عرض مشاركة واحدة
  #463  
قديم 23-03-2022, 05:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,433
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة العيدين)
(287)

- كتاب صلاة العيدين - (باب استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة) إلى (باب حث الإمام على الصدقة في الخطبة)


من الأحكام المتعلقة بصلاة العيد أن يخطب الإمام في الناس بعد الصلاة، ويكون حال الخطبة قائماً، مستقبلاً الناس بوجهه، ويشرع له في ذلك أن يعظهم ويذكرهم في أمور الدنيا والآخرة، ويحثهم على النفقة والتصدق، ويشرع للمصلين أثناء ذلك الجلوس للإنصات للخطبة؛ إلا أن ذلك ليس على سبيل الوجوب كما في الجمعة.
استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة
شرح حديث أبي سعيد الخدري في استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة.أخبرنا قتيبة حدثنا عبد العزيز عن داود عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى إلى المصلى فيصلي بالناس، فإذا جلس في الثانية وسلم قام فاستقبل الناس بوجهه والناس جلوس، فإن كانت له حاجة يريد أن يبعث بعثاً ذكرها للناس وإلا أمر الناس بالصدقة، قال: تصدقوا، ثلاث مرات، فكان من أكثر من يتصدق النساء)].
يقول النسائي رحمه الله: استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة -أي خطبة العيد- المقصود من هذه الترجمة: أن الإمام يخطب الناس في العيدين، وهو قد استقبلهم بوجهه، أي: استدبر القبلة واستقبلهم، وأورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان في عيد أضحى أو فطر، خرج فصلى بالناس، فإذا فرغ من الصلاة قام واستقبل الناس بوجهه، ثم خطبهم، وإذا كان يريد أن يبعث بعثاً، فإنه يذكره لهم، وإلا فإنه يأمرهم بالصدقة، وكان من أكثر من يتصدق النساء.
هذا الحديث دال على ما ترجم له المصنف من جهة استقبال الناس بوجهه في الخطبة، ودال على شيء مما تشتمل عليه الخطبة في العيد إذ أنه عليه الصلاة والسلام إذا كان يريد أن يبعث بعثاً فإنه يخبرهم أو يخبر الناس بهذا الذي هو عازم عليه وذلك في الخطبة، وكذلك كان يحثهم على الصدقة، ودل الحديث على أن من أكثر من يتصدق النساء، والسبب في ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الأحاديث لما خطب الرجال ذهب إلى النساء ووعظهن وذكرهن، وقال: (تصدقن يا معشر النساء فإنكن أكثر حطب جهنم، فقيل له: يا رسول الله لم؟ قال: لأنهن يكثرن الشكاية ويكفرن العشير فجعلن يلقين بأقراطهن وخواتيمهن وقلائدهن)، فحث النبي عليه الصلاة والسلام النساء على الصدقة وبيانه أن الصدقة من أسباب الخلاص من النار ومن أسباب الفكاك من النار هو السبب في كثرة صدقة النساء.
وقد جاء في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، أي ولو كان بشيء يسير فيجود الإنسان بما يجد، لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7] يتصدق الإنسان على قدر طاقته، ولهذا قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، أي ولو كانت الصدقة قليلة، فمن لم يجد ولا شيئاً قليلاً يتصدق به فبكلمة طيبة -يعني أنه يجيب ويعتذر بعذر حسن- وقد جاء في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (والكلمة الطيبة صدقة).

تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في استقبال الإمام المناسب بوجهه في الخطبة

قوله:
[أخبرنا قتيبة].
قتيبة هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وبغلان هي قرية من قرى بلخ، وبلخ هي إحدى المدن الكبيرة في خراسان.
[حدثنا عبد العزيز].
عبد العزيز هو ابن محمد الدراوردي، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن داود].
هو داود بن قيس المدني، وهو ثقة، فاضل، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عياض بن عبد الله].
هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد].
هو سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري، مشهور بكنيته ونسبته، بكنيته: أبي سعيد، وبنسبته: الخدري وهي: نسبة إلى بني خدرة، وهم بطن من الأنصار، واسمه: سعد بن مالك بن سنان، صحابي، جليل، مشهور، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو سعيد، وأم المؤمنين عائشة، فهؤلاء سبعة هم أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق ومنهم أبو سعيد الخدري الذي معنا في الإسناد.
الإنصات للخطبة
شرح حديث: (إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإنصات للخطبة.أخبرنا محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب؛ فقد لغوت)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي الإنصات للخطبة، وأورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)]، وليس فيه التنصيص على العيدين لكنه لما جاء مطلقاً أورده النسائي للاستدلال به، ومن المعلوم أن خطبة العيد ليس الجلوس لها لازماً كما سبق أن مر بنا التخيير في الجلوس للخطبة وعدم الجلوس، ولكن الجلوس كما عرفنا هو الأولى وهو الأفضل؛ لأنه إذا خير بين شيئين وأحدهما أكمل وأفضل من الثاني فإنه ينبغي أن يختار الأكمل، لكن من لم يختر ما هو الأولى والأفضل فإنه لا إثم عليه.
والحديث دال على الإنصات في الخطبة وهذا استدلال من حيث العموم لأن الجلوس للخطبة ليس بلازم، لكن يمكن أن يقال: إن من جلس فإن عليه أن يستمع وأن لا يتشاغل عنها بشيء، وأما من قام وذهب: فإن له حق الذهاب وليس بملزم أن يبقى لكنه إذا بقى فإنه ينصت، والحديث جاء في بعض الروايات منصوصاً فيها على الجمعة (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت).

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)
قوله:
[أخبرنا محمد بن سلمة].
محمد بن سلمة هو المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[والحارث بن مسكين].
والحارث بن مسكين، وهو ثقة، فقيه، مصري، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].
يعني أن أخذه عن الحارث بن مسكين إنما هو عن طريق القراءة عليه وهو يسمع، فليس هو القارئ وإنما هو سامع وقت القراءة.
ثم قال: (واللفظ له) أي للشيخ الثاني وهو الحارث بن مسكين، وليس للشيخ الأول الذي هو: محمد بن سلمة، وهما مصريان أي شيخا النسائي مصريان محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، لكن اللفظ هو للشيخ الثاني منهما، وهذه طريقة النسائي أنه عندما يكون الحديث عن شيخين وفيهما الحارث بن مسكين فإن اللفظ يكون للحارث بن مسكين.
[عن ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
[عن مالك].
مالك هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو إمام متقن، قال عنه الحافظ ابن حجر: رأس المتقنين. معناه: أنه متمكن في الإتقان، وأنه قمة في الإتقان والحفظ، رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب؛ لأن كلاباً هو أبو قصي وأبو زهرة، فيلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في كلاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب، فيقال: الزهري، وينسب إلى جده شهاب، فيقال: ابن شهاب، وهو ثقة، فقيه، وإمام مشهور، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن المسيب].
ابن المسيب هو سعيد بن المسيب الإمام المشهور، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة في عصر التابعين، وهم: سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: إن السابع هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن أبي هريرة ].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الصحابي الجليل المشهور، المكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً يرويه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروفون بكثرة الحديث سبعة ذكرتهم قريباً، وأولهم وأكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
كيف الخطبة؟
شرح حديث جابر في كيفية الخطبة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الخطبة؟أخبرنا عتبة بن عبد الله أخبرنا ابن المبارك عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه نذير جيش يقول: صبحكم مساكم، ثم قال: من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً، فإلي أو علي، وأنا أولى بالمؤمنين)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي كيف الخطبة؟ أي: كيفية الخطبة وصفة الخطبة، والذي ذكره النسائي هو المقدمة التي يأتي بها عليه الصلاة والسلام في الخطبة، ثم بعد ذلك يذكر الناس بما يريد أن يذكرهم به، ويعظهم ويبلغهم ما يريد أن يبلغهم إياه، لكن كان من هديه عليه الصلاة والسلام في الخطبة أنه يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي عليه، وهاتان الجملتان فيهما: أن الهداية والإضلال بيد الله عز وجل، وأن من هداه الله عز وجل فهو المهتدي، ومن يضلله فهو الذي لا يكون له ولي مرشد، كما قال عز وجل: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17]، فالأمر بيده، وقد قدر الله عز وجل مقادير الخلائق، وكتب من هو شقي، ومن هو سعيد، فمن اهتدى، فالله تعالى هو الذي هداه، ومن ضل، فالله تعالى هو الذي أضله، وليس له هاد يهديه إذا كان الله قد كتب غوايته وضلالته وشقاوته.
ثم يقول: إن أصدق الحديث كلام الله، أي: كلام الله عز وجل الذي تكلم به هو وحيه الذي أوحاه إلى رسوله عليه الصلاة والسلام، وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام -الهدي- أي الطريقة، والمنهج، والمسلك الذي يسار عليه وهو مسلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهدي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال عنه عليه الصلاة والسلام في حديث العرباض بن سارية: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين)، يعني: طريقته، ومنهجه الذي كان عليه عليه الصلاة والسلام، هذا هو الذي فيه السلامة، وفيه العصمة، وفيه النجاة، وفيه الفوز بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنه سار إلى الله عز وجل على بصيرة، وسار على هدى، وعلى صراط مستقيم؛ لأنه أخذ بخير الهدي الذي هو هدي محمد عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: (وشر الأمور محدثاتها)، لما بين أن خير الهدي ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، بين أن شر الأمور محدثاتها، يعني ما كان محدثاً في دين الله وليس له أصل في كتاب الله ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام فهذا هو المحدث وهذا هو البدعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: [(فإن شر الأمور محدثاتها)]، ثم قال: [(وكل محدثة بدعة)]، يعني كل محدثة في دين الله عز وجل فهي بدعة.
ليس في الدين بدعة حسنة

قوله: (وكل بدعة ضلالة)، وهذا يدلنا على أن كل البدع ضلالة، وليس في الإسلام بدعة حسنة كما يقول البعض، فهذا العموم الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: (كل بدعة ضلالة)، يدلنا على أن البدعة في الدين أيّ بدعة فإنها ضلالة، ولا يقال: إن هناك بدعة حسنة كما قاله بعض أهل العلم الذين قالوا: إن البدعة تجري عليها الأحكام الخمسة الواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، والمكروه وما إلى ذلك، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كل بدعة ضلالة) يعني: كل شيء لم يكن على هدي رسول الله فإنه ضلالة، وقد أوضح ذلك بقوله: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وهو متفق عليه من حديث عائشة وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا انفرد به مسلم من حديث عائشة، ورواية مسلم أعم من الرواية المتفق عليها؛ لأن من عمل عملاً أعم من أن يكون هو المحدث له أو تابعاً لغيره أو مقلداً لغيره في أمر محدث.فقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن كل بدعة ضلالة). يدلنا على أن البدع كلها ضلالة وليس في الإسلام بدعة حسنة، وما جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام الذي رواه مسلم في صحيحه: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها)، ليس معنى ذلك أنه يحدث في دين الله أمراً ليس له أساس من الدين فيكون مأجوراً عليه ومن يتابعه أيضاً يلحقه أجره، بل المقصود من ذلك ما جاء في نفس الحديث وهو سبب الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه أناس يظهر عليهم الفقر والحاجة الشديدة وجوههم شاحبة وثيابهم بالية والنبي عليه الصلاة والسلام كما وصفه الله عز وجل: بالمؤمنين رءوف رحيم، فدخل بيوته وخرج وجعل يدخل ويخرج ويسأل: هل في بيوته شيء من أجل أن يعطيهم إياه؟ فلم يجد شيئاً في بيوته عليه الصلاة والسلام، فحث على الصدقة، فقام واحد من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأتى بصرة من الدراهم فوضعها، ثم تتابع الناس وراءه، فقال عليه الصلاة والسلام عند ذلك: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها)، معناه: أن هذا الشخص الذي أتى بهذه الصرة، وسبق إلى التصدق بها، والناس تابعوه، هذا هو الذي سن في الإسلام سنة، ومن المعلوم: أن الصدقة مأمور بها، والإنسان إذا أكثر من الصدقة، فإنه فيه زيادة الأجر والثواب، وإظهارها إذا كان سيترتب عليها اقتداء، وحصول فوائد للمحتاجين، فإن ذلك أفضل من إخفائها، وإخفاؤها إذا كان ما يترتب عليه شيء من الفوائد أولى من إظهارها، وعليه يحمل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيهم: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
فالجمع بين الحديثين: الحديث الذي فيه مدح من أظهر الصدقة والثناء عليه وأنه سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه اقتدي به، وكان إظهاره الصدقة في مجال يناسب أن غيره يقتدي به؛ لأجل ذلك قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة)، أي أن هذا الرجل سبق إلى خير وتصدق بشيء كثير فتوبع على ذلك فله أجره وأجر من اقتدى به، وأما إذا لم يكن هناك أمر يقتضي إظهار الصدقة، كأن لا يتابع ولا يكون فيه تشجيع للغير على المتابعة، ولا على الإكثار من الصدقة فإن إخفاءها يكون أفضل، وبهذا يجمع بين الحديثين: الحديث الذي في مسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة)، والحديث الذي في الصحيحين وهو حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وفيهم (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
إذاً قوله عليه الصلاة والسلام: (كل بدعة ضلالة)، هو على عمومه ولا يقال: إن هناك بدعة حسنة؛ لأن الشيء الذي لم يكن له أساس من الدين ولم يأت به هدي سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام فهو مردود على صاحبه ولو كان قصد صاحبه حسناً، وقد مر بنا قريباً، وسيأتي أيضاً حديث خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم العيد في قوله: (من ذبح قبل الصلاة فإن شاته شاة لحم) -يقصد الأضاحي- فإن أحد الصحابة وهو أبو بردة بن نيار كان قد ذبح أضحيته قبل الصلاة، وأراد من ذلك أن يسبق إلى تقديم اللحم للناس وهم محتاجون إليه في ذلك اليوم، والنبي عليه الصلاة والسلام بين في خطبته: (أن من ذبح قبل الصلاة أن شاته شاة لحم)، فلم تعتبر ذبيحة أبي بردة أضحية؛ لأنها لم تقع على الوجه الذي شرعه رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو أن تكون بعد الصلاة.
قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث، وقد نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا وقع غير مطابق للسنة أنه لا يعتبر ولو كان قصد صاحبه حسناً؛ لأن هذا الصحابي الجليل قصده حسن، ومع ذلك صارت شاته شاة لحم، وكذلك أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما جاء إلى المسجد وفيه أناس متحلقون، وفي كل حلقة رجل ومعهم حصى، يقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، فإذا فرغوا قال: هللوا مائة فيهللون مائة، ويعدون بالحصى، ثم يقول: كبروا مائة فيكبرون مائة ويعدون بالحصى، فوقف على رءوسهم وقال: يا هؤلاء، إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو أنكم مفتتحو باب ضلالة -واحدة من اثنتين- قالوا: سبحان الله. يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير -يعني قصدنا طيب- قال رضي الله عنه: وكم من مريد للخير لم يصبه، فالخير وإصابة الخير إذا كان على وفق السنة أما إذا كان على خلاف السنة، فإنه يكون بدعة، وصاحبه لا يحصل من ورائه خيراً.
فقوله رضي الله عنه: (وكم من مريد للخير لم يصبه) يفيد ويدل على أن الإنسان إذا أراد أن يفعل خيراً فليكن على وفق السنة بأن يكون على وفق ما جاء عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء عن الفضيل بن عياض رحمة الله عليه أنه قال في قول الله عز وجل: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]، قال: العمل الأحسن: ما كان خالصاً صواباً؛ فالخالص ما كان لله والصواب ما كان على السنة.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.34 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.70%)]