شرح حديث ابن مسعود: (صليت مع رسول الله ركعتين) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن خشرم حدثنا عيسى عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد صلى عثمان بمنى أربعاً حتى بلغ ذلك عبد الله فقال: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين].حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه بلغه أن عثمان رضي الله عنه صلى أربعاً، وقيل له: إنه صلى أربعاً، فقال: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، في بيان أن ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام هو القصر وليس الإتمام، ففيه بيان السنة، وأن عثمان رضي الله عنه، لما حصل منه الإتمام متأولاً، أن الذي ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام والخليفتين من بعده، وكذلك أيضاً هو في أول خلافته، إنما هو القصر وليس الإتمام، ولهذا بين عبد الله أنه لما حصل من الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه الإتمام بمنى، قال: صليت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بمنى ركعتين، فهذه هي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعثمان تأول.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (صليت مع رسول الله ركعتين) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا علي بن خشرم].هو المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وهو من المعمرين، وجاء عنه أنه قال: صمت ثمانية وثمانين رمضاناً، وهو قارب المائة، معناه: أنه صام هذه السنين الكثيرة، ويحتمل أن يكون بعضها صامه وهو قبل البلوغ؛ لأنه قارب المائة، ثمانية وثمانين سنة وهو يصوم رمضان.
[حدثنا عيسى].
وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أخو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
وقد مر ذكره، سليمان بن مهران، والأعمش لقبه، وقد مر قريباً.
[عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد].
وقد مر ذكرهما.
[عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه].
وكذلك أيضاً مر في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن عمر: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد أخبرنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، ومع أبي بكر رضي الله عنه ركعتين، ومع عمر رضي الله عنه ركعتين)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وكذلك مع أبي بكر في زمن خلافته، ومع عمر في زمن خلافته، وكلٌ يصلي ركعتين يقصر الرباعية ولا يتمها، فحديث عبد الله بن عمر، دال على ما دلت عليه الأحاديث السابقة عن جماعة من الصحابة في أن السنة أو أن الذي فعله النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بمنى هو صلاة الرباعية ركعتين.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ...)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، ويقال له: سني لأنه أظهر السنة في بلده، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.
[أخبرنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان، وقد تقدم ذكره.
[عن عبيد الله ].
هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، وهو المصغر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
شرح حديث ابن عمر: (صلى رسول الله بمنى ركعتين ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصلاها أبو بكر ركعتين، وصلاها عمر ركعتين، وصلاها عثمان صدراً من خلافته)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله، إلا أن فيه زيادة أن عثمان رضي الله عنه صلاها ركعتين صدراً من خلافته، أي: ثم بعد ذلك أتمها، فالحديث دال على ما دل عليه الذي قبله، وفيه هذه الإضافة وهي: أن عثمان أيضاً صدراً من خلافته صلاها ركعتين.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (صلى رسول الله بمنى ركعتين ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد مر أن محمد بن سلمة الحراني الذي هو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وذكرت أنه إذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة، فالمراد به المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة بينه وبينه شخص، فالمراد به الحراني.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
هو ابن يزيد الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قام بجمع السنة، بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو الذي قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
[أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عمر].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن أبيه عبد الله بن عمر].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
لا ذاك متأخر، ذاك يروي عن نافع، وأما هذا يروي عن أبيه، ونافع يروي عن عبد الله بن عمر، فهذا عبيد الله ابنه؛ لأنه عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وأما ذاك عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر.
الأسئلة
الوضوء بما يخرج من المكيفات
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز الوضوء بماء يخرج من المكيفات؟الجواب: إذا كان أنه ما حصل فيه تغير يجوز، ما دام باقي على مائيته.
حكم استخدام حبوب منع الحمل
السؤال: فضيلة الشيخ! ما رأيكم حفظكم الله في استعمال حبوب منع الحمل؟الجواب: ما يصلح للنساء، ولا ينبغي أن تتعاطى هذا؛ لأن كثرة الحمل جاء في السنة ما يدل على طلبها، وعلى الرغبة فيها، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)، فمن مقاصد الشريعة: كثرة الحمل، وكثرة النسل. وليس تقليله، أو إضعافه، أو قطعه، فليس للنساء أنها تفعل هذا الفعل، إلا إذا كان هناك ضرورة ملجئة إلى ذلك، ويكون ذلك بنصيحة من طبيب مسلم، فيمكن هذا.
الرد على من يقول: (لماذا يعذب الله من لم يعطه الهداية)
السؤال: فضيلة الشيخ! يقول الله عز وجل: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )[القصص:56] فإذا كانت الهداية من الله سبحانه وتعالى، والختم على القلوب منه سبحانه وتعالى، فلماذا يعذب الله عز وجل من لم يعطه الهداية؟الجواب: من المعلوم أن الله عز وجل قدر كل ما هو كائن، أرسل الرسل لإرشاد الناس إلى طريق الخير، والتحذير من طريق الشر، وأعطى الله الناس عقولاً يميزون بها بين طريق الخير وبين طريق الشر، إذا أقدم الإنسان بإرادته ومشيئته واختياره على طريق الخير حصل له التوفيق، وصار من أهل الخير؛ لأنه اختار بمشيئته وإرادته طريق الخير، وإذا عرف طريق الخير وطريق الشر، ولكنه ترك طريق الخير، واختار طريق الشر بمشيئته وإرادته، وقد أُرشد إلى الطريقين، ولكنه بإرادته ومشيئته أقبل أو اختار طريق الشر، فيؤاخذ على فعله، وعلى عمله، ولهذا يمدح الناس ويذمون، كيف يمدحون ويذمون؟ يمدحون لأنهم أقدموا على شيء مشروع، وأمر مطلوب، وفيه المنفعة والمصلحة لهم، ويذمون على كونهم أقدموا على أمر فيه مضرتهم، وقد حذروا منه، وأعطاهم الله عقولاً يميزون بها بين ما ينفع وبين ما يضر، والمقادير لا يعلمها إلا الله عز وجل، المقدر الله تعالى هو الذي يعلمه، وقيل لهم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما للسعادة ييسرون لعمل السعادة، وأما للشقاء فييسرون لعمل الشقاء، والله عز وجل ما حصل منه جبل الناس على ما يحصل منهم بدون أن يكون لهم مشيئة وإرادة؛ لا، بل لهم مشيئة وإرادة، لكن هذه المشيئة والإرادة لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته، ولهذا تأتي الدعوة عامة، والهداية خاصة، والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ما فيه أحد يدعى إلى دار السلام وواحد ما يدعى، كل مدعو إلى دار السلام، حذف المفعول في يدعو لإفادة العموم، والله يدعو إلى دار السلام كل أحد، الجن والإنس جميعاً مدعوون إلى دار السلام، لكن الهداية ليست لكل أحد؛ لأن الله تعالى شاء أن يكون الناس فريقين: فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير، لكن الله تعالى ما جبلهم أو جبرهم على الأفعال التي يفعلونها، بل أعطاهم العقل، وأعطاهم القدرة، ففيهم من اختار طريق الخير، ومدح على ذلك، وأثيب على ذلك، ومنهم من اختار طريق الشر، فذم على ذلك، وعوقب على ذلك. ومن المعلوم أن هناك فرقاً بين من يقدم على الشيء بمشيئته وإرادته، وبين من يحصل له من غير مشيئة وإرادة، فالإنسان الذي يؤذي الناس، ويحصل منه الإضرار بالناس، إذا عُقب على إضراره بالناس، وحصل له الجزاء على إضراره بالناس، يكون هذا الجزاء على فعل اكتسبه، ليس على شيء هو ليس له فيه مشيئة وإرادة، فالإنسان الذي يؤذي الناس يُعاقب ويُقال: لا تؤذي الناس، لكن الذي ترتعش يده وتضطرب، ولا دخل له في إيقافها، ويُقال له: أوقف يدك؛ لأنه لا يستطيع هذا، ليس بمشيئته وإرادته.
ولهذا فرق بين ما يكون للإنسان، وما يكون كسباً للإنسان، ولهذا جاء في تعريف الفاعل عند النحويين، يقولون: الفاعل اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو قام به الحدث، مثل: أكل، وشرب، وقام، وقعد، هذا حصل منه الحدث، أو قام به الحدث، مثل مرض أو مات؛ لأن المرض قام به، ما فعل هو المرض، وما فعل الموت، وإنما الموت قام به، والمرض قام به، فالمرتعش وصف له، وليس فعل له، والضرب والأكل، والشرب الذي يحصل من الإنسان، هو فعل له، فيعاقب على ما يحصل منه بمشيئته وإرادته، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بين له طريقين: طريق فيه أمن وفيه سهولة، وطريق فيه وعوره وفيه هلاك، إذا اختار بمشيئته وإرادته طريق الهلاك، فقد فعل بمشيئته وإرادته ما يعود عليه بالمضرة، وإذا اختار لنفسه طريق الأمن والسلامة والسهولة واليسر...
يدفع عنه المضرة، وعلى هذا فالقدر سر من أسرار الله عز وجل، والناس لا يعلمون المقدر، ولكنه أرسلت إليهم الرسل وقيل لهم: هذا الطريق يوديكم الجنة، وهذا الطريق يوديكم إلى النار، وأعطوا عقولاً يميزون بها بين ما ينفع، وما يضر، فإن أقدموا على ما ينفع أثيبوا ومدحوا، وإن أقدموا على ما يضر ذموا وعوقبوا، والذم له سبب، والعقوبة لها سبب يرجع للإنسان، وإن كان مقدراً من الله عز وجل، والمدح والثواب له سبب، وهو يرجع إلى سبب من الإنسان، وهو كسبه واختياره.
حكم التنفل بعد صلاة المغرب
السؤال: فضيلة الشيخ! هل ورد في فضل النافلة بعد المغرب ستاً أو أربع ركعات بعد الراتبة، أو هذا من البدع؟ نرجو التوضيح.الجواب: ما أعلم تحديداً للنوافل بعد المغرب، وإنما الذي ثبت ركعتان بعد المغرب، وهي من السنن الراتبة، لكن الإنسان إذا صلى وأراد أن يتنفل نوافل مطلقة بعد المغرب، أو في أي وقت، فالأمر في ذلك واسع، لكن يقول: هذه سنة المغرب، ولا تفعل سنة المغرب إلا بنص، أما النوافل المطلقة يتنفل كما يشاء.
حكم قصر الصلاة لسكان منى إذا كانوا حجاجاً
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يقصر أهل منى أيام التشريق إذا كانوا حجاجاً؟الجواب: إذا كانت مساكنهم في منى، وكانوا من سكان منى، فإنهم لا يقصرون، وهم في منى، وإنما يقصرون في عرفة ومزدلفة، وأما أهل مكة فإنهم يقصرون في منى وعرفة ومزدلفة.
الجمع والقصر للمسافر
السؤال: فضيلة الشيخ! هل للمسافر أن يقصر صلاته ويجمع الظهر مع العصر؟الجواب: نعم المسافر يقصر الرباعية، ويجمع بين الظهر والعصر.
حكم الأم إذا أسقطت بعد سبعين يوماً من حملها
السؤال: وضعت امرأة سقطاً لم تتجاوز مدة حمله سبعين يوماً، فهل تعتبر نفساء؟الجواب: لا تعتبر من النفساء؛ لأنه ما خلق، وهذا سقط قطعة من اللحم، تجمع في رحمها ولا يقال لها: نفساء.
حكم تأخير هدي المتمتع
السؤال: فضيلة الشيخ! حج رجل قبل سنتين متمتعاً ولم يفدِ فماذا يلزمه؟الجواب: يفدي الآن، يجب عليه أن يقضي ما كان تركه مما هو واجب عليه، ولا يجوز له التأخير، كان الواجب عليه أن يفدي أو يأتي بالفدية في وقتها، وعليه أن يبادر إلى التخلص من هذا الدين الذي عليه.
ما ثبت دليل على فناء العرش
السؤال: كل مخلوق يفنى ويبقى الله عز وجل، لكن بعد فناء العرش أين يكون الله؟الجواب: ما عندنا شيء يدل على أن العرش يفنى، المخلوقات يفنيها الله عز وجل، الأحياء يميتهم الله عز وجل، إلا من شاء الله تعالى بقاءه وعدم فنائه، مثل الحور العين في الجنة التي خلقت للبقاء ولم تخلق للفناء والموت، وأما العرش ما في شيء يدل على أنه يفنى.