عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-03-2022, 10:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (260)

سُورَةُ مَرْيَمَ
صـ 425 إلى صـ 430


ومن صدقه في معاملته ربه : رضاه بأن يذبح ولده ، وشروعه بالفعل في ذلك طاعة لربه ، مع أن الولد فلذة من الكبد .

[ ص: 425 ]
لكنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض
قال تعالى : فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا الآية [ 37 \ 103 - 105 ] .

ومن صدقه في معاملته مع ربه : صبره على الإلقاء في النار ، كما قال تعالى : قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين [ 21 \ 68 ] ، وقال : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار الآية [ 29 \ 24 ] .

وذكر علماء التفسير في قصته أنهم لما رموه إلى النار لقيه جبريل فسأله : هل لك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، وأما إلى الله فنعم ، فقال له : لم لا تسأله ؟ فقال : علمه بحالي كاف عن سؤالي .

ومن صدقه في معاملته ربه : صبره على مفارقة الأهل والوطن فرارا بدينه ، كما قال تعالى : فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي [ 29 \ 26 ] ، وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق : وقد بين جل وعلا في مواضع أخر أنه لم يكتف بنهيهم عن عبادة الأوثان وبيان أنها لا تنفع ولا تضر ، بل زاد على ذلك أنه كسرها وجعلها جذاذا وترك الكبير من الأصنام ، ولما سألوه هل هو الذي كسرها قال لهم : إن الذي فعل ذلك كبير الأصنام ، وأمرهم بسؤال الأصنام إن كانت تنطق ، كما قال تعالى عنه : وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون [ 21 \ 57 - 67 ] ، وقال تعالى : فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون [ 37 \ 92 ] ، فقوله : فراغ عليهم ضربا باليمين ، أي : مال إلى الأصنام يضربها ضربا بيمينه حتى جعلها جذاذا ، أي : قطعا متكسرة من قولهم : جذه : إذا قطعه وكسره .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إنه كان صديقا ، أي : كثير الصدق ، يعرف [ ص: 426 ] منه أن الكذبات الثلاث المذكورة في الحديث عن إبراهيم كلها في الله تعالى ، وأنها في الحقيقة من الصدق لا من الكذب بمعناه الحقيقي ، وسيأتي إن شاء الله زيادة إيضاح لهذا في سورة " الأنبياء " .

وقوله تعالى عن إبراهيم : يا أبت ، التاء فيه عوض عن ياء المتكلم ، فالأصل : يا أبي كما أشار له في الخلاصة بقوله :
وفي الندا " أبت أمت " عرض واكسر أو افتح ومن الياء التا عوض


وقوله تعالى في هذه الآية : لم تعبد أصله " ما " الاستفهامية ، فدخل عليها حرف الجر الذي هو " اللام " فحذف ألفها على حد قوله في الخلاصة :


وما في الاستفهام إن جرت حذف ألفها وأولها الها إن تقف
ومعلوم أن القراءة سنة متبعة لا تجوز بالقياس ، ولذا يوقف على " لم " بسكون الميم لا بهاء السكت كما في البيت ، ومعنى عبادته للشيطان في قوله : لا تعبد الشيطان طاعته للشيطان في الكفر والمعاصي ، فذلك الشرك شرك طاعة ، كما قال تعالى : ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم [ 36 \ 60 - 61 ] ، كما تقدم هذا المبحث مستوفى في سورة " الإسراء " وغيرها .

والآية تدل على أن الكفار المعذبين يوم القيامة أولياء الشيطان ، لقوله هنا : إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا [ 19 \ 45 ] ، والآيات الدالة على أن الكفار أولياء الشيطان كثيرة ، وقد قدمنا كثيرا من ذلك في سورة الكهف وغيرها ، كقوله تعالى : فقاتلوا أولياء الشيطان الآية [ 4 \ 76 ] ، وقوله : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه الآية [ 3 \ 175 ] ، أي : يخوفكم أولياءه ، وقوله : إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله الآية [ 7 \ 30 ] ، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم ، وكل من كان الشيطان يزين له الكفر والمعاصي فيتبعه في ذلك في الدنيا فلا ولي له في الآخرة إلا الشيطان ، كما قال تعالى : تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم [ 16 \ 63 ] ، ومن كان لا ولي له يوم القيامة إلا الشيطان ، تحقق أنه لا ولي له ينفعه يوم القيامة .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك [ 19 \ 43 ] ، [ ص: 427 ] يعني ما علمه الله من الوحي وما ألهمه وهو صغير ، كما قال تعالى : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين [ 21 \ 51 ] ، ومحاجة إبراهيم لقومه كما ذكرنا بعض الآيات الدالة عليها أثنى الله بها على إبراهيم ، وبين أنها حجة الله آتاها نبيه إبراهيم ، كما قال تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء الآية [ 6 \ 83 ] ، وقال تعالى : وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني الآية [ 6 \ 80 ] ، وكون الآيات المذكورة واردة في محاجته لهم المذكورة في سورة " الأنعام " لا ينافي ما ذكرنا ; لأن أصل المحاجة في شيء واحد ، وهو توحيد الله جل وعلا وإقامة الحجة القاطعة على أنه لا معبود إلا هو وحده جل وعلا في سورة " الأنعام " وفي غيرها ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : قال أراغب أنت عن آلهتي ياإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا

بين الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين : أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين ، وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ، ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان - خاطبه هذا الخطاب العنيف ، وسماه باسمه ولم يقل له " يا بني " في مقابلة قوله له " يا أبت " وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان ، أي : معرض عنها لا يريدها ; لأنه لا يعبد إلا ال له وحده جل وعلا ، وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه ) قيل بالحجارة وقيل باللسان شتما ( والأول أظهر ، ثم أمره بهجره مليا أي : زمانا طويلا ، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضا جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله : قال سلام عليك سأستغفر لك ربي الآية [ 19 \ 47 ] ، وخطاب إبراهيم لأبيه الجاهل بقوله : سلام عليك قد بين جل وعلا أنه خطاب عباده المؤمنين للجهال إذا خاطبوهم ، كما قال تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [ 25 \ 63 ] ، وقال تعالى : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [ 28 \ 55 ] ، وما ذكره تعالى هنا من أن إبراهيم لما أقنع أباه بالحجة القاطعة ، قابله أبوه بالعنف والشدة بين في مواضع أخر أنه هو عادة الكفار المتعصبين لأصنامهم ، كلما أفحموا بالحجة القاطعة لجئوا إلى استعمال القوة ، كقوله تعالى عن إبراهيم لما قال له الكفار عن أصنامهم : [ ص: 428 ] لقد علمت ما هؤلاء ينطقون [ 21 \ 65 ] ، قال : أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون [ 21 \ 67 ] ، فلما أفحمهم بهذه الحجة لجئوا إلى القوة ، كما قال تعالى عنهم : قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين [ 21 \ 68 ] ، ونظيره قوله تعالى عن قوم إبراهيم : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار الآية [ 29 \ 24 ] ، وقوله عن قوم لوط لما أفحمهم بالحجة : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم الآية [ 27 \ 56 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله : سلام عليك ، يعني : لا ينالك مني أذى ولا مكروه ، بل ستسلم مني فلا أوذيك ، وقوله : سأستغفر لك ربي ، وعد من إبراهيم لأبيه باستغفاره له ، وقد وفى بذلك الوعد ، كما قال تعالى عنه : واغفر لأبي إنه كان من الضالين [ 19 \ 47 ] ، وكما قال تعالى عنه : ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب [ 14 \ 41 ] .

ولكن الله لما بين له أنه عدو لله تبرأ منه ، ولم يستغفر له بعد ذلك ، كما قال تعالى : فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم [ 9 \ 114 ] ، وقد قال تعالى : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه [ 9 \ 114 ] ، والموعدة المذكورة هي قوله هنا : سأستغفر لك ربي الآية [ 19 \ 47 ] ، ولما اقتدى المؤمنون بإبراهيم فاستغفروا لموتاهم المشركين ، واستغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب أنزل الله فيهم : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم [ 9 \ 113 ] ، ثم قال : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الآية [ 9 \ 114 ] ، وبين في سورة " الممتحنة " أن الاستغفار للمشركين مستثنى من الأسوة بإبراهيم ، والأسوة الاقتداء ، وذلك في قوله تعالى : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله - إلى قوله - إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك [ 60 \ 4 ] ، أي : فلا أسوة لكم في إبراهيم في ذلك ، ولما ندم المسلمون على استغفارهم للمشركين حين قال فيهم : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية [ 9 \ 113 ] ، بين الله تعالى أنهم معذورون في ذلك ; لأنه لم يبين لهم منع ذلك قبل فعله ، وذلك في قوله : وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [ 9 \ 115 ] .

وقوله في هذه الآية : أراغب أنت عن آلهتي ، يجوز فيه أن يكون " راغب " خبرا [ ص: 429 ] مقدما ، و " أنت " مبتدأ مؤخرا ، وأن يكون " أراغب " مبتدأ ، و " أنت " فاعل سد مسد الخبر ، ويترجح هذا الإعراب الأخير على الأول من وجهين : الأول أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير ، والأصل في الخبر التأخير كما هو معلوم ، الوجه الثاني هو ألا يكون فصل بين العامل الذي هو " أراغب " ، وبين معموله الذي هو " عن آلهتي " بما ليس بمعمول للعامل ; لأن الخبر ليس هو عاملا في المبتدأ ، بخلاف كون " أنت " فاعلا ، فإنه معمول " أراغب " فلم يفصل بين " أراغب " وبين " عن آلهتي " بأجنبي ، وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره ، والرغبة عن الشيء : تركه عمدا للزهد فيه وعدم الحاجة إليه ، وقد قدمنا في سورة " النساء " الفرق بين قولهم : رغب عنه ، وقولهم : رغب فيه . في الكلام على قوله تعالى : وترغبون أن تنكحوهن الآية [ 4 \ 127 ] ، والتحقيق في قوله " مليا " أن المراد به الزمن الطويل ومنه قول مهلهل :


فتصدعت صم الجبال لموته وبكت عليه المرملات مليا
وأصله واوي اللام ; لأنه من الملاوة وهي مدة العيش ، ومن ذلك قيل الليل والنهار الملوان ، ومنه قول ابن مقبل :


ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلى الملوان
وقول الآخر :


نهار وليل دائم ملواهما على كل حال المرء يختلفان
وقيل : الملوان في بيت ابن مقبل : طرفا النهار .

وقوله : إنه كان بي حفيا ، أي : لطيفا بي ، كثير الإحسان إلي ، وجملة : واهجرني عطف على جملة لئن لم تنته لأرجمنك ، وذلك دليل على جواز عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية ، ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس :


وإن شفائي عبرة إن سفحتها فهل عند رسم دارس من معول
فجملة " وإن شفائي " خبرية ، وجملة " وهل عند رسم " . . . إلخ إنشائية معطوفة عليها .

وقول الآخر أيضا :


تناغي غزالا عند باب ابن عامر وكحل مآقيك الحسان بإثمد
وهذا هو الظاهر كما قاله أبو حيان عن سيبويه ، وقال الزمخشري في الكشاف : فإن [ ص: 430 ] قلت : علام عطف واهجرني ؟ قلت على معطوف عليه محذوف يدل عليه " لأرجمنك " أي : فاحذرني واهجرني ; لأن لأرجمنك تهديد وتقريع . اهـ .
قوله تعالى : واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا ، اعلم أن في قوله " مخلصا " قراءتين سبعيتين : قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام بصيغة اسم المفعول ، والمعنى على هذه القراءة أن الله استخلصه واصطفاه : ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي الآية [ 7 \ 144 ] ، ومما يماثل هذه القراءة في القرآن قوله تعالى : إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار [ 38 \ 46 ] ، فالذين أخلصهم الله هم المخلصون بفتح اللام ، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " مخلصا " بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل ، كقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [ 98 \ 5 ] ، وقوله تعالى :

قل الله أعبد مخلصا له ديني الآية [ 39 \ 14 ] .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.01 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]