
تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثانى
سُورَةُ الْمَائِدَةِ
الحلقة (160)
صــ286 إلى صــ 290
فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر
أراد: فزمان لنا ، وزمان علينا ، ولم يقصد ليوم واحد لا ينضم إليه غيره .
وفي معنى يأسهم قولان .
أحدهما: أنهم يئسوا أن يرجع المؤمنون إلى دين المشركين ، قاله ابن عباس ، والسدي .
والثاني: يئسوا من بطلان الإسلام ، قاله الزجاج . قال ابن الأنباري: وإنما يئسوا من إبطال دينهم لما نقل الله خوف المسلمين إليهم ، وأمنهم إلى المسلمين ، فعلموا أنهم لا يقدرون على إبطال دينهم ، ولا على استئصالهم ، وإنما قاتلوهم بعد ذلك ظنا منهم أن كفرهم يبقى .
قوله تعالى: فلا تخشوهم قال ابن جريج: لا تخشوهم أن يظهروا عليكم ، وقال ابن السائب: لا تخشوهم أن يظهروا على دينكم ، واخشوني في مخالفة أمري .
قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم روى البخاري ، ومسلم في "الصحيحين" من حديث طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية من كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال: وأي آية هي؟ قال: قوله: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله ، والساعة [ ص: 287 ] التي نزلت فيها ، والمكان الذي نزلت فيه على رسول الله وهو قائم بعرفة في يوم جمعة ، وفي لفظ "نزلت عشية عرفة" قال سعيد بن جبير: عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أحدا وثمانين يوما .
فأما قوله "اليوم" ففيه قولان .
أحدهما: أنه يوم عرفة ، وهو قول الجمهور .
والثاني: أنه ليس بيوم معين ، رواه عطية عن ابن عباس ، وقد ذكرنا هذا آنفا . وفي معنى إكمال الدين خمسة أقوال .
أحدها: أنه إكمال فرائضه وحدوده ، ولم ينزل بعد هذه الآية تحليل ولا تحريم ، قاله ابن عباس ، والسدي ، فعلى هذا يكون المعنى: اليوم أكملت لكم شرائع دينكم .
والثاني: أنه بنفي المشركين عن البيت ، فلم يحج معهم مشرك عامئذ ، قاله سعيد بن جبير ، وقتادة . وقال الشعبي: كمال الدين هاهنا: عزه وظهوره ، وذل الشرك ودروسه ، لا تكامل الفرائض والسنن ، لأنها لم تزل تنزل إلى أن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلى هذا يكون المعنى: اليوم أكملت لكم نصر دينكم .
[ ص: 288 ] والثالث: أنه رفع النسخ عنه . وأما الفرائض فلم تزل تنزل عليه حتى قبض ، روي عن ابن جبير أيضا .
والرابع: أنه زوال الخوف من العدو ، والظهور عليهم ، قاله الزجاج .
والخامس: أنه أمن هذه الشريعة من أن تنسخ بأخرى بعدها ، كما نسخ بها ما تقدمها . وفي إتمام النعمة ثلاثة أقوال .
أحدها: منع المشركين من الحج معهم ، قاله ابن عباس ، وابن جبير ، وقتادة .
والثاني: الهداية إلى الإيمان ، قاله ابن زيد .
والثالث: الإظهار على العدو ، قاله السدي .
قوله تعالى: فمن اضطر أي: دعته الضرورة إلى أكل ما حرم عليه . (في مخمصة) أي: مجاعة ، و "الخمص": الجوع ، قال الشاعر يذم رجلا:
يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة يبت قلبه من قلة الهم مبهما
وهذا الكلام يرجع إلى المحرمات المتقدمة من الميتة والدم ، وما ذكر معهما .
قوله تعالى: غير متجانف لإثم قال ابن قتيبة: غير مائل إلى ذلك ، و "الجنف": الميل . وقال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد: غير متعمد لإثم .
وفي معنى "تجانف الإثم" قولان .
أحدهما: أن يتناول منه بعد زوال الضرورة ، روي عن ابن عباس في آخرين .
[ ص: 289 ] والثاني: أن يتعرض لمعصية في مقصده ، قاله قتادة . وقال مجاهد: من بغى وخرج في معصية ، حرم عليه أكله . قال القاضي أبو يعلى: وهذا أصح من القول الأول ، لأن الآية تقتضي اجتماع تجانف الإثم مع الاضطرار ، وذلك إنما يصح في سفر العاصي ، ولا يصح حمله على تناول الزيادة على سد الرمق ، لأن الاضطرار قد زال . قال أبو سليمان: ومعنى الآية: فمن اضطر فأكله غير متجانف لإثم ، فإن الله غفور ، أي: متجاوز عنه ، رحيم إذ أحل ذلك للمضطر .
