عرض مشاركة واحدة
  #232  
قديم 24-03-2022, 04:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الفقه على المذاهب الأربعة ***متجدد إن شاء الله

الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري
الجزء الرابع
[كتاب النكاح]
صـــــ 169 الى صــــــــ
197
الحلقة (189)


(2) (المالكية: - قالوا: ستعرف أن لهم قولين في ذلك أظهرهما الحكم بصحة عقد النكاح بين غير المسلمين إذا كان مستوفياً لشرائطه عند المسلمين فلا خلاف وسيأتي إيضاح ذلك في التفصيل الآتي
(3) (قالوا: لا يقع طلاق الكافر لأنه يشترط لصحة الطلاق الإسلام كما ستعرفه) .

(4) (الحنفية - قالوا: لا عدة على الكافرة إلا إذا كانت كتابية متزوجة بمسلم وطلقها فإنها تعتد بلا خلاف) .

(5) (الحنفية - قالوا: النكاح الواقع بين الملل الأخرى من كتابيين. أو مشركين، أو صابئين أو مجوس أو غيرهم إذا كان مستكملاً للأركان والشرائط التي ذكرها المسلمون كان العقد صحيحاً في نظر المسلمين لأن كل صحيح بين المسلمين، فهو صحيح بين غيرهم، مثلاً إذا تزوج المشرك مشركة بإيجاب وقبول صحيحين مستكملين للشروط بحضرة شاهدين. أو رجل وامرأتين وأمهرهما ما يصح أن يكون مهراً فهذا النكاح يعتبر عند المسلمين صحيحاً ومهره صحيح كما لو وقع بين مسلمين بلا فرق. أما المالكية فإنهم لا يقولون بصحته، كما سيأتي، وقد استدل الحنفية بقوله تعالى. {وامرأته حمالة الحطب} فقد اعتبر الله سبحانه النكاح القائم بين أبي لهب وصاحبته ونسبها إليه، فقال: "وامرأته" ولو كان فاسداً لم تكن امرأته بحسب العرف واللغة، واستدلوا بحديث "ولدت من نكاح لا من سفاح" ووجه كون الحديث حجة أنه اعتبر ما وقع في الجاهلية موافقاً لعق نكاح المسلمين نكاحاً صحيحاً إذ لو كان فاسداً لكان سفاحاً كسفاح الجاهلية ولكن هذا الحديث لا يصلح حجة.
وستأتي مناقشتة في مذهب المالكية، فاقرأها هناك بإمعان.
أما إذا وقع النكاح بينهم فاسداً فإن ذلك يكون على أنواع: منها أن يقع بغير شهود، فإذا تزوج الكتابي كتابية بغير شهود، أو الوثني تزوج بغير شهود فلا يخلو إما أن يكون جائزاً في شريعتهم أو لا، فإن كان جائزاً فإنهم عليه حتى إذا أسلما بقيا على نكاحهما الواقع بغير شهود، وإذا لم يسلما وترافعا إلى قاضي المسلمين أو ترافع أحدهما فإنه يقرهما عليه ولا يفرق بينهم، أما إذا كان لا يجوز في ديانتهم فإنهما لا يقران عليه عند المسلمين أيضاً، ومنها أن يتزوج كتابي كتابية وهي في عدة الغير، فإن كانت في عدة مسلم بأن مات عنها زوجها المسلم أو طلقها وهي في عدته، فإن النكاح يقع فاسداً بلا خلاف، ويفرق بينهما، ولو كان ذلك جائزاً في دينهم ويتعرض لهم في ذلك وإن لم
في التفرق بينهما أن يترافعا إلى القاضي، أو يترافع أحدهما، إذ لا يتصور في هذه الحالة أن يترافعا، ومثل ذلك ما إذا تزوج ذمي مسلمة فإن التفريق بينهما لا يحتاج إلى مرافعة وطلب أصلاً أما إذا كانت العدة في عدة غير مسلم سواء كان موافقاً لها في دينها أو لا، وكان زواج المعتدة جائزاً في دينهم فإن فيه خلافاً، فأبو حنيفة يقول: إنهما يقران عليه قبل الإسلام وبعده، وإذا ترافعا. أو ترافع أحدهما إلى قاضي المسلمين فإنه لا يفرق بينهما، وأما صاحباه فإنهما يقولان: إنهما لا يقران عليه ما دامت المرأة في العدة، بمعنى أنه يفرق بينهما إذا كانت العدة قائمة، أما إذا تزوجها في العدة، ثم انقضت عدتها وترافعا إلى قاضي المسلمين فإنه لا يفرق بينهما باتفاق. والصحيح قول أبي حنيفة والفرق بين عدة الكافر أن العدة تشتمل على حقين: حق الشرع، وحق الزوج. والزوجان الكتابيان ونحوهما لا يخاطبان بحق الشرع. ولا وجه إلى إيجاب العدة حقاً للزوج لأن الزوج لا يعتقد بإجابها.
كما هو المفروض أما إذا كانت عدة مسلم فإنها تجب على الكتابية حقاً للمسلم لأنه يعتدها.
ومن هنا كان الصحيح الذي لا شك فيه أن المسلم إذا تزوج كتابية تحت زوج كتابي وفارقته لا يصح له أن يعقد عليها قبل انقضاء العدة، خلافاً لقول بعضهم: إن العقد عليها يصح، ولكن لا يطؤها إلا بعد الاستبراء بالحيض. لأن العدة كما عرفت فيها حق الله تعالى ويخاطب به من يعتقده. والمسلم يعتقده فيلزمه العمل به. هذا، وإذا فرضنا أن الكتابيين وغيرهم من أرباب الديانات الأخرى لا عدة عندهم، ففارقها زوجها مثلاً بموت، أو طلاق وتزوجها آخر بعد ذلك بأسبوع مثلاً، ثم جاءت بولد قبل مضي ستة أشهر من تاريخ زواجها بالثاني، وهي أقل مدة الحمل، فهل يكون نسب الولد من الزوج الأول أو لا؟ الذي قالوه: أن النسب لا يثبت من الأول، ولكن بعض المحققين قال: إنه يثبت لأنه لا يلزم من صحة العقد على الثاني عدم ثبوت النسب من الأول إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، لأن معنى هذا أنه ابن الأول بلا كلام، وإن كان عقد الثاني صحيحاً قي ديانتهم، ومنها أن يتزوج محرماً له، كأن يعقد على بنته، أو أخته، كما هو في شريعة المجوس أو يتزوج عمته، أو يجمع بين الأختين كما هو في شريعة اليهود، أو نحو ذلك، فإذا وقع ذلك فإنها تعتبر صحيحة ما داموا على ديانتهم، فيتركون عليها ولا يتعرض لهم أما إذا أسلما. أو ترافعا إلى القاضي لينظر في صحة هذا النكاح، فإنه يجب أن يفرق بينهما، وإن ترافع إليه أحدهما فقيل: يفرق. وقيل: لا.
والصحيح أنه لا يفرق إلا إذا ترافعا إليه معاً، وإذا تزوج اليهودي أختين في عقد واحد وفارق واحدة منهما وهو على دينه، ثم أسلما بقي عقد الثانية صحيحاً ولا يفرق بينهما باتفاق. ومنها أن يطلقها ثلاثاً، ثم يعود إليها بدون محلل، وفي هذه الحالة إذا أسلما أو ترافعا إلينا فإننا نقرهما عليه.
ثم إن القاعدة أن كل عقد يقرهم عليه القاضي إذا ترافعا إليه وهم على دينهم. أو بعد إسلامهم فإنه يترتب عليه ما يترتب على العقد الصحيح من ثبوت نسب، وعدة، وإحصان للزوج ويتوارثان به،
وكل عقد لا يقرون عليه، كنكاح المحارم، فإنه يثبت به النسب. والإحصان ما داموا على ديانتهم، ولكن لا يتوارثان به. وهذا إذا أسلما معاً، أو بقيا على دينهما، أما إذا أسلم أحدهما فإن كانت الزوجة دون الزوج عرض القاضي عليه الإسلام، فإن أسلم بقيت الزوجية بينهما، وإلا فرق بينهما فإذا عرض عليه القاضي الإسلام وسكت عرضه عليه مرة ثانية، وثالثة، فإن سكت بعد الثالثة، فرق بينهما وإن كان الزوج صغيراً، فإن كان مميزاً عاقلاً عرض عليه الإسلام، كالبالغ بدون فرق أما إذا كان غير مميز فإنه ينتظر تمييزه، وإن كان مجنوناً عرض الإسلام على أبويه، فإن أسلما معاً أو أسلم أحدهما بقيت الزوجية قائمة، وإن امتنعا فرق بينهما، وفي هذه الحالة تكون الفرقة طلاقاً لأن الاباء من قبل الزوج.
وهو يملك الطلاق فيكون اباؤه طلاقاً، ولا فرق بين أن تكون الزوجة كتابية، أو وثنية لا كتاب لها لأنها متى أسلمت لا تحل للزوج الكتابي، أو الوثني على أي حال، قال تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} فإذا تزوج ذمي مسلمة ثم أسلم فرق بينهما، لأن العقد الأول وقع باطلاً بالإجماع ومن باب أولى إذا كان وثنياً، وإن أسلم الزوج دون الزوجة، فلا يخلو إما أن تكون الزوجة كتابية أو وثنية لا كتاب لها، فإن كانت كتابية بقي النكاح على حاله بدون أن يعرض عليها الإسلام لأنها تحل للمسلم وهي على دينها، وإن كانت وثنية عرض عليها الإسلام، فإن أبت فرق بينهما، ولم تكن الفرقة في هذه الحالة طلاقاً لأن المرأة لا تملك الطلاق فإباؤها الإسلام لا يترتب عليه الطلاق، وإذا تزوج المسلم مشركة أسلمت وتنازعا فقالت: إن المسلم عقد عليها وهي مشركة، فقال: بل عقدت عليها وهي مسلمة كان القول لها، ويفرق بينهما. هذا إذا وقع العقد بين غير المسلمين الموجودين في دار الإسلام، أما إذا وقع بينهما في دار الحرب، ثم هاجر إلينا أحدهما، فإن فيه تفصيلاً يأتي قريباً. هذا، وقد بقي حكم ما إذا تزوج غير المسلم أكثر من أربع، أو تزوج أختين ثم أسلم، وفيه تفصيل، وهو: أنه إذا كان قد تزوجهن بعقود متفرقة حكم بفساد العقد الأخير، أما إذا تزوجهن في عقد واحد فإن فارق واحدة من الخمس أو فارق إحدى الأختين بموت أو إبانة قبل دخول الإسلام فإنه يقر على الأربع الباقيات معه. أو على الأخت الباقية، وإلا فسد نكاح الجميع، سواء كان ذمياً أو حربياً، على الصحيح، وهذا التفصيل إذا لم يقع سبي للزوج ومعه زوجاته، فإذا سبي وتحته خمس نسوة أو أختان بطل نكاح الجميع، سواء كان بعقود متفرقة أو كان في عقد واحد، وإذا سبي معه ثنتان لم يفسد نكاحهما بل يفسد نكاح الباقيات في دار الحرب.
فيفرق بينهما. ومثل ذلك ما إذا كان تحته أربع، وسبي منهن معه ثنتان. فإنه لا يفسد نكاحهما، بل يفسد نكاح الباقيتين في دار الحرب.
وإذا جمع غير المسلم بين البنت وأمها. فلا يخلو إما أن يكون قد جمع بينهما في عقد واحد أو عقود متفرقة وعلى كل إما أن يدخل الإسلام قبل الدخول أو بعده فإن تزوجهما في عقد واحد فنكاحهما باطل، سواء دخل بهما. أو لا، وإن تزوجهما في عقدين ودخل بهما جميعاً بطل نكاحهما بالإجماع، وإن كان قد دخل بواحدة فقط ثم تزوج الثانية بعد الدخول بالأولى ولم يدخل بها وأسلم فسد نكاح
الثانية، سواء كانت أماً أو بنتاً، وذلك لأن الثانية إذا كانت أماً، ولم يدخل بها لا يفسد نكاح بنتها الأولى. وإن كانت بنتاً فالعقد عليها لا يفسد نكاح أمها، أما إذا عقد على واحدة منهما أولاً ولم يدخل بها، ودخل بالثانية، فإن كانت الأولى بنتاً والثانية أماً بطل نكاحهما معاً. وذلك لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات. أما إذا كانت الثانية بنتاً ودخل بها دون الأم، ففيها خلاف، فبعضهم قال: أن النكاح باطل ويفسخ، وذلك لأن الدخول بالبنت أبطل عقد أمها، والعقد على أمها أبطل عقدها، فإذا أراد أن يتزوج إحداهما بعد الإسلام فإنه يحل له أن يتزوج البنت دون الأم، لأن الدخول بالبنت جعل التحريم مؤبداً بينه وبين أصولها أما العقد على الأم فإنه لا يوجب تأبيد التحريم.
الشافعية - قالوا: نكاح غير المسلمين في ديار الإسلام يتركون عليه ولا يتعرض لهم ما داموا على دينهم، سواء كان صحيحاً في نظر الإسلام، أو فاسداً وإذا أسلموا عليه بدون بحث لأن الأصل في أنكحتهم الصحة، فإذا تزوجها ودخل بها دون شهود، أو تزوجها لمدة معينة مؤقتة - وهو نكاح المتعة - فإنهم يقرون عليه بشرط أن يعتقدوا في نكاح المتعة أنه نكاح دائم أما إذا اعتقدوا أنه مؤقت فإنهما لا يقران عليه وذلك لأنهما إن أسلما قبل انقضاء الوقت المحدد كان إقراراً لهم على فاسد قبل الإسلام ولم يزل عند الإسلام وهو ممنوع، كما ستعرفه.
وإذا أسلما بعد انقضاء الوقت المحدد بينهما فالأمر ظاهر لأنهما يعتقدان انتهاء النكاح بانتهاء وقته فلا معنى لإقرارهما على الزنا، والمعتبر اعتقاد أهل ملة الزوج لا أهل ملة الزوجة.
وقد يقال: إن مثل هذه الأنكحة قال بصحتها بعض أئمة المسلمين أيضاً والكلام هنا يصح أن يكون في الفاسد المجمع على فساده فإذا تزوجها بنكاح فاسد عند جميع المسلمين فإنهم يتركون عليه ويقرون عليه بعد إسلامهم. أو بعد مرافعتهم إلينا إن لم يكن ظاهراً لنا بقاء فساده عند الإسلام، مثال ذلك أن يتزوجها وهي في عدة الغير ويبني بها وتنقضي عدتها ثم يدخلان الإسلام، فإنهما لا يقران على هذا النكاح، وذلك لأن الشرط في إقرارهم على النكاح الفاسد أن لا يستمر المفسد المعلوم لنا إلى وقت الإسلام، فإذا أسلما قبل انقضاء عدتها من الغير ولم يظهر لنا ذلك، فليس لنا أن نبحث عن المفسد ولا عن كونه مستمراً إلى الدخول في الإسلام، أو لا.
وحاصل هذا أننا لا نتعرض لأنكحة غير المسلمين وهم على دينهم، فإذا ترافعوا إلينا أو أسلموا فإننا نقرهم عليها من غير بحث عن كونها وقعت صحيحة أو فاسدة بحيث لا يجوز لنا البحث، فإن ظهر لنا فسادها ننظر فيما إذا كان المفسد باقياً وقت الإسلام، أو زال. فإن كان باقياً فرقنا بينهما، وإن كان قد زال أقررناهم عليه، كما بيناه فيما إذا عقد عليها وهي في عدة الغير.
فإذا لم نعرف أنه تزوجها وهي معتدة فلا يصح لنا أن نسألهما في ذلك أو نبحث عنه، أما إذا كان المفسد ظاهراً لنا بحيث لا يمكن إخفاؤه، كما إذا تزوج المجوسي محرماً من محارمه، كأخته. وبنته، وعمته. وزوجة أبيه. وابنه، فإن المفسد في هذه الحالة ظاهر ومجمع عليه، فإذا أسلما
فرق بينهما كما يقول الحنفية، وكذلك إذا ترافعوا إلينا وهم على دينهم أو ترافع إلينا أحدهما خلافاً للحنفية، فإننا لا نقرهم عليه، وإذا أسلمت الزوجة، سواء كانت كتابية. أو غير كتابية، فإن كان إسلامها قبل الوطء. أو ما في معناه. كاستدخال مني الرجل بغير الوطء وقعت الفرقة بينهما حالاً إن لم يسلم معها، وإن أسلمت بعد الدخول كان عليها العدة، فإذا أسلم الزوج قبل انقضاء العدة، ولو في آخر لحظة منها لم يفسخ العقد، وإلا فرق بينهما والفرقة بينهما فسخ لا طلاق، وقد عللوا ذلك بأنهما مقهوران عليها، والطلاق إنما يكون بالاختيار، فلذا كانت الفرقة فسخاً لا طلاقاً، ولعل وجهه أنه إذا أسلم أحدهما كان الآخر مكرهاً على الإسلام. أو الفراق، فالإكراه من هذه الناحية ظاهر، فلا يرد أن الإسلام، أو الامتناع عنه صادر بالاختيار، أما ما أجيب به من أنهما مكرهان معاً على الإسلام بحسب الأصل، فإنه غير ظاهر، كما لا يخفى. وإذا أسلم الزوج، سواء كان كتابياً. أو غير كتابي وتحته امرأة كتابية، فإن نكاحهما يبقى لأنها تحل له ابتداء، فإن كانت كتابية مستكملة للشرائط المتقدمة وهو كتابي قبل الإسلام، فهي حل له باتفاق، وإن كان وثنياُ غير كتابي، وهي كتابية، فإنها تحل له عند الشافعية على الراجح.
وإذا أسلما معاً في آن واحد بأن انتهى كل واحد منهما بالنطق بالشهادتين في آن واحد بقيت الزوجية بينهما. سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده.
وإذا تزوجت غير المسلمة صغيراً من دينها فأسلم أبوه، وأسلمت هي مع أبيه، ففيه خلاف، فبعضهم يقول: إن النكاح بينها وبين زوجها الصغير يفسخ. وذلك لأن الصغير يحصل إسلامه تبعاً لإسلام والده فيكون عقبه. وقد قلنا أن إسلامها هي قد حصل مع إسلام الأب فيكون إسلامها متقدماً على إسلام زوجها قبل الدخول فتنجز الفرقة بينهما. ومثل ذلك ما إذا أسلمت عقب إسلام والده، لأن إسلام الزوجة في هذه الحالة متأخراً عن إسلام الصغير.
والحاصل أن المعية التي يتقرر بها النكاح يشترط فيها أن يسلما معاً في آن واحد بحيث لا يتقدم أحدهما الآخر شيئاً ما، وإسلام زوجة الصغير بهذه الصورة لم تتحقق به هذه المعية لأنها إما قبله أو بعده كما عرفت.
وبعضهم يقول: أنها إذا أسلمت مع والد الصغير فإن نكاحها يبقى، وذلك لأن ترتيب إسلام الصغير على إسلام أبيه لا يقتضي أن إسلام الأب متقدم على إسلام الابن بالزمان، بل الشارع قد جعل نطق الأب بالشهادتين إسلاماً له ولابنه الصغير في آن واحد، فإسلام الزوجة قارن إسلامهما معاً، نعم إن إسلام الأب متقدم على إسلام البن عقلاً، لأنه علة فيه والعلة متقدمة على المعلول عقلاً، ولكن التقدم العقلي لا عبرة به هنا. أما وجهة نظر الأول، فهو أن العلة وإن كانت مقارنة للمعلول في الزمان. ولكن الحكم بإسلام الابن لا يمكن إلا بعد إسلام الأب، فلا يقال للولد: إنه مسلم ما لم يحكم للأب بالإسلام، وكلاهما حسن، إلا أن الأول أظهر، لأن الغرض من هذه المسألة أن نحكم بأن إسلام الزوجة مقارن لإسلامهما معاً، ولا شك أن كلمة الشهادتين الحاصلة من الأب أغنت عنه وعن ابنه،
فكأنها صدرت منهما معاً، والفرض أن الزوجة قالتها مع الأب فهي في الواقع مقارنة لإسلامهما معاً بلا نزاع، أما أن الحكم للأبن بالإسلام لا يكون إلا بعد ثبوت إسلام الأب، فلا يؤثر في هذا، كما لا يخفى.
هذا في الصورة الأولى، أما في الصورة الثانية، وهي ما إذا أسلمت عقب والد زوجها الصغير فإنه قد يقال: إنها إذا أسلمت عقبه مباشرة، وقد قررتم أن إسلام الصغير يتأخر عن إسلام أبيه، كما هو الرأي الأول، فيكون إسلامها في هذه الحالة مقارناً لإسلام زوجها الصغير، لأن كليهما قد تأخر عن إسلام الأب، وهو المطلوب، والجواب: أن إسلام الصغير حكمي حكم به الشارع تبعاً لإسلام أبيه، وإسلامها هي قولي، والحكمي متقدم على القولي لأنه لا يحتاج إلى عبارة يعبر بها بخلاف القولي.
هذا، وإنني أعلم أن مثل هذه الصورة نادرة الوقوع، ولكنني قصدت من إيرادها بيان الفلسفة المتعلقة بها للإفادة بها في غيرها، وللدلالة على مقدار عناية المتقدمين بالمباحث الفقهية وحكمها، وذلك ما أتوخاه في غالب الأحيان.
هذا، وإذا طلقها ثلاثاً قبل الإسلام ثم جدد نكاحها بدون محلل، وتحاكما إلينا في ذلك، أو أسلما فإنه يفرق بينهما، أما إن جدد العقد بمحلل في الكفر فإنه يكفي.
وإذا أسلم غير المسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، فإن في هذه الحالة صوراً:
الصورة الأولى: أن يسلمن معه جميعهن دفعه واحدة، وفي هذه الصورة يجعل له الخيار في البقاء مع أربعة منهن وترك الباقي سواء دخل بهن. أو لم يدخل وله الحق في أن يختار من عقد عليها أخيراً، ولو كانت خامسة، أو سادسة، خلافاً للحنفية فإنهم يقولون ببطلان عقد الأخيرة.
الصورة الثانية: أن يسلمن جميعاً قبله. أو يسلمن بعده، وفي هذه الحالة ينظر إن كانت عدتهن قد انقضت قبل إسلامه. أو إسلامهن. أو لا، فإن كانت قد انقضت فقد انقطع النكاح منهن جميعاً وإلا كان الخيار في أربع كالصورة الأولى.
الصورة الثالثة: أن يسلم وتحته أكثر من أربع كتابيات. وفي هذه الحالة يكون له الخيار في أربع منهن ولو لم يسلمن لأنك قد عرفت أنه يحل للمسلم نكاح الكتابيات وهن على ديانتهن.
الصورة الرابعة: أن يسلم معه أربع فقط قبل الدخول، وفي هذه الحالة يبقى النكاح على الأربع المسلمات معه، ويفسخ فيما عداها، حتى ولو أسلم الزائد بعد ذلك لأن إسلامهن قد تأخر عن إسلام الزوج قبل الدخول، فتقع الفرقة بينهما في الحال.
الصورة الخامسة: أن يسلم أربع فقط بعد الدخول معه. أو قبله. أو بعده. وهن في العدة، ثم أسلم الزائد عن الأربع بعد انقضاء العدة، وفي هذه الحالة يتعين قصر النكاح على الأربع المسلمات، ويفسخ فيما عداهن، أما إذا أسلم الزائد قبل انقضاء عدة الأربع فإنه لا يتعين النكاح في الأربع، بل
يكون للزوج الحق في اختيار أربع من بين الجميع، ومثل هذا ما إذا أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن أو بعدها كحكمهن.
واعلم أن الاختيار إما أن يكون اختياراً للنكاح. أو اختياراً للفسخ، والألفاظ الدالة على اختيار النكاح تنقسم إلى قسمين: ما يدل عليه صريحاً. وما يدل عليه كناية، فما يدل عليه صريحاً فهو ما يذكر فيه لفظ النكاح. كقوله: اخترت نكاحك، أو ثبت نكاحك، وما يدل عليه كناية هو ما لا يذكر فيه لفظ النكاح. كأن يقول لها: اخترتك، أو ثبتك، فإن هذا كناية عن اختيار نكاحها. وكما يكون اختيار النكاح باخترت. وثبت كذلك يكون بأمور:
أحدها: أمسكت فإذا قال: أمسكتك فقد اختار نكاحها. ثانياً: ألفاظ الطلاق، سواء كان صريحاً. أو كناية. ومعنى كون الطلاق اختياراً للنكاح أنه إذا طلق واحدة منهن كان معنى ذلك الضمني أنه اختار نكاحها. إذ لولا ثبوت النكاح ما تحقق الطلاق، فكأنه قال: اخترت نكاحك وطلقتك. وعلى هذا إذا طلق الأربع المباحات له فقد اختار النصاب. وفسخ عقد الباقيات بحكم الشرع. فلا يبقى له منهن واحدة على ذمته. ثالثها: لفظ الفراق. ولكن لفظ الفراق لا يكون اختياراً للنكاح إلا إذا نوى به الطلاق. وذلك لأن لفظ الفراق مشترك بين الطلاق والفسخ.
فإذا أريد منه الطلاق كان معناه أنه اختار نكاحها ثم طلقها، أما إذا أريد منه الفسخ كان معناه أنه فسخ ما لا ثبوت له، لأن الفسخ يرد على الفاسد من أول الأمر، ولا يصح الاختيار بالوطء، خلافاً للمالكية. والحنابلة، لأن الاختيار إما أن يكون في حكم ابتداء النكاح، فكأنه يريد العقد عليها الآن، وإما أن يكون في حكم استدامته، وكلاهما لا يتحقق بالفعل الذي يشبه التعاطي في البيع، بل لا بد فيهما من القول، فيلزمه أن يقول ما يدل على الاختيار حقيقة، كاخترت، أو ضمناً، كالطلاق، وكذا لا يصح الاختيار بالظهار. ولا بالإيلاء، خلافاً للمالكية، ووفاقاً للحنابلة، أما الحنفية فلهم تفصيل آخر سوى هذا، فارجع إليه لتعرف الفرق، فإنه شاسع.
وهل الاختيار واجب فوراً. أو على التراخي؟ الظاهر أنه واجب فوراً ثم إذا حصر عدداً معيناً ليختار منه وطلب الإمهال ليعين يصح أن يمهل ثلاثة أيام ويجبر على التعيين، فإن تركه أجبر عليه بالحبس، فإن أصر عزر بالضرب.
ويشترط أن يكون الزوج المختار بالغاً عاقلاً، وإلا وقف الأمر، فلا يصح الاختيار منه ولا من وليه، وفاقاً للحنابلة، وخلافاً للمالكية القائلين بصحة اختيار الولي.
وتبتدئ عدة المفارقة من وقت إسلامها. أو إسلام الزوج إن كان متقدماً على إسلامها. لأن الإسلام هو سبب الفرقة.
هذا، وإذا جمع بين الأم وبنتها ثم أسلم، فإن كان قد دخل عليهما معاً حرمتا عليه أبداً وفرق بينهما، وإن كان قد دخل بالأم فقط حرمتا عليه كذلك، وإن لم يدخل بواحدة منهما حرمت الأم دون البنت، وكذا إذا دخل بالبنت دون الأم فإن الأم تحرم دون البنت.

المالكية - قالوا: اختلف علماؤهم في أنكحة أهل الكتاب التي تقع بينهم مستوفية للشرائط التي عند المسلمين، فقال بعضهم: إنها فاسدة، لأنه يشترط لصحتها الإسلام، فمتى كان الزوجان كافرين كان عقد زواجهما فاسداً ولو استكمل شروط الصحة من شهود. وولي. وصيغة إيجاب وقبول. ومهر. وخلو من الموانع، وهذا هو المشهور، وقال بعضهم: إذا استكملت شرائط الصحة تكون صحيحة في نظر الشريعة الإسلامية أيضاً، أما كون إسلام الزوج شرطاً في صحة العقد فمحله إذا كانت الزوجة مسلمة، أما غير المسلمة فلا يشترط فيها إسلام الزوج وهذا هو الظاهر، وعلى هذا لا يكون في هذه المسألة خلاف بين الأئمة، لأن الحنفية. والشافعية. والحنابلة يحكمون بصحة عقودهم التي وافقت عقودنا.
ولكن الحنفية قد نقلوا عن المالكية القول الأول، واحتجوا عليهم بقوله تعالى: "وامرأته حمالة الحطب" لأنه لو لم تكن الزوجية صحيحة بين أبي لهب وبين حمالة الحطب لما أخبر الله عنها بكونها امرأته، فإن امرأة الرجل في العرف واللغة زوجه، واستدلوا أيضاً بحديث" خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح" أما الدليل الأول فإنه يكفي في إثبات هذا الفرع، وإذا كان القول الصحيح عند المالكية موافقاً لما عليه الأئمة الآخرون. فلا خصومة تستدعي الرد عليها. وأما الدليل الثاني فهو منقوض، وذلك لأنك قد عرفت وجهه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن نكاح أجداده صحيح ليس بسفاح - مع كونهم مشركين - لأنه كان موافقاً لقواعد الإسلام، وإلا كان من سفاح الجاهلية، ووجه نقضه أن أجداد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين لا مشركين لأنهم كانوا يعبدون الله على شريعة إبراهيم، وليس نقل هذا القول مقصوراً على الرافضة فقط، كما نقله بعض الفقهاء عن أبي حيان في تفسير قوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين} وعلى فرض نقله عنهم وحدهم فإنه لا يضر في الموضوع، لأنهم نقلوا مسألة تاريخية يؤيدها العقل والمنطق السليم، على أن هذا القول منقول عن كثير من المؤرخين وشراح الحديث والمفسرين عند قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه} فإنهم قالوا: إنه عمه لأن أجداد النبيّ جميعهم موحدون نعم نقل عن بعضهم أنه تأثر ببعض عادلت قومه ولكن في غير التوحيد، وسبب ذلك ضياع شريعة إبراهيم من بينهم ولو أنها وجدت لاستمسكو بها جميعاً أصولاً وفروعاً.
ويدل لذلك ما ورد من أن نور النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينتقل في الأصلاب والأرحام الطاهرة حتى وصل إلى عبد الله وآمنة. وقد نص الله تعالى على أن المشرك نجس. قال الله تعالى {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام} . فكيف ينتقل نور النبوة في الأصلاب التي حكم الله بأنها نجسة كنجاسة الخنزير؟ أظن هذا بعيداً كل البعد.
ومما يوجب العجب العجاب قول بعضهم: أن أبوي النبيّ صلى الله عليه وسلم ماتا على الكفر وفي الوقت نفسه يذكرون أن آمنة كانت تحوطها الملائكة الكرام، وكان يرى نور النبوة في جبهة عبد الله الخ ما ذكروه، فهل المشرك النجس تزفه الملائكة وتخالطه الأرواح الطاهرة ويرى من إرهاصات النبوة ما يفيد انه من أقرب المقربين إلى ربه؟! وأغرب من هذا قولهم: إن الله تعالى قد أحيا أبوي النبيّ صلى الله عليه وسلم فآمنا به وماتا
بعد ذلك. ولعل قائل هذا نسي أن قدرة الله كانت صالحة أيضاً لأن يهديهما إلى توحيد الإله في حال حياتهما، كما هدى زيد بن عمرو بن نفيل وغيره بل يصونهما عن عبادة الأصنام إكراماً لنور النبوة الذي أشرق على جميع العالم فأخرجه من الظلمات إلى النور، وأيهما أقرب إلى تعلق القدرة، هدايتهما قبل الموت أو إحياؤهما لمجرد الإيمان، وإماتتهما فوراً على أن الإيمان بعد الموت والمعاينة لا معنى له، وإذا كان الإيمان في حالة الاحتضار غير مفيد بعد أن يرى الإنسان العذاب ويوقن بما بعد الموت؟ فإذا قالوا: إن المسألة معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم قلنا: إن المعجزة عند الضرورة. وأي ضرورة في هذا؟ إذ يكفي أن يغفر الله لهما بدون خرق للنظم. كل هذا كلام لا يصح ذكره في الكتب العلمية ولا المناقشة فيه بل الحق أن أجداد النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا موحدين جميعاً.
وما نقل عن بعضهم أنه تأثر بعادات قومه لم يكن مشركاً مطلقاً انظر ما روي عن جده عبد المطلب وهو يضرع إلى الله ويستغيث به من أصحاب الفيل حيث يقول:
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك * وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
فهل هذا كلام وثني يعبد الصنم، أو كلام موحد مخلص لربه؟
والذي أثار مثل هذه الشبهات الفاسدة أمران: أحدهما ما نقل عن أبي حنيفة أن أبوي النبيّ صلى الله عليه وسلم ماتا على الكفر. ثانيهما: ما رواه مسلم من أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي سأله عن أبيه: "إن أبي وأباك في النار" أما قول أبي حنيفة رضي الله عنه فإن الذي حمله على ذلك هو تأييد مذهبه من أن أهل الفترة غير ناجين إذا أشركوا مع الله غيره فهم ملزمون بتوحيد الله بعقولهم لأن معرفة الله ثبتت بالعقل لا بالشرع، فغير الموحد من أهل الفترة مثل غيره من المشركين الذين جاءتهم الرسل ولا يخفى أن البحث يدور حول هذه المسألة من جهتين: إحداهما هل أهل الفترة ناجون أو لا، ثانيتهما: هل ثبت كون آباء النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكونوا موحدين أو لا، وما طريق الإثبات؟ ولا يخفى أن الأولى اعتقادية، ومعلوم أن العقائد لا تثبت إلا بالقطعي من دليل عقلي أو نقلي، والثانية تاريخية.
فأما الأدلة على أن أهل الفترة ناجون، فهي قطعية في نظري، وذلك لأن الله تعالى قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} وحمل الرسول على العقل خروج على الظاهر المعقول بدون ضرورة فإن الرسول إذا أطلق في لسان الشرع كان معناه - الإنسان الذي أوحى إليه بشرع أمر بتبليغه - والقرآن من أوله إلى آخره على هذا، قال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} {وأرسلنا رسلنا تترى} {جاءتهم رسلهم} {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ، وهكذا، فإذا استطاعوا أن يأتوا بكلمة رسول في القرآن على غير هذا المعنى كان لهم العذر، وهذا هو المعقول المطابق لسنن الله في خلقه، فإن الله سبحانه قد أرسل الرسل من بدء الخلق إلى أن استقرت وختمت بالشريعة الإسلامية التي لا تقبل الزوال، بل جعل الله في طبيعتها ما يجعلها تنمو وتزداد كلما تجدد الزمن، وليس من المعقول أن تقول: إن الله أرسل الرسل لتبليغ الشرائع الفرعية وتبليغ أحوال الآخرة فحسب، أما معرفة
الله الواحد المنزه عن كل ما يليق به فواجبة على الناس بطبيعتهم. فعليهم أن يعرفوا ذلك من غير الرسل وإلا كانوا معذبين، لأن هذا القول ينقضه الواقع القطعي، فإن أول شيء اهتم به الرسل هو توحيد الإله. بل كان كل همهم منحصراً في توحيد الإله، ولولا ما أودعه الله في الرسل من أسرار وقوى مؤثرة فوق طبائع البشر، لما وجد على ظهر الأرض موحد، اللهمّ إلا شواذ العالم في الذكاء النادر والفطنة الباهرة، أمثال زيد بن عمرو بن نفيل.
وقس بن ساعدة، وكبار فلاسفة العالم الذين لا يتجاوزون أصابع اليد فهل يعقل أن الله العليم بطبائع عباده يلزمهم بالتوحيد بدون إرسال رسل؟ إن ذلك يكون قصراً لنعيمه على أفراد قلائل من خلقه، وتعذيب الباقين، وأين هذا من كرم الله ورحمته بعباده؟ أين هذا من قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} وقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} أي دليل يخصص الآية الثانية بغير توحيد الإله؟! فإن الله سبحانه جعل للناس الحجة عند عدم إرسال الرسل، سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها، ومن الغريب أن مقاومة الرسل ما كانت إلا في توحيد الإله، فإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، ولوط، وهود، وصالح، وشعيب وغيرهم لم يضطهدهم قومهم إلا من أجل معرفة الإله وتوحيده، ولم يظهر جهادهم إلا في توحيد الإله ومعرفته، ونظرة واحدة إلى كتاب الله تبين مقدار عنايته بمحاربة الوثنية، فقد ملئ بالأدلة الكونية وضرب الأمثال المحسة والحجج القطعية على وجود الإله ووحدانيته، ومع ذلك فقد كانوا من أشد الناس عناداً وإصراراً، وغفلة عن الإله ووحدانيته، فهل مثل هؤلاء كانت عقولهم كافية في معرفة الإله؟
ولم توجد أمة من الأمم في زمن من الأزمنة على غير هذا المنوال، فنظرية أن العقل كاف في معرفة الإله بدون رسل تتصادم مع طبيعة المخلوقات بدون استثناء اللهمّ إلا إذا قلنا: إن الله خلق الناس أجمعين ليعذبهم ويقصر نعمته على أفراد قلائل لا تتجاوز الأصابع عداً، كلا إن الله أرحم من أن يعذب عباده من غير أن يبين لهم طريق الهداية والرشاد.
فالحق أن أهل الفترة ناجون وإن غيروا وعبدوا الأصنام، كما يقول الأشاعرة والمالكية وبعض محققي الحنفية، كالكمال بن الهمام، والماتردية قد اختلفوا أيضاً، فمنهم من قال: إنهم ناجون، ومنهم من اشترط لنجاتهم أن يمضي زمن يمكنهم النظر فيه، وأن لا يموتوا وهم مشركون بعد النظر، ولما كان الماتردية، والحنفية شيئاً واحداً، فقد أول بعضهم ما ذهب إليه بعض الماتردية من نجاتهم بأنه محمول على ما إذا لم يموتوا وهم مشركون، ولا أدري لهذا الحمل معنى، لأن المفروض أنهم ناجون بعد موتهم مشركين، أما إذا ماتوا موحدين فلا خلاف فيه لأحد فالذي قال من الماتردية: إنهم ناجون لا يريد به إلا نجاتهم بعد موتهم مشركين، وإلا كان هازلاً، لأن من قال: لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، وإن قضى طول عمره مشركاً باتفاق المسلمين.
هذا وقد أول بعض علماء الحنفية قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} بوجه آخر، فقال إن المراد بالعذاب الاستئصال في الدنيا، فالله تعالى لا يهلك الأمم في الدنيا إلا بعد أن
يرسل لهم الرسل فلا يصدقوهم ويضطهدوهم، وعند ذلك يهلكهم الله في الدنيا، أما عذاب الآخرة فإنه يقع على من مات مشركاً، ولو لم يرسل الله لهم رسولاً.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.78 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]