شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(297)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائماً، وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة في ذلك
جاءت روايات كثيرة تبين كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في الليل، وأنها بكيفيات متعددة؛ فإذا صلى قائماً ركع قائماً، وإذا صلى جالساً ركع جالساً، وأحياناً يصلي قاعداً فإذا بقي قدر ثلاثين أو أربعين آية قام وقرأ وهو قائم ثم ركع.
كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائماً، وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة في ذلك
شرح حديث: (كان رسول الله يصلي ليلاً طويلاً، فإذا صلى قائماً ركع قائماً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائماً، وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة في ذلك.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن بديل وأيوب عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ليلاً طويلاً، فإذا صلى قائماً ركع قائماً، وإذا صلى قاعداً ركع قاعداً)].
يقول النسائي رحمه الله: كيف يفعل الركوع إذا صلى قائماً وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة في ذلك.
ومراد النسائي رحمه الله من هذه الترجمة؛ هو: أنه إذا افتتح الصلاة قائماً، فإنه يركع وهو قائم، وإذا صلى وهو جالس، فإنه يركع ويسجد وهو جالس، أي: إن ركوعه وسجوده عن جلوس، إذا صلى جالساً، وركوعه وسجوده عن قيام إذا صلى قائماً، وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، [أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ليلاً طويلاً] يعني: أنه يصلي وقتاً كبيراً من الليل، وكان هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا صلى قائماً ركع وهو قائم؛ أي: ركع عن قيام، وإذا صلى وهو جالس ركع وهو جالس، أي: ركع عن جلوس.
فهذا هو معنى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهو يدل على أن صلاة النافلة يمكن للإنسان أن يصلي وهو قائم، ويمكن أن يصلي وهو جالس، وقد جاء في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الإنسان إذا صلى النافلة وهو جالس، فأجره على نصف أجر القائم، وهذا فيما إذا كان قادراً، وأما إذا كان مريضاً، فإنه يكتب له في حال مرضه ما كان يكتب في حال صحته وعافيته؛ وذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) بمعنى: أن الأمور التي كان يفعلها في حال الإقامة ولم يتمكن منها في حال السفر، فالله تعالى يكتبها له، وكذلك الأعمال التي يعملها في حال الصحة ولم يتمكن منها في حال المرض، فالله تعالى يكتبها له في حال مرضه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي ليلاً طويلاً، فإذا صلى قائماً ركع قائماً ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هنا حماد غير منسوب، وإذا جاء حماد غير منسوب فالمراد به ابن زيد؛ لأن قتيبة لا يروي إلا عن حماد بن زيد، وليس له عن حماد بن سلمة رواية، فإذا أهمله قتيبة فالمراد به حماد بن زيد.
وقد ذكر الحافظ المزي في آخر ترجمة حماد بن سلمة، وبعد ترجمة حماد بن زيد؛ لأن حماد بن زيد، وحماد بن سلمة ترجمتهما متجاورتان؛ ولأن السين بعد الزاي، فـحماد بن زيد، ثم حماد بن سلمة، بعد ذكر ترجمة حماد بن سلمة ذكر بياناً فيما إذا كان مهملاً، فإنه إذا روى عنه فلان، وفلان، وفلان، فإنه يكون فلاناً، وإذا روى عن فلان يكون فلاناً، فذكر عدة أشخاص إذا كانوا هم التلاميذ، فإن من كان الراوي عن فلان أو فلان أو فلان مثلاً يعني: هو حماد بن زيد، وإذا كان فلان أو فلان، فهو حماد بن سلمة، وممن ذكره يروي عن حماد بن زيد: قتيبة، وأنه إذا جاء قتيبة يروي عن حماد غير منسوب، فالمراد: ابن زيد، وحماد بن زيد بن درهم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن بديل وأيوب].
بديل هو ابن ميسرة البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
وأيوب هو أيوب بن أبي تميم السخسياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن شقيق].
هو عبد الله بن شقيق العقيلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وعبد الله بن شقيق هذا هو تابعي، جليل، وهو الذي روي عنه الكلمة المأثورة الذي يقول فيها: لم يكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، ولهذا وصفه النووي في رياض الصالحين فقال: عن عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي المتفق على جلالته.
[عن عائشة].
أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، التي رُميت بما رُميت به من الإفك، وأنزل الله تعالى براءتها بآيات تتلى من كتاب الله عز وجل، فمن رماها بعد ذلك بالإفك، أو أضاف الإفك إليها، فهو كافر بالقرآن، ومكذب بالقرآن؛ لأن الله عز وجل أنزل آيات تتلى في سورة النور، عشر آيات تتعلق ببراءة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي ممن حفظ الله بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها من أوعية السنة، وهي واحدة من سبعة أشخاص عُرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، وهم ستة رجال وامرأة واحدة هي: عائشة رضي الله عنها؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس، وجابر بن عبد الله الأنصاري وهؤلاء ستة، وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
حديث: (... فإذا افتتح الصلاة قائماً ركع قائماً ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم أخبرنا وكيع حدثني يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قائماً وقاعداً فإذا افتتح الصلاة قائماً ركع قائماً، وإذا افتتح الصلاة قاعداً ركع قاعداً)].هنا أورد حديث عائشة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله؛ كان إذا افتتح الصلاة قائماً ركع قائماً، أي: عن قيام، وإذا افتتح الصلاة جالساً ركع جالساً، أي: ركع عن جلوس، وهو مثل الذي قبله.
قوله:
[أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم].
صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي.
[أخبرنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني يزيد بن إبراهيم].
هو التستري نزيل دمشق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن سيرين].
هو محمد بن سيرين البصري، وهو ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله عن عائشة].
عبد الله بن شقيق، وعائشة قد مر ذكرهما.
شرح حديث عائشة: (أن النبي كان يصلي وهو جالس... قام فقرأ وهو قائم ثم ركع ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن القاسم عن مالك حدثني عبد الله بن يزيد وأبو النضر عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو جالس، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام، فقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهو: [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو جالس، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام، فقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك]، وهذا يدل على أنه إذا صلى جالساً أنه يركع وهو قائم؛ لأنه كان يصلي وهو جالس، ثم بعد ذلك إذا بقي من قراءته مقدار ثلاثين آية، قام وركع وهو قائم، فهذا لا ينافي الحديث المتقدم من الطريقين؛ وهما: إذا صلى قائماً ركع عن قيام، وإذا صلى جالساً ركع عن جلوس؛ لأنه أحياناً يفعل هذا، وأحياناً يفعل هذا، فإذا صلى جالساً ركع عن جلوس وأحياناً يركع عن قيام، وإذا بقي ثلاثين آية -كما في الحديث هذا- فإنه يقوم، ويقرأها وهو قائم، ثم يركع عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أن بعض أحواله هكذا.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أن النبي كان يصلي وهو جالس... قام فقرأ وهو قائم ثم ركع ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري ثقة، ثبت، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، وهو ثقة، فقيه، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة بمذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عبد الله بن يزيد].
هو عبد الله بن يزيد المخزومي المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وأبو النضر].
هو سالم بن أبي أمية المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال، والستة المتفق على عدهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أما السابع، ففيه ثلاثة أقوال، فقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد ذكرهم ابن القيم رحمة الله عليه في أول كتابه إعلام الموقعين، وهو إعلام بكسر الهمزة مصدر أعلم إخبار، إخبار الموقعين عن رب العالمين، أي: المفتين الذين يكتبون الفتاوى ويوقعون عليها عن الله عز وجل، يخبرون عن شرع الله سبحانه وتعالى، فهو كتاب إعلام وليس أعلام؛ لأنه ليس كتاب تراجم حتى يقال له: أعلام الموقعين، وإنما هو كتاب فقه، ومشتمل على إخبار الموقعين عن رب العالمين، وقد أورد في أوله جملة من الفقهاء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم في كل بلد من البلدان في الحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وعندما جاء إلى المدينة، وذكر الفقهاء في عصر الصحابة، والفقهاء في عصر التابعين، ذكر أن من الفقهاء في المدينة في عصر التابعين سبعة اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، وقد ذكرهم، وجعل السابع فيهم: أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر، اشتمل الثاني منهما على بيان السبعة، وسابعهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهذان البيتان هما قول الشاعر:
إذا قيل: من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة؟
فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
قد تقدم ذكرها.
شرح حديث: (... فكان يصلي وهو جالس ... قام فقرأ بها ثم ركع) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عيسى بن يونس حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى جالساً حتى دخل في السن، فكان يصلي وهو جالس، يقرأ، فإذا غبر من السورة ثلاثون أو أربعون آية، قام، فقرأ بها، ثم ركع)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى جالساً إلا لما تقدمت به السن فإنه كان يصلي جالساً وإذا غبر من السورة ثلاثون آية يعني: بقي قام، فقرأ بها، ثم ركع)، و(غبر) هذه من الأضداد، تأتي بمعنى: الماضي، وتأتي بمعنى: الباقي، أو الذي يأتي، فهي من الألفاظ التي تأتي على الأضداد مثل: قرء، فإنه يأتي بمعنى: الحيض وبمعنى: الطهر، وهما ضدان، و(غبر) يأتي بمعنى الماضي وبمعنى المستقبل، وهما ضدان، ومثل: (عسعس) يأتي بمعنى: أقبل، وأدبر، وهما ضدان، فهناك كلمات يقال لها: من الأضداد، وقد ألف فيها مؤلفات، وهذا منها، ومنه كتاب الحافظ الذهبي (العبر في أخبار من غبر) يعني: أخبار من مضى؛ لأنه يتعلق بأخبار الماضين، والذي معنا هنا من قبيل الباقي وليس من قبيل الماضي؛ لأنه قال: (فإذا غبر ثلاثون آية، قام، وقرأها) يعني: إذا بقي ثلاثون آية، قام، وقرأها عن قيام، ثم ركع صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الحاصل: أن هذا مثل الرواية السابقة إلا أن فيها زيادة؛ (أنه كان يفعل ذلك لما أسن، أنه كان يصلي جالساً فإذا بقي مقدار ثلاثين آية، قام، وقرأها، ثم ركع عن قيام وكان صلى جالساً)، وكما قلت: هذه الرواية والتي قبلها يوفق بينها وبين الروايتين السابقتين؛ بأنه أحياناً يركع عن جلوس إذا صلى جالساً، وأحياناً يركع عن قيام إذا صلى جالساً؛ لأنه يقوم إذا بقي مقدار ثلاثين آية، فيقرؤها ويركع عليه الصلاة والسلام.
يتبع