
تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثانى
سُورَةُ النِّسَاءِ
الحلقة (140)
صــ186 إلى صــ 190
قوله تعالى: فإذا سجدوا يعني: المصلين معه (فليكونوا) في المشار إليها قولان . أحدهما: أنهم طائفة التي لم تصل ، أمرت أن تحرس الطائفة المصلية ، [ ص: 186 ] وهذا معنى قول ابن عباس . والثاني: أنهم المصلون معه أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحرس .
واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود ، فقال قوم: إذا أتموا مع الإمام ركعة أتموا لأنفسهم ركعة ، ثم سلموا ، وانصرفوا ، وقد تمت صلاتهم .
وقال آخرون: ينصرفون عن ركعة ، واختلف هؤلاء ، فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا ، فهي تجزئهم . وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحرس وهم على صلاتهم ، فيكونون في وجه العدو مكان الطائفة الأخرى التي لم تصل وتأتي تلك الطائفة . واختلفوا في الطائفة الأخرى ، فقال قوم: إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائتة ، ثم يسلم بها ، وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم ، فإذا سلم قضوا ما فاتهم . وقال آخرون: بل يصلي بالطائفة الثانية ركعة ، ويسلم هو ، ولا تسلم هي ، بل ترجع إلى وجه العدو ، ثم تجيء الأولى ، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم ، وتمضي وتجيء الأخرى ، فتتم صلاتها ، وهذا مذهب أبي حنيفة . [ ص: 187 ] قوله تعالى: وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم قال ابن عباس : يريد الذين صلوا أولا . وقال الزجاج : يجوز أن يريد به الذين وجاه العدو ، لأن المصلي غير مقاتل ، ويجوز أن يكون الجماعة أمروا بحمل السلاح ، لأنه أرهب للعدو ، وأحرى أن لا يقدموا عليهم . و "الجناح" الإثم ، وهو من: جنحت: إذا عدلت عن المكان ، وأخذت جانبا عن القصد . والمعنى: أنكم إذا وضعتم أسلحتكم ، لم تعدلوا عن الحق .
قوله تعالى: إن كان بكم أذى من مطر قال ابن عباس : رخص لهم في وضع الأسلحة لثقلها على المريض وفي المطر ، وقال: خذوا حذركم كي لا يتغفلوكم .
فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا
قوله تعالى: فإذا قضيتم الصلاة يعني: صلاة الخوف ، و "قضيتم" بمعنى: فزعتم .
قوله تعالى: فاذكروا الله في هذا الذكر قولان .
أحدهما: أنه الذكر لله في غير الصلاة ، وهذا قول ابن عباس ، والجمهور . قالوا: وهو التسبيح ، والتكبير ، والدعاء ، والشكر .
[ ص: 188 ] والثاني: أنه الصلاة ، فيكون المعنى: فصلوا قياما ، فإن لم تستطيعوا فقعودا ، فإن لم تستطيعوا فعلى جنوبكم ، هذا قول ابن مسعود . وفي المراد بالطمأنينة قولان .
أحدهما: أنه الرجوع إلى الوطن عن السفر ، وهو قول الحسن ، ومجاهد ، وقتادة . والثاني: أنه الأمن بعد الخوف ، وهو قول السدي ، والزجاج ، وأبي سليمان الدمشقي .
وفي إقامة الصلاة قولان . أحدهما: إتمامها ، قاله مجاهد ، وقتادة ، والزجاج ، وابن قتيبة .
والثاني: أنه إقامة ركوعها وسجودها ، وما يجب فيها مما قد يترك في حالة الخوف ، هذا قول السدي .
قوله تعالى: كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي: فرضا . وفي "الموقوت" قولان . أحدهما: أنه بمعنى: المفروض ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي ، وابن زيد . والثاني: أنه الموقت في أوقات معلومة ، وهو قول ابن مسعود ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، وابن قتيبة .
ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما
قوله تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم قال أهل التفسير: سبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما انصرفوا من أحد أن يسيروا في أثر أبي سفيان وأصحابه ، فشكوا ما بهم من الجراحات ، فنزلت هذه الآية . قال الزجاج : ومعنى "تهنوا": تضعفوا ، يقال: وهن يهن: إذا ضعف ، وكل ضعف فهو وهن . وابتغى القوم: طلبهم بالحرب . و "القوم" هاهنا: الكفار إن [ ص: 189 ] تكونوا تألمون أي: توجعون ، فإنهم يجدون من الوجع بما ينالهم من الجراح والتعب ، كما تجدون ، وأنتم مع ذلك ترجون ما لا يرجون . وفي هذا الرجاء قولان . أحدهما: أنه الأمل ، قاله مقاتل . قال الزجاج : وهو إجماع أهل اللغة الموثوق بعلمهم . والثاني: أنه الخوف ، رواه أبو صالح ، عن ابن عباس . قال الفراء: ولم يوجد الخوف بمعنى: الرجاء إلا ومعه جحد ، [فإذا كان كذلك كان الخوف على جهة الرجاء والخوف وكان الرجاء كذلك] كقوله: ما لكم لا ترجون لله وقارا [نوح: 13] وقوله: لا يرجون أيام الله [الجاثية: 14] ، قال الشاعر:
لا ترتجي حين تلاقي الزائدا أسبعة لاقت معا أم واحدا
وقال الهذلي:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل
ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك ، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك
[ ص: 190 ] قال الزجاج : وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف ، لأنه أمل قد يخاف أن لا يتم ، فعلى القول الأول يكون المعنى: ترجون النصر وإظهار دينكم والجنة . وعلى الثاني تخافون من عذاب الله ما لا يخافون .
