شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(302)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - (باب الأمر بالوتر قبل الصبح) إلى (باب كم الوتر؟)
الأمر بالوتر قبل الصبح
شرح حديث: (أوتروا قبل الصبح)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالوتر قبل الصبح. أخبرنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم أخبرنا محمد وهو ابن المبارك حدثنا معاوية وهو ابن سلام بن أبي سلام عن يحيى بن أبي كثير أخبرني أبو نضرة العوقي أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر فقال: أوتروا قبل الصبح)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الأمر بالوتر قبل الصبح، أي: أن الوتر آخر وقته طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فقد انتهى وقته، وقد سبق أن مر في بعض الأحاديث: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى) (خشي أحدكم) معناه: أنه كاد أن يظهر عليه الصبح فإنه يصلي ركعة قبل أن يظهر الصبح لتوتر له ما مضى.
وقد أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الوتر فقال: [(أوتروا قبل الصبح)] أي: أن نهاية وقته وهو: طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر وظهر الصبح فقد انتهى وقته، فهو يصلى قبل هذا الوقت، ولهذا قال: [(أوتروا قبل الصبح)] أي: قبل أن يطلع الصبح أي: الفجر، هذا هو نهاية وقت الوتر، وقد مر بنا أن النبي عليه الصلاة والسلام أوتر من أول الليل ومن وسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر، ومر في الأحاديث الماضية أنه إذا خشي الصبح فإنه يأتي بركعة توتر ما مضى، وهذا يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: [(أوتروا قبل الصبح)] أي: قبل أن يخرج وقت الوتر الذي هو طلوع الفجر.
تراجم رجال إسناد حديث: (أوتروا قبل الصبح)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم].ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[أخبرنا محمد وهو ابن المبارك].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو: ابن المبارك) الذي قالها هو النسائي أو من دون النسائي.
[حدثنا معاوية وهو ابن سلام بن أبي سلام].
هو معاوية بن سلام بن أبي سلام أبو سلام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: (هو ابن سلام بن أبي سلام) هذه الذي زادها من دون تلميذه محمد بن المبارك، فالذي قالها هو: عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم أو من دونه.
[عن يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، هو ثقة، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني أبو نضرة].
هو أبو نضرة العوقي، وهو المنذر بن مالك البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مذكور بكنيته أبي نضرة.
[أنه سمع أبا سعيد].
هو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مذكور بكنيته، ونسبته، بكنيته أبي سعيد وبنسبته الخدري، وهو: بيت من بيوت الأنصار، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء السبعة عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
شرح حديث: (أوتروا قبل الفجر) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن درست حدثنا أبو إسماعيل القناد حدثنا يحيى وهو: ابن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أوتروا قبل الفجر)].أورد النسائي حديث أبي سعيد من طريق أخرى وهو بلفظ الطريقة السابقة: [(أوتروا قبل الفجر)] أي: قبل خروج الفجر الذي به ينتهي الليل، والذي به يبدأ الصيام في حق من يريد أن يصوم، فنهاية الليل تكون بطلوع الفجر، ولهذا الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فالوتر هو: عند طلوع الفجر ينتهي، وبعد ذلك يُقضى، ولكن يُقضى بعد طلوع الشمس كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث (أوتروا قبل الفجر) من طريق أخرى
قوله:
[أخبرنا يحيى بن درست].
هو يحيى بن درست البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا أبو إسماعيل القناد].
هو إبراهيم بن عبد الملك وهو صدوق في حفظه شيء، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن أبي كثير، وقد مر ذكره.
[عن أبي نضرة عن أبي سعيد].
وقد مر ذكرهم.
الوتر بعد الأذان
شرح حديث ابن مسعود: (هل بعد الوتر أذان؟ قال: نعم وبعد الإقامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوتر بعد الأذان.أخبرنا يحيى بن حكيم حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه: (أنه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل فأقيمت الصلاة فجعلوا ينتظرونه فجاء فقال: إني كنت أوتر، قال: وسئل عبد الله هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم وبعد الإقامة، وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثم صلى)].
أورد النسائي الوتر بعد الأذان يعني: قضاءً، أي: بعد أذان الصبح قضاءً وليس أداءً؛ لأن الأداء إنما هو ينتهي بطلوع الفجر، وهذه الترجمة يراد بها الوتر بعد الأذان قضاءً، وقد أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، الذي فيه أنه سئل عن الوتر بعد الأذان قال: (نعم وبعد الإقامة)، ثم حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نام عن صلاة الصبح وقام بعد طلوع الشمس وصلى، أي: أنه قضاها بعد طلوع الشمس، أي: بعد خروج وقتها، فكذلك الوتر يُقضى بعد خروج وقته، هذا هو وجه استدلال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على ما استدل به وهو قضاء الوتر بعد الأذان.
وقال أيضاً: وبعد الإقامة، وليس المقصود أنه بعد الإقامة يقوم يوتر؛ لأنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ولعل المقصود من ذلك أنه يقضيها بعد الصلاة، وابن مسعود رضي الله عنه ما عنده مستند كما يظهر إلا القياس على قضاء الصلاة بعد خروج وقتها، فقاس الوتر بأنه يُقضى بعد خروج وقته وذلك بعد الأذان، لكن الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما مر في حديث عائشة، أنه كان يقضيه ضحى، ولكنه يقضيه مشفوعاً وليس وتراً؛ لأنه كان من عادته أنه يصلي إحدى عشرة ركعة من الليل، فإذا شغله عنها وجع أو غيره فإنه يصلي من الضحى أو من النهار اثنتي عشرة ركعة أي: قضاء، وهذا يدلنا على أنه من فاته الوتر فإنه يقضيه في الضحى مشفوعاً وليس وتراً، عدد الركعات وزيادة ركعة واحدة.
وعمرو بن شرحبيل تأخر في الخروج إليهم فقالوا له في ذلك فقال: إنه يوتر، وكان هذا بعد الأذان، ثم أسند إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الوتر بعد الأذان قال: (نعم وبعد الإقامة)، ثم حدث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه نام عن صلاة الصبح، وقام بعد طلوع الشمس فصلاها أي: قضاءً، فكذلك يقاس على ذلك، أن الوتر يقضى بعد خروج وقته.
لكن القضاء ينبغي أن يكون في الوقت الذي كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في الضحى، أي: يصلي مقدار ما كان يصليه من الليل ويزيد على ذلك ركعة واحدة تشفع ذلك العدد.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (هل بعد الوتر أذان؟ قال: نعم وبعد الإقامة)
قوله:
[أخبرنا يحيى بن حكيم].
ثقة، حافظ، عابد، مصنف، وقد أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن أبي عدي].
هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر].
هو إبراهيم بن محمد بن المنتشر الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو محمد بن المنتشر الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن عمرو بن شرحبيل].
هو عمرو بن شرحبيل الكوفي الهمداني، ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[عن عبد الله بن مسعود].
هو أوتر بعد الأذان، وأخبر بأن ابن مسعود سئل عن الوتر بعد الأذان فقال: نعم وبعد الإقامة، ثم حدث ابن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه نام عن صلاة الصبح، ولما قام بعد طلوع الفجر صلاها أي: قضاءً، فيقاس على ذلك قضاء الوتر، ولكن ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من صلاتها من النهار، وأنه يدفعها بحيث يكون المقدار الذي كان يصليه وزيادة ركعة هذا هو الذي يدل عليه فعله الذي هو نص في الموضوع، وأما ابن مسعود رضي الله عنه فاستدلاله إنما هو استنباط وقياس.
الوتر على الراحلة
شرح حديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوتر على الراحلة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوتر على الراحلة. أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن الأخنس عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على الراحلة)].
أورد النسائي الوتر على الراحلة، أي: وهو راكب، ولا يلزم أن ينزل إذا كان يصلي في السفر، وهذا لا يكون إلا في السفر؛ لأن صلاة النافلة إنما تكون في السفر على الراحلة، وكذلك الوتر إذا صلى في الليل على الرواحل فإنه يوتر في نهاية صلاته ولا ينزل لأن يأتي بالوتر، وهذا مما يستدل به على أن الوتر ليس بواجب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يتنفل يوتر على الراحلة، ولا ينزل إلا لأداء الصلوات المفروضة، فإنه ينزل ويصلي على الأرض ولا يصلي وهو راكب على الدابة كشأنه في النوافل، وإنما كان صلاته على الراحلة متنفلاً وليس مفترضاً، وكونه يصلي الوتر على الراحلة يفيد أنه من جملة النوافل، وليس من جملة الأشياء الواجبة، بل من جملة ما هو مندوب، بل هو من المندوبات المتأكدة المستحبة المؤكدة، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ينزل إلا للفريضة.
وكما قلت: هذا إنما هو في السفر، ليس للإنسان أن يتنفل وهو راكب في الحضر، وإنما التنفل على الراحلة وهو راكب إنما يكون في السفر، هذا هو الذي ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن النزول للنوافل وإطالة النوافل يفوت معه المقصود من السير، بخلاف الإنسان الذي هو في البلد فإنه ليس مثل المسافر الذي يريد أن يقطع المسافة، فهو لو نزل، وجلس يصلي، وأطال الصلاة يفوت عليه الوقت، لكن الذي في البلد في أي وقت يشاء ينهي هذا الركوب الذي هو عليه ويصلي متنفلاً على الأرض، لكن في حال السفر لا سيما مع طول المسافة، ومع كثرة الصلاة وإطالة الصلاة، فلو نزل ذهب عليه الليل وهو يصلي في الأرض ولم يقطع مسافة، فجاء في السنة بأن الإنسان يتنفل وهو راكب على دابته.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوتر على الراحلة)
قوله:
[أخبرنا عبيد الله بن سعيد].
هو السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً، وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن الأخنس].
هو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وقد مر ذكره.
شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب أخبرني عبد الله بن محمد بن علي حدثنا زهير عن الحسن بن الحر عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يوتر على بعيره ويذكر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك)].أورد حديث ابن عمر، وأنه كان يوتر على البعير، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، يعني: أنه يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام بفعله هذا، فهو أوتر على بعيره اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام فإنه كان يوتر على البعير، يعني: لا يحتاج إلى أن ينزل فيوتر على الأرض إذا كان يتنفل وهو راكب، فإنه يوتر وهو راكب، ولا ينزل للوتر كما ينزل للفريضة، بل النزول إنما هو للفرائض وليس للنوافل بما فيها الوتر.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير) من طريق ثانية
قوله:
[أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].
هو الجوزجاني، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[أخبرني عبد الله بن محمد بن علي].
هو النفيلي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، هو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن بن الحر].
ثقة، فاضل، أخرج حديثه أبو داود في القدر، والنسائي.
[عن نافع عن ابن عمر].
وقد مر ذكرهما.
يتبع