
26-03-2022, 08:14 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة :
|
|
رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله

تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثالث
صـ 481 الى صـ 485
الحلقة (95)
ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال، لتجرد المهاجرين عنها، وقد اشتهر في هذه الآية حديث أبي أيوب الأنصاري، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وغيرهم... ولفظ الترمذي: عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر. وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد. فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله [ ص: 481 ] الإسلام، وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا - دون رسول الله صلى الله عليه وسلم -: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم، هذا حديث حسن غريب صحيح.
أقول: إنكار أبي أيوب رضي الله عنه إما لكونه لا يقول بعموم اللفظ بل بخصوص السبب، وإما لرد زعم أنها نزلت في القتال. أي: في حمل الواحد على جماعة العدو كما تأولوها. وهذا هو الظاهر. وإلا فاللفظ يقتضي العموم، ووروده على السبب لا يصلح قرينة لقصره على ذلك. ولا شبهة أن التعبد إنما هو باللفظ الوارد وهو عام.
وقد استشهد بعموم الآية عمرو بن العاص فيما رواه ابن أبي حاتم بسنده: أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث أخبر أنهم حاصروا دمشق. فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده. وقال عمرو: قال الله: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
وقد روي في سبب نزولها آثار ضعيفة ساقها ابن كثير وهي - والله أعلم - من باب صدق عمومها على ما رووه.
تنبيه:
قال الحاكم: تدل الآية على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خيف على النفس، وتدل على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف، لأن كل ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة. وتدل على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين. كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. وكما فعله أمير المؤمنين علي عليه السلام بصفين. وكما فعله الحسن عليه السلام من مصالحة معاوية. وتدل أيضا على جواز مصالحة الإمام بشيء من أموال الناس إذا [ ص: 482 ] خشي التهلكة. ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يصالح يوم الأحزاب بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فأشارا بترك ذلك. وهو لا يعزم إلا على ما يجوز.
لطيفة:
الإلقاء لغة: طرح الشيء، عدي بإلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء مزيدة في المفعول لتأكيد معنى النهي. والمراد بالأيدي: الأنفس، فذكر الجزء وإرادة الكل لمزيد اختصاص لها باليد. بناء على أن أكثر ظهور أفعال النفس بها. والتهلكة والهلاك والهلك واحد. فهي مصدر. أي: لا توقعوا أنفسكم في الهلاك.
والتهلكة بضم اللام. قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدرا على تفعلة - بضم العين - إلا هذا.
وقال اليزيدي: هو من نوادر المصادر. ولا يجري على القياس.
قال الزمخشري: ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما. على أنها مصدر من هلك. فأبدلت من الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار هذا ما ذكروه.
قال الفخر الرازي - ولله دره - بعد نقله نحو ما سبق: وإني لأتعجب كثيرا من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعرا مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به واتخذوه حجة قوية. فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى، المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة - أولى أن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها.
وأحسنوا أي: تحروا فعل الإحسان، أي: الإتيان بكل ما هو حسن، ومن أجله الإنفاق. وقوله: إن الله يحب المحسنين قال الراغب: نبه بإظهار المحبة للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم.
[ ص: 483 ] القول في تأويل قوله تعالى:
[196] وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب .
وأتموا الحج والعمرة لله أي: أدوهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله تعالى.
قال الراغب: قيل: أتموا خطاب لمن خرج حاجا أو معتمرا، فأمر أن لا يصرف وجهه حتى يتمهما. وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله، واحتج به في وجوب إتمام كل عبادة دخل فيها الإنسان متنفلا، وأنه متى أفسدها وجب قضاؤها. وقيل: إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة. وذكر لفظ الإتمام تنبيه على توفية حقها وإكمال شرائطها، وعلى هذا قوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل وإلى هذا ذهب الشافعي رحمه الله واحتج به في وجوب العمرة. وإنما قال في الحج والعمرة: لله ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة ; من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى أصنامهم، فخصهما بالذكر لله تعالى حثا على الإخلاص فيهما، ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور.
فإن أحصرتم أي: حبسكم عدو عن إتمام الحج أو العمرة وأردتم التحلل: فما استيسر من الهدي أي: فعليكم، أو فالواجب، أو فأهدوا ما استيسر ; يقال: يسر الأمر [ ص: 484 ] واستيسر، كما يقال: صعب واستصعب. والهدي بتخفيف الياء وتشديدها: جمع هدية وهدية، وهو: ما أهدي إلى مكة من النعم لينحر تقربا به إلى الله. قال ثعلب: الهدي بالتخفيف، لغة أهل الحجاز. والتثقيل على فعيل، لغة بني تميم، وسفلى قيس. وقد قرئ بالوجهين جميعا في الآية. وشاهد الهدي مثقلا من كلامهم قول الفرزدق:
حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدي مقلدات
وشاهد الهدية كذلك، قول ساعدة بن جؤية:
إني وأيديهم وكل هدية مما تثج له ترائب تثعب.
وأعلى الهدي بدنة، وأدناه شاة. والمعنى: أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل، تحلل بذبح هدي تيسر عليه: من بدنة أو بقرة أو شاة.
تنبيه:
قال الراغب: ظاهر قوله تعالى: أحصرتم أنه لا فرق فيه بين أن يحصر بمكة أو بغيرها، وبعد عرفة أو قبلها. وكذلك لا فرق في الظاهر بين أن يحصره عدو مسلم أو غيره. وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين إحصار العدو وإحصار المرض. لولا أن الآية نزلت في سبب العدو فلا يجوز أن تتعدى إلا بدلالة. ولأن قوله: فإذا أمنتم يدل على أن المراد بالإحصار هو بالعدو.
وقد يقال: العبرة في أمثاله بعمومه، كما ذهب إليه ثلة من السلف. فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر. وقال الثوري: الإحصار من كل شيء أذاه.
وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير [ ص: 485 ] ابن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج وأنا شاكية. فقال: « حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» . ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله.
ومن دلالة الآية ما قاله الراغب: إن ظاهرها يقتضي أن لا قضاء على المحصر ; لأنه قال: فما استيسر من الهدي واقتصر عليه.
ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله أي: الموضع الذي يحل فيه نحره، وهو مكانه الذي يستقر فيه. يعني: موضع الإحصار. وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه، واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه - شائع. ولما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية، وحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم.
وقد ساق الإمام ابن القيم في " زاد المعاد " بعض ما في قصة الحديبية من القواعد الفقهية في فصل قال فيه: ومنها أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحل أو الحرم، وأنه لا يجب عليه أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه، وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محله، بدليل قوله تعالى: هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ومنها: أن الموضع الذي نحر فيه الهدي كان من الحل لا من الحرم، لأن الحرم كله محل الهدي.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|