شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(299)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - (باب فضل صلاة القائم على صلاة القاعد) إلى (باب فضل السر على الجهر)
من رحمة الله بهذه الأمة أن خفف عنهم ما لم يخفف عن غيرهم من الأمم، ومن ذلك أن المصلي إذا كان شق عليه القيام دون ضرر كبير فله أن يصلي قاعداً وله نصف أجر القائم، وله أن يضطجع إذا شق عليه القعود، ومن كرمه سبحانه أن يكتب عمل المسافر والمريض تاماً إذا كان محافظاً ومداوماً عليه أثناء عافيته وحضره.
فضل صلاة القائم على صلاة القاعد
شرح حديث: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة القائم على صلاة القاعد.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي جالساً، فقلت: حدثت أنك قلت أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وأنت تصلي قاعداً، قال: أجل، ولكني لست كأحد منكم)].
فيه أن من أحوال أفعاله عليه الصلاة والسلام أنه يفعل الشيء للتشريع، ولبيان الحكم بأنه جائز، وأنه سائغ، وأنه ليس بممنوع، ولكن أجره عظيم عند الله عز وجل، في جميع الأحوال حالة قعوده، وحالة قيامه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب، وقيل له سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان البصري، ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً، وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد المسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، من أقران الأعمش، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن يساف].
هو هلال بن يساف الكوفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي يحيى].
هو مصدع الأعرج، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن عمرو].
هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي مشهور، وحديثه عنه أصحاب الكتب الستة، والحديث الذي معنا أخرجه مسلم في صحيحه، وهو من رواية أبي يحيى مصدع الأعرج، وهو مقبول في رأي الحافظ ابن حجر وأنه يحتاج إلى متابعة.
فضل صلاة القاعد على صلاة النائم
شرح حديث: (... ومن صلى نائماً فله نصف أجر صلاة القاعد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة القاعد على صلاة النائم.أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان بن حبيب عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الذي يصلي قاعداً؟ قال: من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل صلاة القاعد على صلاة النائم، المقصود بالنائم هو: المضطجع، وليس النائم الذي هو النوم المعروف؛ لأن مثل هذا لا يصلي وليس من أهل الصلاة يعني: في حال نومه، وإنما المقصود من ذلك أنه مضطجع أي: كشأن النائم الذي يضطجع، هذا هو المقصود من الترجمة وبالحديث الذي تحت هذه الترجمة: فضل صلاة القاعد على صلاة النائم.
وقد أورد النسائي فيه، حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما (أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاة القاعد فقال: من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر صلاة القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر صلاة القاعد)، فالحديث دال على ما دلت عليه الترجمة السابقة، من جهة تفضيل صلاة القائم على صلاة القاعد، وفيه أيضاً تفضيل صلاة القاعد على صلاة النائم، أي: المضطجع الذي يصلي مضطجعاً، وبعض أهل العلم قال: إن هذا الحديث بعمومه يدل على أن النوافل تصلى حتى في حال النوم، وأنه إذا صلى متنفلاً مضطجعاً فإن صلاته تصح بهذا الحديث، وأنها على النصف من صلاة القاعد، ومن المعلوم أن القاعد على النصف من صلاة القائم فتكون على الربع من صلاة القائم التي هي: صلاة المضطجع.
ومن العلماء من قال: إن الحديث ليس بما يتعلق بالنسبة للنافلة وإنما هو في الفريضة، وقالوا: إنه لم يعهد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فعل ذلك أبداً، ولا على أحد من أصحابه أنهم كانوا يصلون مضطجعين، وقالوا: إن هذا الحديث يحمل على صلاة الفريضة، وأن المقصود بذلك: أن الذي يصلي مضطجعاً مع قدرته على الجلوس ولكنه يشق عليه، فإن من يصلي قاعداً مع مشقة القعود عليه فله أن يصلي نائماً -أي: مضطجعاً- فهو أعظم أجراً ممن صلى مضطجعاً مع قدرته على الجلوس مع المشقة، وكذلك قالوا بالنسبة للقاعد أن من عنده قدرة على القيام ولكنه يشق عليه أن يقوم ولكنه تحامل وقام وصلى مع مشقته عليه فإنه يكون أعظم أجراً ممن صلى جالساً، مع حصول المشقة عليه في القيام، فيكون من صلى جالساً مع أنه قادر على أن يصلي قائماً مع المشقة فإنه أجره على النصف من صلاة القائم الذي تحامل وقام للصلاة مع المشقة، وكذلك النائم الذي هو: المضطجع، إذا كان قادراً على القعود، ولكنه لم يكلف نفسه مع وجود المشقة عليه، فإن أجره على النصف من أجر القاعد الذي هو مثله ولكنه تحمّل المشقة وصلى قاعداً، مع وجود المشقة فإنه يكون أعظم أجراً ممن صلى مضطجعاً، مع أنه قادر على القيام أو على الجلوس مع وجود المشقة.
وقالوا في الحديث الذي أورده البخاري في صحيحه: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) أن المقصود منه الذي اعتاد شيئاً في حال الصحة، ولكنه لم يتمكن منه في حال المرض فإنه يكتب له من الأجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، وهو مثل ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه أن ابنه أبا بردة بن أبي موسى سافر هو ويزيد بن أبي كبشة، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة أفطر فإنني سمعت أبا موسى يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).
والحديث الذي ذكرته في البخاري، يدل على أن من كان يفعل شيئاً وعجز عنه في حال مرضه وكان يعمله في حال صحته فإن الله تعالى يكتب له مثل ما كان يعمل وهو مقيم، لكن لا شك أن من كان قادراً على الجلوس، ولكن عليه مشقة لا تلحق به ضرراً ثم إنه صلى مضطجعاً مع قدرته على الجلوس لا شك أنهما ليسوا سواء، الذي جلس مع حصول المشقة والذي صلى مضطجعاً مع قدرته على الجلوس مع المشقة، قالوا: وعلى هذا يحمل ما جاء في هذا الحديث على أن المراد به من يكون في الفرائض، ويكون قادراً على الجلوس مع المشقة وصلى في حال الاضطجاع.
وأكثر العلماء قالوا أن الحديث لا يحمل على المتنفل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما علم عنه أنه صلى ولو مرة واحدة في حال اضطجاعه متنفلاً، وكذلك لم يعلم عن أحد من الصحابة والتابعين أنهم فعلوا ذلك أي: الصلاة النافلة في حال الاضطجاع، قالوا: والحديث محمول على الفريضة وأن المقصود به هو من يشق عليه الجلوس ويقدر عليه، ولكنه صلى مضطجعاً فهو يكون على النصف من أجر من كان مثله، ولكنه تحمل المشقة التي لا يلحقه بها ضرر كبير، وصلى جالساً فالمضطجع على النصف من أجر الجالس.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ومن صلى نائماً فله نصف أجر صلاة القاعد)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].هو حميد بن مسعدة البصري، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن حبيب البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب، وأصحاب السنن.
[عن حسين المعلم].
هو حسين بن ذكوان المعلم البصري، وهو ثقة ربما وهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن بريدة].
هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمران بن حصين].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنيته أبو نجيد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
كيف صلاة القاعد
شرح حديث عائشة: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف صلاة القاعد.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو داود الحفري عن حفص عن حميد عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً)، قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير أبي داود، وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ. والله تعالى أعلم].
أورد النسائي كيف يصلي القاعد، أي: كيف حاله في حال القيام، أو ما هي هيئته في حال القراءة، وكيف يكون الجلوس الذي هو بدل القيام، وهذه المسألة ذكر الحافظ ابن حجر ثلاثة أقوال لأهل العلم:
فقال: منهم من قال: أنه يصلي متربعاً، ومنهم من قال: إنه يصلي مفترشاً، ومنهم من قال: إنه يصلي متوركاً، قال: وبكل واحداً منها ورد أحاديث، لكن أنا ما وقفت على هذه الأحاديث التي أشار إليها، والحاصل أنه ذكر أن الهيئة فيها ثلاثة أقوال، والحديث الذي أورده المصنف وهو: حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً) الحديث واضح الدلالة على أنه يصلي متربع، أو أن المصلي في حال جلوسه الذي هو بدل القيام يصلي متربعاً، والنسائي رحمه الله ذكر أن هذا الحديث عنده شك في صحته، وفي ثبوته، وقال: لا أحسبه إلا خطأ، وهو لا يرويه إلا أبو داود، والشيخ الألباني ذكر هذا الحديث في تعليقه على صحيح ابن خزيمة، والحديث أورده ابن خزيمة في صحيحه من هذه الطريق التي هي طريق أبي داود الحفري، وقال الألباني: إن الإسناد صحيح، وأن هذا الظن من النسائي لا يضعف به الحديث مع وجود صحة الإسناد، وثبوت الإسناد، فمجرد الظن لا يجعل الحديث يكون ضعيفاً.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً)
قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هو الحمال البغدادي لقبه الحمال، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي داود الحفري].
هو عمر بن سعد بن عبيد الحفري، والحفر هي: محلة في الكوفة - بفتح الحاء والفاء -، ينسب إليها فيقال له الحفري، قال الحافظ عنه في التقريب: إنه ثقة، عابد، وأخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حفص].
هو حفص بن غياث، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن شقيق].
هو عبد الله بن شقيق العقيلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها سنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ستة رجال، وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
كيف القراءة بالليل
شرح حديث عائشة: (كيف كانت قراءة النبي بالليل ... ربما جهر وربما أسر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف القراءة بالليل. أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا عبد الرحمن عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: (كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل يجهر أم يسر؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما جهر، وربما أسر).
أورد النسائي كيف القراءة في الليل أي: هل تكون جهراً أو تكون سراً؟ يعني: التي هي صلاة النوافل أو صلاة الليل النافلة هذا هو المقصود بالسؤال؛ لأن المقصود القراءة في صلاة الليل التي هي من النوافل، يعني: ماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل؟ هل كان يسر أو كان يجهر؟ قالت: كل ذلك فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام ربما جهر وربما أسر، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، في بعض أحواله يسر وفي بعض أحواله يجهر، وهو يدل على أن كل ذلك سائغ، وأن كلاً منهما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في الحديث الذي بعد هذا الذي فيه الإشارة إلى تفضيل الإسرار على الجهر، ومن المعلوم أن المصلي في الليل إذا كان يؤذي بقراءته أحداً فإنه لا يجهر بالقراءة، فإنه ليس له أن يجهر بالقراءة مع وجود حصول الأذى على أحد من الناس بسبب قراءته الجهرية التي جهر بها، وإذا كان ليس هناك من يتأذى بجهره فإنه يجهر، وأما من حيث بيان الحكم الشرعي فالحديث دال على أن كلاً من هذا وهذا قد جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام وجد منه الجهر في بعض الأحوال، ووجد منه الإسرار في بعض الأحوال.
يتبع