الموضوع: لكل طفل كتاب
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 21-03-2022, 04:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لكل طفل كتاب


الإخراج الفني للغلاف: إنّ الإخراج الفني للقصص وجمال الغلاف هما أوّل ما يجذب الطفل إلى الكتاب، بل إنها على حدّ تعبير الفنّان المصري "حسين بيكار": (العامل المشهدي الأول الذي يغريه على اقتنائه وفضّ صفحاته وتقبّل مضامينه).

وهما من جهة ثانية عامل هام في تنمية التذوّق الفني لدى الطفل، فهو يطّلع عن طريق الرؤية البصرية وحدها على المذاهب الفنية فترسخ مزاياها في أعماقه بشكل غير مباشر.

لذلك فمن السمات البارزة لكتب الأطفال-في البلاد الأوروبية-الاعتماد على الرسم والتصوير والطباعة الفاخرة؛ ممّا يساعد على شدّ الانتباه؛ وتحقيق عنصريْ التشويق والجاذبية الذين يؤديان بدورهما إلى تحقيق تنمية القراءة والرغبة فيها.

فعلى سبيل المثال نجد كتبا تظهر فيها صور بارزة أو مجسمة عند فتح الصفحات المختلفة، وكثيرا ما تكون هذه الصور معدّة بحيث يستطيع الطفل أن يحرك أجزاء معينة منها بطريقة معبرة؛ مثل ما يحدث عندما يشد الطفل جزءا من الصور فيقفز القط من الكرسي أو يطير العصفور من الشجرة أو يهبط الدب على السلم، إلى غير ذلك من الأساليب المدروسة التي يتفنن في إخراجها ناشرو الكتب الأطفال الحديثة في الدول المتقدمة؛ في الوقت الذي تشير الإحصائيات أن ما نسبته 30% من رسوم وصور الأطفال عندنا لا تعبر عن الاحتياجات الفعلية لأطفالنا، لأسباب عدة لعل أهمها:
عدم توفر خاصية الوضوح والبساطة في اغلب رسوم الأطفال.
عدم ملائمة الصور والرسوم المقدمة في كتب الأطفال للبيئة العربية وللمجتمع العربي.
عدم مواكبة الرسوم والصور في أغلب كتب الأطفال للتقنيات الحديثة وللثورة التكنولوجية التي سايرت كتب الأطفال في الدول المتقدمة والتي أصبحت تتعامل مع حواس الطفل الخمس جميعا.
افتقار بعض الرسوم إلى الألوان، لدرجة أن بعضها يقدّم-إلى غاية يومنا هذا- رسوما باللونين الأبيض والأسود، وهو ما لا يتناسب مع أبسط رغبات الطفل في هذه المرحلة العمرية.

وبالفعل فإنّ أغلفة قصص الأطفال عندنا ما زالت متخّلفة، ذلك أنّ رسّامينا لم يعترفوا – في عمومهم – بعدُ بالفكرة القائلة أنّ الغلاف هو لوحة فنيّة، يحتاج كأية لوحة إلى جهد ووقت وإبداع، بل لعلّه أسرع انتشارا من اللوحات نفسها وأكثر فائدة منها لجمهور الأطفال.

والأمر نفسه ينطبق على الرسوم أو اللوحات الداخلية، التي تقوم بمهّمة مساعدة الطفل على القراءة، لأنها تلخّص زمرا عريضة من المعاني عن طريق الخطوط والألوان، ولهذا ينبغي وضعها إلى جانب الرموز الكتابية وإلاّ فقدت تأثيرها في الطفل.

كما ينبغي الالتفات إليها بمزيد من العناية الفنّية، لأنّ لها دورّا كبيرّا في تكوين الطفل وتثقيفه، فهي مدخل رحب لإدخال المعلومات إلى وعاء عقله المتفتح، وعامل من عوامل كشف شخصيته وبلورة ملكاته.

وتزداد أهمية الرسوم الداخلية والغلاف الخارجي في قصص الأطفال في المرحلة الأولى حتى ليطغى التعبير بالرسم على التعبير بالكلمات طغيانا واسعا؛ بحيث تغدو اللوحة أو الرسم العامل الأهم في فهم القصّة، إضافة إلى مهمتها الأخرى المتعلقة بتربية الذوق الفني للطفل.

يضاف إلى ذلك أن جودة الغلاف تساعد الطفل على الاحتفاظ بالقصة سليمة قبل قراءتها وبعدها وفي أثناءها، وهو أمر هام إذا أردنا تدريب الأطفال على إنشاء مكتباتهم الخاصة المستقلة عن مكتبات الكبار وبالتالي غرس قيمة الكتاب في أنفسهم وتعويدهم على تبادله وإهداءه في المناسبات ولم لا شراءه من مصروفهم الخاصّ.

الوظيفة الاجتماعية للرسم: بقيت نقطة أخيرة لا تقلّ أهمية عما سبق ذكره، وهي: هل تعكس الرسوم التي يشاهدها قارئنا العربي الصغير واقعه الاجتماعي وبيئته؛ من حيث الشخوص والملامح والملابس والعمارة وأدوات الحياة والطبيعة المحيطة به؟

هذا السؤال بالغ الأهمية وبالإجابة عليه نرجع قليلا إلى الوراء فنلاحظ أنّ القصص التي قرأناها في طفولتنا –وإلى وقت قريب- قلما كانت تحدّثّنا عن أنفسنا، وفيما كنّا نقرأه من القصص المكتوبة بالانجليزية أو بالفرنسية أو المترجمة، كانت توجد رسوم جميلة للغاية، تصف أطفالا صغارا شقرا، متنقلين في مدن لم يسبق لنا أن رأيناها قطّ، لها نمط حياة يختلف عمّا ألفناه؛ كنّا نعيش بين أشياء، وكانت القصص تصوّر لنا أشياء أخرى، كنّا نشعر بدمامتنا أمام تلك الشقرة، وكانت الطبيعة حوالينا تبدو جامدة، لأنّه لم يذكر منها أيّ شيء قطّ لا في النص ولا في الرسم.

وحتى الكتب المترجمة إلى العربية ظلّت محتفظة برسومها الأصلية، فكان النصّ قابلا للقراءة إلاّ أنّ الرسوم كانت تتحدّث عن عالم آخر وأطفال آخرين.

وعندما ظهرت بعض القصص بالعربية، كانت أجسام الأطفال سمجة وكانت هيئاتهم جامدة ووجوههم خالية من التعبير؛ كانوا راشدينَ صغارًا، يبعثّون على الضجر، وكانوا يتحرّكون بسبب عجز من الرسام داخل إطار يقتصر على الضروري، وليس فيه إلاّ القليل من المعالم بحيث كان ينبعث انطباع عامّ بضرب من الجفاف والجدب وضيق الأفق.

وإذن فقد كنا ممزقين بين عالم غريب يصفه النصّ وتصفه الصورة، عالم له حظّ وافر من الجمال، وعالمنا – نحن – الذي خانته رسوم سخيفة، وأحيانا خانه نصّ يفتقر إلى الخيال.

أمّا الآن، فثّمة جهودٌ تبذل لخلق كتب وقصص عربية، مرسومة على نحو أفضل، وزاهية الألوان، إلاّ أنها في بعض الأحيان تفتقر إلى مراجع تحيل إلى المجتمع الحالي - أي إلى الحداثة - فتسقط في (الفلكلور)، ولئن كان الأطفال يعرفون أكثر من ذي قبل ما ينطوي عليه ماضيهم من غنى وثراء، فقلّة من القصص تحدّثهم عن حاضرهم؛ وهذا ما يدفع إلى تشجيع الأطفال على تنمية ملكة الخلق والإبداع الكامنة فيهم، وأن يحبوا بلدهم ومناظره الطبيعية وأناسه، مهما يكن الوسط الذي ينتمون إليه، وأن نصوّر لهم حياتهم اليوميّة في مدينتهم أو في قريتهم، وحينذاك نتوصل إلى أساليب وأشكال فنية، يجد الطفل نفسه فيها، لما لها من علاقة سليمة بوجدانه ومزاجه ومحيطه؛ وعندها لن تخيفنا الكتب المترجمة، ولن تصيبنا بالفصام أو بازدواج الشخصيّة، لأنها ستكون انفتاحا على العالم واكتشافا لأطفال آخرين ولبلدان أخرى.

الكتابة للطفل؛ ذلك السهل الممتنع:
(- لمن أكتب؟ - إنني أكتب للمستقبل، لأن الأطفال هم المستقبل الأحلى والأجمل، وإذا لم نكتب لمستقبل أمتنا العربية، ونتجه إليه بكل ما نملك من طاقات، فلمن نكتب؟ ولمن نتجه؟)[20].

بمثل هذه العبارات يلخص أحد رواد أدب الأطفال رسالته، ومادام الأمر كذلك فإنه لا ينبغي أن نجعل أطفالنا - أكبادنا التي تمشي على الأرض- بمثابة "حقل تجارب"، ولا أن نجعلهم عرضة لنزوات بعض المتطفلين على أدب الأطفال، استسهالا له أو لتحقيق أهداف تجارية، وهم أبعد ما يكونون عنه.

فقوام هذا الفن قاصّ ناجح مبدع، وبناء قصصيّ صحيّ، يثير الدهشة والإعجاب، في نفس طفل قارئ مستوعب.

وإذا كانت الكتابة للطفل في البداية مجرّد تجارب شخصية قوامها الاجتهاد الشخصيّ والنوايا الحسنة، وخبرة أصحابها، بعيدا عن تقويمات النقاد ودراساتهم الجادة؛ فقد حان الوقت للاستعانة بالدراسات التي تساعدنا في فهم هذا الطفل الذي نتوجه إليه بإنتاجنا.

وفي الحقيقة فإنّ الكتابة للطفل تعتبر من أصعب حالات الكتابة، خاصة وأنّ من يتعرّض للكتابة له يمثل جيلا مختلفا في ثقافته وخياله.

فالطفل ليس مجرّد رجل صغير كما كان يشاع من قبلُ، إذ أن الأطفال يختلفون عن الراشدين لا في درجة النمو فحسب، بل في اتجاه ذلك النمو أيضا؛ حيث أنّ حاجات الطفل وقدراتهم وخصائصهم الأخرى تختلف في اتجاهها عما يميّز الراشدين، فهناك صفات تختص بها الطفولة وحدها، وهي تزول أو تضمر عندما يشبّ أولئك الأطفال؛ لذلك فإنّ الزاد الأدبي الذي يقدّم للأطفال هو زاد متميز مادامت الطفولة مرحلة نموّ متميزة؛ وهذا الزاد لا يشكل بالضرورة تصغيرا أو تبسيطا لأدب الراشدين.

كما أنّ الأطفال يستمعون ويقرؤون من أجل أن يتعلموا، فكل شيء هو حقيقي بالنسبة لهم، لذا فإنّ على من يكتب للأطفال أن يتوخى الحذر، فهو يشكل عجينة طريّة تمتصّ كل ما يصل إليها وتصدّقه، ولأنّ مرحلة الطفولة تمتد إلى سنوات يظلّ الأطفال طيلتها في حالة من التعلم، فإنّ كل كتاب يتوجه إلى الطفل-سواء كان قصة أو قصيدة أو غير ذلك- يجب أن يحتوي على هدف ما، وعلى القارئ الصغير أن يخرج بحصيلة أو اتجاه لم يكن موجودا عنده قبل بدء القراءة، حتى وإن لم يستطع التعبير عنه بوضوح.

لذلك فإن مخاطبة الطفل تتطلب وعيًا دقيقًا بطبيعة المرحلة العمرية التي يتوجه إليها الكاتب، مع وعيه أيضا لقضية عدم الإغراق في التفاصيل والمعلومات بقدر أهمية التركيز على توفر عنصري البساطة والتشويق.

علينا أن نفكر في الابتعاد عن صورة العبر والنصائح التي ضجت بها عقول أطفالنا، وعلينا أن نبحر بعيدا عن المواعظ البالية باتجاه جماليات جديدة ومبتكرة تذهب إلى عالم الخيال والحرية.

والكُتَّابُ لا يعسُر عليهم ابتداع ذلك كما ابتدع الآخرون أدبهم في لحظتهم التاريخية، مع التوجه–أيضا- إلى مناطق خصبة وعذراء في أرض الأدب الرحيب.

ولأن الطفل يستخدم الرؤية والسمع واللمس وكافة الحواس، ويبتعد عن التجريد والمجاز والكناية، فإنه ينبغي أن تأتي الصورة كوسيلة للفهم ولتنمية عنصر هام آخر هو الخيال، وصياغة هذه العناصر في النص الطفلي يخلق المتعة، ويعمل على تنمية الذوق الفني وتربية الأحاسيس والعواطف.

إن من بين مشكلات الكتابة للأطفال أنها فنّ صعب، وتتأتى هذه الصعوبة من جوانب عدة أبرزها "البساطة" التي يقول عنها توفيق الحكيم عندما كتب بعض حكايات الأطفال عام 1977م: (إن البساطة أصعب من التعمق، وإنه لمن الصعب أن انتقي وأتخير الأسلوب السهل الذي يشعر السامع بأني جليس معه ولست معلما، وهذه هي مشكلتي مع الأطفال).

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن الكتابة للأطفال -وخصوصا القصة - تستلزم الإلمام بالأبعاد النفسية للطفل، لأن ذلك يمثل أحد الشروط الجوهرية لولوج هذا الفن العسير، فالجهل بخصوصيات عالم الطفل قد يؤدي إلى كتابة قصصية تتنافى وأبسط قواعد هذه الكتابة.

فعالم الطفل يختلف تماما عن عالم الشابّ أو الكهل، لذا يجب مراعاة هذا الجانب، فلا نقدم للطفل أدبا قصصيا لا علاقة له بعالمه مما ينعكس سلبيا على مختلف مراحل حياته، فنكون بذلك قد أسأنا بناء تركيبته النفسية وبالتالي شخصيته المستقبلية.

إذن فمرحلة الطفولة هي أعقد مرحلة في حياة الإنسان وأدقها، ومن هنا وجوب تكثيف العناية بها، حتى نسهم في إنشاء جيل سليم نفسيا وأخلاقيا وعاطفيا.

وعليه فإن الكتابة للأطفال هي ذلك الأدب "السهل الممتنع"، وحتى نؤازر هذا التقرير فإننا نذكّر بأقوال بعض أقطاب التربية الذين اهتموا بميدان الطفل.

فقد قال أحدهم: (العبقرية هي العودة الإرادية للطفولة).

ومما ينسب إلى(بيكاسو) قوله وهو يشاهد معرضا لرسوم الأطفال: (لقد قضيت خمسين عاما من عمري لكي أرسم مثلهم).[21]

انطلاقا من هذا المفهوم يتحتمّ على الأديب الذي يكتب للأطفال أن يكون واسع الخبرة، متنبّها إلى معارف الطفل واهتماماته وميولا ته وأحلامه، حتى يلقى منه ذلك التجاوب والإقبال على ما يقدمه له من زاد ثقافي وعاطفي وأخلاقي، بل إن من يكتب للأطفال لا يبلغ ذروة نجاحه إلاّ إذا استطاع أن يحقق لهم السعادة، وأن يثير في نفوسهم -أيضا-الدهشة والعجب وهم يقرؤون.

و إذا أقررنا بأن أدب الأطفال قد ولد في البلاد العربية ولادة عسيرة، ، باعتبار أنه نشأ في إطار التقليد للأمم الغربية التي قطعت شوطا مهما في إبراز معالم هذا الجنس الأدبي وخصائصه النوعية، وإنْ كان دافع الرواد الأوائل من العالم العربي من وراء المحاكاة والترجمة عن الآداب الأوربية لم يكن نقل النموذج الغربي بحذافيره، واستنساخ أدب الطفل الغربي بقضاياه وهمومه، بل كان همهم التأسيس ووضع اللبنات الأولى لأدب الطفل العربي[22]، وإنْ أمكن وضع هذه التجربة ضمن إطار المغلوب المولع بتقليد الغالب على حد تعبير العلاّمة ابن خلدون.

وإذا كان لابد من الاعتراف بأن الجيل التالي لم ينظر إلى هذا الأدب بعين الرعاية، بل ساد لدى عموم الكتاب العرب أن الكتابة للطفل لا تصل بالمؤلفين إلى ما يسمونه بالمجد الأدبي[23]- كما عبر عن ذلك الدكتور"زكي مبارك"- وأنه لا يهتم بالتأليف للصغار سوى الذين لا يجدون ما يلقونه على الكبار[24].

غير أن الاهتمامات التالية بعالم الطفل التي ظهرت في العالم وفي البلاد العربية، سوف تعمل على إزالة تلك العقدة، وينزل الأدباء الكبار إلى عالم فسيح رحب يبنون فيه الأجيال ويكوّنون رجال الغد؛ ويبعدون عن ميدان أدب الأطفال دخلاء يضرون أكثر مما ينفعون.

ولذلك لم يعد هذا الأدبُ "يعدّ أدبا لا قيمة له، أو لا خطر منه، أو يمارس الكتابة فيه، من قصرت موهبته عن معالجة الأدب التقليدي للكبار، بل أصبح من فروع الآداب الجادة المؤثرة في حياة الإنسان والبشرية".

ولأن "الطفل"، الذي يعد حجر الأساس، هو أشبه بـ(رادار عجيب، وإنه يستطيع أن يلتقط ويحسّ ويدرك أكثر ممّا نظنّ بكثير)[25]، أي أن المتلقّي عنصر مطاوع، فإنّ هذه المطاوعة سلاح ذو حدّين فالطفل -وهو قارئ نهم - لا يستطيع أن يتخلّص من كلّ ما يقرأ، وهذا ما يزيد المشكلة تعقيدّا فقد يؤدي عمل أدبيّ غير ملائم إلى ترك أثر سيّئ جدّا في الطفل، قد لا تتّضح مضارّه حالا، ولكنها ستظهر–لا محالة – بعد أمد طال أو قصر.

فإذا ركّزنا مثلا على جانب الأسطورة والخرافة وهو ما تزخر به الكتابات الموجّهة للطفل، وحاولنا إهماله فإنّنا نلغي بعدا هامّا من أبعاد الطفل المتعّددة، ولا يعني ذلك أنّ كلّ ما يتعلّق بالخرافة والأسطورة ينبغي تغييبه في حياة الطفل، وإنّما يجدر حسن توظيفه والقدرة على إخضاعه لواقع الطفل المعيشي حتى يكون هذا الجانب عامل تكوين نفسي وخيالي وثقافي، لا عنصرّا يهمّش اهتمامات الطفل، ويهمل فيه ما يجب التركيز عليه وإثراؤه وتنميته؛ فالنظر إلى الطفل إذن في أبعاده المختلفة هو مهمة كلّ كاتب ناجح تتّجه عنايته إلى هذا الميدان.

كما أنّ الطفل يتعاطف مع شخصيات بعينها يراها في القصة، شخصيات تستحوذ على مشاعره وتشدّ انتباهه وتمتلك إعجابه [26]، فيحدث لون من " الوحدة " أو " الاندماج " مع هذه الشخصّية أو تلك، ويتّخذ الطفل منها قدوة ومثلا يحتذي به، ويحاول تقليدها في أقوالها وحركاتها وسلوكها ويتصوّرها بخياله تصوّرّا مثاليا؛ وبهذا الاندماج أو الوحدة مع بطل القصّة يؤسس الطفل شخصّيته ويبنيها، وهكذا تتطوّر شخصيته من خلال اندماجا ته واختياراته".

وهنا يجب أن نلاحظ ازدواجية الخير والشر في الحياة، والحياة مزيج من الرذيلة والفضيلة فلا يصحّ أن نخدع الطفل بأن نجعله يعيش في وهم كاذب؛ كأن نصوّر له الحياة مثالية فحسب بل من الأفضل تربويا أن يعرف اختلاط الخير والشّر في الحياة، ووظيفة القاص الناجح أن يجعله يتخذ موقفا إيجابيا، ويتأثر بالشخصيات الخيّرة ويقلّدها.

والطفل في صغره ذو خيال رحب [27] فهو يحادث الجماد والحيوان والدمى وكأنها بشر: تفهمه ويفهمها، والطفلة الصغيرة تتناول عروستها وتحتضنها وتناغيها تماما كما تفعل الأمّ مع وليدها.

والطفل يخترع الحكايات ويروي قصصّا لا تحدث في الواقع، ويستطرد في سرد تفاصيلها بحماس غريب، ويفرغ فيها ما يعتمل في نفسه من أحلام وأمنيات وخيال.

كما أنّه ذو عاطفة جياشة فتنتابه الشفقة، وربما تتملكه الحيرة من سقوط الأرنب الوديع بين أظافر كواسر الطير، كما يعطف على الديكة والدجاج والنعاج وهي تتعّرض إلى الاعتداء من طرف الثعالب أو الذئاب؛ كما أنه يفرح وتنشرح سريرته إذا تمكّن الغزال أو العصفور من التغلب - بواسطة الحيلة أو الذكاء – على الثعلب المعتدي أو الأفعى السامّة؛ (ولعلّ الذي مارس التدريس مع الأطفال قد لاحظ مرارا تلك العبرات وهي تترقرق في عيونهم وهو يحكي لهم عن اليتيم في العيد، أو عن الأرملة الفقيرة، أو عن الشهيد وهو يسقط مضّرجا في دمائه.)[28]

إن الطفل - كما يقول علماء النفس - يبني لنفسه عالما من الخيال ويحاول باستمرار تنميته، ويلحّ في طلب المزيد من القصص التي تساعده في ذلك، يتلّقفها في شغف ويستمع إليها بكلّ حواسه، فتفتح أمامه آفاقا واسعة غنية بالكثير من الصّور والمخلوقات والأحداث، وتفعل تلك الأشياء فعلها في نفسه ووجدانه وفكره، وتنعكس على ممارساته ومعتقداته ومشاعره.

وتلك سمة إيجابية، فما أكثر ما تحوّل الخيال إلى واقع أو حقيقة بل –يمكننا القول-إنّه بداية الإبداع الفني والعلمي، وكاتب قصص الأطفال لا يستطيع أن يتجاهل تلك الطبائع النفسية والعقلية لدى الطفل، وعليه أن يحاول تنمّية الخيال وحمايته من الزيغ والانحراف أو بمعنى آخر توظيف ذلك الخيال والعاطفة في تكوين "الشخصية" المتّزنة للطفل ومدّها بالزاد المعنوي الذي لا غنى عنه.

القراءة أمّ الإبداع:

من كل ما تقدّم من آراء في أهمية القراءة وأهدافها التعليمية والتربوية نستطيع أن نستخلص أن عملية التربية عملية تغيير أو تكييف، ونموّ مستمر في حياة الطفل؛ وإنها تعمل- دائما- على إيجاد التوازن بينه وبين البيئة التي يعيش فيها.

ومن هنا نفهم ما يقال من أن للتربية وظيفتين هما:
وظيفة فردية: تتمثل في مساعدة الطفل لينمو نموّا صحيحا كاملا بحسب قواه الطبيعية.
وظيفة اجتماعية: تتمثل في مؤازرة هذا النمو بحيث تتيح للطفل بأن يكون عضوا صالحا مفيدا في المجتمع الذي ينتمي إليه.

فالتربية الصحيحة -إذن- هي تلك التي تجمع بين الهدفين: الفردي والجمعي، وكما يقال: "إنّ الحذاء يستعمل لحماية القدمين، لا ليمنعهما من النموّ "، كذلك يجب أن تكون التربية المجدية، التي تعمل على إثارة قوى الطفل، عن طريق مطالب الظروف الاجتماعية التي يعيش فيها.

غير أنه لا يليق بنا التوقف عند هذا الحدّ، بالنظر إلى التأخّر الفادح الذي نعانيه في هذا المجال، وباعتبار أنّ أبرز ما يميز هذا العصر أنه عصر العولمة والمعلوماتية والتغير السريع في مجالات الحياة كافة، وفي ظل التدفق المعرفي لابد من تنمية مهارات أطفالنا وإطلاق قدراتهم لتمكينهم من التعرف على مصادر المعرفة المتنوعة وحسن التعامل معها، فالعنصر البشري هو العنصر المحوري في الحياة ولن يتأتى ذلك إلا من خلال الاهتمام بتنمية مهارات القراءة في المستوى الإبداعي، حتى يستطيع الأطفال أن يروا القضايا المختلفة في النصوص القرائية برؤية أكثر عمقاً وشمولية، وهذا يتطلب الاهتمام بالقراءة ذات المعنى لتنمية مهارات التفكير العليا، وأن تقوم المدرسة بتهيئة الظروف التعليمية المناسبة لإعداد جيل قارئ قادر على التعامل مع عصر متغير شديد التعقيد فبمقدار ما يقرأ الفرد يسمو فكره.

فالقراءة ليست مهارة آلية بسيطة، إنها أساسُ عملية ذهنية تأملية تُنمّى كتنظيم مركب يتكون من التحليل، والحكم، وحل المشكلات.

وتتصف القراءة بأنها عملية تحليلية بنائية تفاعلية لا يقصد بها مجرد معرفة الكلمة المكتوبة ونطقها بطريقة صحيحة، بل إنها تتعدى ذلك إلى فهم ما يقرأ، واستحضار معناه، والاستنتاج والتفكير النقدي أيضاً، وكل ذلك يتطلب من القارئ أن يربط ما يقرأ بخبرته السابقة، وأن يفسر المادة المقروءة، وأن يقوّمها مستعيناًً في ذلك بقدرته على التخيل والتفكير.

فهي ضرورة عصرية يحتّمها العصر الذي نعيشه، وتعقّد الحياة وتغيرها السريع المتلاحق، والحاجة إلى إيجاد حلول للمشكلات، والوفاء باحتياجات التنمية، وتكوين جيل من المبدعين يجعل المادة المقروءة مصدراً للتفكير، ويضيف إليها من تفكيره وإبداعاته أفكاراً متنوعة فريدة.

فالتنمية الإبداعية تتطلب توفير البيئة التعليمية المُتَّسِمة بالحريّة التي تفضي إلى نتائج جديدة واستدلالات من خلال الحوار والنقاش، واكتشاف العلاقات الجديدة بين الأفكار، وتوفير جوّ خلاق مبدع يطلق السلوك الإبداعي عند الأطفال ولا يخمده.




يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.39 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.90%)]