سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [1]
رامي حنفي محمود
تفسير سورة التكوير
من الآية 1 إلى الآية 14: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ أي ذهب ضَوْءُها،﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ أي تساقطت على الأرض، ﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾ أي سُيِّرَت عن وجه الأرض - بعد أن اقتلعها الله من أماكنها - وجعلها هباءً منثوراً،﴿ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾ يعني: وإذا النُوق الحوامل تُرِكَت وأُهمِلَت (بعد أن كانت تأخذ اهتماماً شديداً وعنايةً بالغة من أصحابها حتى تلد)،﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ يعني: وإذا الحيوانات الوحشية جُمِعَت؛ ليَقتصَّ اللهُ مِن بعضها لبعض، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: "لَتُؤَدَنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد - (يعني حتى يُقتَصّ) - للشاة الجَلحاء - (أي التي لا قرْنَ لها) - من الشاة القرناء"، ثم ثَبَتَ في حديثٍ آخر أنه بعد هذا القِصاص: تصيرُ الشاتان تراباً (انظر السلسلة الصحيحة ج 4/606)، وذلك حتى يَتحقق العدل التام يوم القيامة،﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ يعني: وإذا البحار أُوقِدَت بالنار، فقد قال عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما: (تُملأ البحار كلها يوم القيامة بالنار، فيُزاد بها في نار جهنم)، ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ يعني: وإذا النفوس قُرنَت بأجسادها، أو (قُرِنَت بأمثالها في الخير والشر)، فأصبحت كُلّ طائفة متشابهة في الأعمال، تقف مع بعضها يوم القيامة،﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ يعني: وإذا الطفلة (التي دُفِنَت وهي حية)، سُئِلَت يوم القيامة - جَبرًا لخاطرها وتبكيتاً لمَن دَفَنَها -:﴿ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾؟! يعني ماذا فعلتْ حتى تُدفَن وهي حية؟!،﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ يعني: وإذا صُحُف الأعمال فُتِحَت وعُرِضَت على أصحابها،﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴾ أي قُلِعَت وأُزيلت من مكانها،﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ يعني: وإذا النار أُوقِدَت، فاشتعلت اشتعالاً شديداً،﴿ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ أي قُرِّبت مِن المتقين (زيادةً لهم في المَسَرَّة والاطمئنان)، فإذا وَقَعَ كل ذلك: فقد ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾ أي وجدتْ كلُّ نفس ما قدَّمَت من خير أو شر.
من الآية 15 إلى الآية 25: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾: يعني فأُقسِم بالنجوم التي تختفي أنوارها نهارًا، وهي﴿ الْجَوَارِ ﴾ أي الجارية في مَدارها، ﴿ الْكُنَّسِ ﴾ أي المستترة في أبراجها (أي في مَنازلها)، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴾ يعني: وأُقسِم بالليل إذا أقبَلَ بظلامه،﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾ يعني: وبالصبح إذا ظهر ضياؤه، ثم أخبَرَ سبحانه عن الشيء الذي يُقسِم عليه، فقال:﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾: يعني إن القرآن لَتبليغُ رسولٍ كريم - وهو جبريل عليه السلام - الذي يُبَلِّغ القرآنَ عن رب العالمين،﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ يعني إنّ جبريل صاحب قوة شديدة في تنفيذ ما يؤمَر به، ﴿ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ يعني: وإنه لَصاحب مكانة رفيعة عند الله تعالى (رب العرش العظيم)،﴿ مُطَاعٍ ثَمَّ ﴾ أي تطيعه الملائكة هناك (في السماء) أو في أيّ مكان يذهب إليه، ﴿ أَمِينٍ ﴾: أي مؤتمَن على الوحي الذي يَنزل به،﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴾ يعني: وما محمد - الذي تعرفونه - بمجنون كما تزعمون (حتى تصرفوا الناسَ عنه)، فإنكم تعلمون أنه أعقل أهل الأرض، إذ كنتم تَشهدونَ له بالصدق والأمانة، ورَضيتم بحُكمه عندما أرادتم إعادة بناء الكعبة (وذلك قبل بعْثَته)،﴿ وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴾ يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ - الذي يأتيه بالوحي - في الأفق العظيم (وهو أفق الشمس عند مَطلعها)، وذلك حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم - على صورته الحقيقية - جالساً بين السماء والأرض، وهو يَسُدّ الأفق مِن مَطلع الشمس إلى مَغربها،﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾ يعني: وما محمدٌ ببخيل في تبليغ الوحي عن ربه، فإنه لو كان كاتماً شيئاً من الوحي، لَكَتَمَ عتاب الله تعالى له في شأن الصحابي "عبد الله بن أُمّ مكتوم" في سورة (عَبَسَ)، ولَكَتَمَ قوله تعالى في سورة الأحزاب: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)، ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴾ يعني: وما هذا القرآن بقول شيطانٍ مطرود من رحمة الله، مَرجومٌ بالشُهُب حتى لا يَسمع كلامَ الملائكة في المَلأ الأعلى، ولكنه كلام رب العالمين ووَحْيه.
♦ واعلم أنّ كلمة (لا) التي في قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ) تُسَمَّى (لا الزائدة) لتأكيد القسم، واعلم أيضاً أنّ الله تعالى يُقسِم بما يشاء مِن خلقه، أما المخلوق فلا يجوز له القَسَم إلا بالله تعالى، لأنّ الحَلِف بغير الله شِرك.
من الآية 26 إلى الآية 29: ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾؟! يعني: فأين تذهب بكم عقولكم في التكذيب بالقرآن، بعد أنْ علمتم براهينه القاطعة؟!﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ يعني:ما هذا القرآن إلا تذكيرٌ للجن والإنس (إذ بالتفكر فيه يَهتدون إلى الحق، وباتِّباعه يَسعدون في الدنيا والآخرة)، فإنّ القرآنَ فيه العِبَر والمواعظ الكافية﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ أي يستقيم على الحق والإيمان، ولا يتَّبع شيطانه وهَواه،﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ يعني: وما تشاؤون الاستقامة ولا تَقدرون عليها، إلا أن يشاءها لكم الله تعالى، رب الخلائق أجمعين (ألاَ فاطلبوها منه بصِدقٍ وتذلل، واجتهدوا في تحصيل أسبابها).
تفسير سورة الإنفطار
من الآية 1 إلى الآية 5: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴾ أي انشقت واختلَّ نظامها،﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ أي تساقطت،﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴾ أي اختلطت ببعضها وأصبحت بحراً واحداً (سواء المالح والعَذب)، وذلك لانكسار الحاجز الذي كان يفصل بينهما - بعد زلزلة الأرض - إعلاماً بخراب العالم،﴿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ أي قُلِبَت وأُخرِجَ ما فيها من الأموات، فإذا وقع كل ذلك: فقد﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾: أي وَجَدَ كلُّ إنسانٍ جميع أعماله: ما قدَّمَه في حياته، وما أخَّرَه بعد موته (وهو كل ما دَلَّ عليه الناس أثناء حياته - مِن خيرٍ أو شر - فعَمِلوا به بعد موته، فإنه يُكتَب في ميزانه، ثم يُجازَى به).
من الآية 6 إلى الآية 12: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾؟! يعني ما الذي خدعك وجرّأك على عِصيان ربك الكريم، صاحب الخير الكثير، الجدير بالشكر والطاعة؟!، ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ ﴾ ولم تكن شيئاً يُذكَر ﴿ فَسَوَّاكَ ﴾ أي أحكَمَ خَلْقك ﴿ فَعَدَلَكَ ﴾: أي جعلك معتدل الخلق، متناسب الأعضاء (كل شيءٍ يؤدي وظائفه)، ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ يعني: في أيِّ صورةٍ شاءها خلقك، ﴿ كَلَّا ﴾ أي لم يَغُرّكَ كرم الله ولا حِلمه ﴿ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ يعني: وإنما الذي جَرَّأه على المعاصي هو تكذيبه بيوم الدين (الذي هو يوم الجزاء)، كما قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) أي جزاءهم الحق، ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ أي وما علمتم أنّ عليكم ملائكة يُراقبون أفعالكم ويَحفظونها ويَكتبونها في صحائفكم،﴿ كِرَامًا ﴾ أي مُكَرَّمينَ عند الله تعالى، ﴿ كَاتِبِينَ ﴾ لِمَا كُلِّفوا به، فلا يفوتهم شيءٌ من أعمالكم وأسراركم،﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ في السر والعَلَن، وسوف تُفاجأون يوم الجزاء بصحائف أعمالكم، وقد حَوَت جميع أعمالكم، فلم تترك صغيرةً ولا كبيرة.
من الآية 13 إلى الآية 19: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ ﴾ (وهم الأتقياء، المؤدون لحقوق الله تعالى وحقوق عباده) ﴿ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ يوم القيامة،﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ ﴾ (الذين أهمَلوا حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وخرجوا عن طاعته) ﴿ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ أي في نارٍ شديدة الاشتعال﴿ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾: أي يُعانون مِن لهيبها وحَرّها يوم الجزاء،﴿ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴾ يعني: وما هم عن عذاب جهنم بغائبين (لا بخروجٍ ولا بموت)﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾؟يعني:وما أدراكَ أيها الرسول ما عظمة يوم الحساب والجزاء؟، ثم يؤكد سبحانه ذلك بقوله: ﴿ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾؟ يعني ثم ما أدراكَ ما في هذا اليوم من الشدة والصعوبة؟﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ﴾ يعني: يومئذٍ لا يَقدر أحدٌ على نفع أحد، ﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ يعني: والأمر في ذلك اليوم لله وحده، لا ينازعه فيه أحد (فلا يَشفع أحدٌ لأحد إلا إذا أَذِنَ الله للشافع، ورَضِيَ عن المشفوعِ له).
[1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير.
واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.