
تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثانى
سُورَةُ النِّسَاءِ
الحلقة (122)
صــ96 إلى صــ 100
والثالث: أنه يجب المسح من رؤوس الأنامل إلى الآباط ، روى عمار بن ياسر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فنزلت الرخصة في المسح ، فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا ، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط . وهذا قول الزهري .
قوله تعالى: إن الله كان عفوا قال الخطابي: "العفو": بناء للمبالغة . و"العفو" الصفح عن الذنوب ، وترك مجازاة المسيء . وقيل: إنه مأخوذ من: عفت الريح الأثر: إذا درسته ، وكأن العافي عن الذنوب يمحوه بصفحه عنه .
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل
قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال . [ ص: 97 ] أحدها: أنها نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت . والثاني: أنها نزلت في رجلين كانا إذا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم لويا ألسنتهما وعاباه ، روي القولان عن ابن عباس .
والثالث: أنها نزلت في اليهود ، قاله قتادة .
وفي النصيب الذي أوتوه قولان . أحدهما: أنه علم نبوة محمد النبي صلى الله عليه وسلم . والثاني: العلم بما في كتابهم دون العمل .
قوله تعالى: يشترون الضلالة قال ابن قتيبة: هذا من الاختصار ، والمعنى: يشترون الضلالة بالهدى ، ومثله وتركنا عليه في الآخرين [الصافات: 78] أي: تركنا عليه ثناء حسنا ، فحذف الثناء لعلم المخاطب .
وفي معنى اشترائهم الضلالة أربعة أقوال .
أحدها: أنه استبدالهم الضلالة بالإيمان ، قاله أبو صالح ، عن ابن عباس .
والثاني: أنه استبدالهم التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهوره بإيمانهم به قبل ظهوره ، قاله مقاتل . [ ص: 98 ] والثالث: أنه إيثارهم التكذيب بالنبي لأخذ الرشوة ، وثبوت الرئاسة لهم ، قاله الزجاج .
والرابع: أنه إعطاؤهم أحبارهم أموالهم على ما يصنعونه من التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم ذكره الماوردي .
قوله تعالى: ويريدون أن تضلوا السبيل خطاب للمؤمنين . والمراد بالسبيل: طريق الهدى .
والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا
قوله تعالى: والله أعلم بأعدائكم فهو يعلمكم ما هم عليه ، فلا تستنصحوهم ، وهم اليهود ، وكفى بالله وليا لكم ، فمن كان وليه ، لم يضره عدوه . قال الخطابي: "الولي": الناصر ، و"الولي": المتولي للأمر ، والقائم به ، وأصله من الولي ، وهو القرب ، "والنصير": فعيل بمعنى: فاعل .
من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا
[ ص: 99 ] قوله تعالى: من الذين هادوا قال مقاتل: نزلت في رفاعة بن زيد ، ومالك ابن الضيف ، وكعب بن أسيد ، وكلهم يهود . وفي "من" قولان ذكرهما الزجاج .
أحدهما: أنها من صلة الذين أوتوا الكتاب ، فيكون المعنى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا .
والثاني: أنها مستأنفة ، فالمعنى: من الذين هادوا قوم يحرفون ، فيكون قوله: يحرفون ، صفة ، ويكون الموصوف محذوفا ، وأنشد سيبويه:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
والمعنى: فمنهما تارة أموت فيها ، قال أبو علي الفارسي: والمعنى: وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا ، أي: إن الله ينصر عليهم .
فأما "التحريف" ، فهو التغيير . و"الكلم": جمع كلمة . وقيل: إن "الكلام" مأخوذ من "الكلم" ، وهو الجرح الذي يشق الجلد واللحم ، فسمي الكلام كلاما ، لأنه يشق الأسماع بوصوله إليها ، وقيل: بل لتشقيقه المعاني المطلوبة في أنواع الخطاب .
وفي معنى تحريفهم الكلم قولان . أحدهما: أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء ، فإذا خرجوا ، حرفوا كلامه ، قاله ابن عباس . والثاني: أنه تبديلهم التوراة قاله مجاهد . [ ص: 100 ] قوله تعالى: عن مواضعه أي: عن أماكنه ووجوهه .
قوله تعالى: ويقولون سمعنا وعصينا قال مجاهد: سمعنا قولك ، وعصينا أمرك .
قوله تعالى: واسمع غير مسمع فيه قولان .
أحدهما: أن معناه: اسمع لا سمعت ، قاله ابن عباس ، وابن زيد ، وابن قتيبة .
والثاني: أن معناه: اسمع غير مقبول ما تقول ، قاله الحسن ، ومجاهد . وقد تقدم في (البقرة) معنى: وراعنا .
قوله تعالى: ليا بألسنتهم قال قتادة: "اللي": تحريك ألسنتهم بذلك .
وقال ابن قتيبة: معنى "ليا بألسنتهم": أنهم يحرفون "راعنا" عن طريق المراعاة ، والانتظار إلى السب بالرعونة . قال ابن عباس : لكان خيرا لهم مما بدلوا ، و(أقوم) أي: أعدل ، ولكن لعنهم الله بكفرهم بمحمد .
قوله تعالى: فلا يؤمنون إلا قليلا فيه قولان . أحدهما: فلا يؤمن منهم الا قليل ، وهم عبد الله بن سلام ، ومن تبعه ، قاله ابن عباس .
[ ص: 101 ] والثاني: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، قاله قتادة ، والزجاج . قال مقاتل: وهو اعتقادهم أن الله خلقهم ورزقهم .
