المؤمنين كقوله : " لا يشفعون إلا لمن ارتضى " ( الأنبياء : 28 ) . [ ص: 256 ]
وقيل : لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله أي لا يشفع إلا المؤمن .
( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ( 88 ) لقد جئتم شيئا إدا ( 89 ) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ( 90 ) )
( ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ) يعني اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله .
وقرأ حمزة والكسائي " ولدا " بضم الواو وسكون اللام هاهنا وفي الزخرف وسورة نوح ووافق ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في سورة نوح والباقون بفتح الواو واللام . وهما لغتان مثل : العرب والعرب والعجم والعجم . ( لقد جئتم شيئا إدا ) قال ابن عباس منكرا . وقال قتادة ومجاهد : عظيما . وقال مقاتل : لقد قلتم قولا عظيما . " والإد " في كلام العرب : أعظم الدواهي . ( تكاد السماوات ) قرأ نافع " يكاد " بالياء هاهنا وفي " حم عسق " لتقدم الفعل وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث السموات ( يتفطرن منه ) هاهنا وفي " حم عسق " بالنون من الانفطار أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب وافق ابن عامر وحمزة هاهنا لقوله تعالى : " إذا السماء انفطرت " ( الانفطار : 1 ) و " السماء منفطر " ( المزمل : 18 ) وقرأ الباقون بالتاء من التفطر ومعناهما واحد يقال : انفطر الشيء وتفطر أي : تشقق .
( وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ) أي : تنكسر كسرا .
وقيل : ( وتنشق الأرض ) أي : تنخسف بهم " والانفطار " في السماء : أن تسقط عليهم ( وتخر الجبال هدا ) أي تنطبق عليهم
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|