عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-03-2022, 08:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (1)
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
من صــ 318 الى صــ 323
الحلقة (53)


الرابعة : روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن عمر بن الكميت قال حدثنا علي بن وهب الهمداني قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أياما فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له يا أبا حازم ما هذا الجفاء ؟ قال أبو حازم يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني ؟ قال أتاني وجوه أهل المدينة ، ولم تأتني قال يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ، ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك قال فالتفت إلى محمد بن شهاب الزهري فقال أصاب الشيخ وأخطأت ، قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت قال لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعري ما لنا عند الله ؟ قال اعرض عملك على كتاب الله قال وأي مكان أجده قال إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم قال سليمان فأين رحمة الله يا أبا حازم قال أبو حازم رحمة الله قريب من المحسنين قال له سليمان يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم ؟ قال أولو المروءة والنهى قال له سليمان فأي الأعمال أفضل قال أبو حازم أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان فأي الدعاء أسمع ؟ قال دعاء المحسن إليه للمحسن فقال أي الصدقة أفضل ؟ قال للسائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا أذى قال فأي القول أعدل قال : قول الحق عند من تخافه أو ترجوه قال : فأي المؤمنين أكيس ؟ قال رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال فأي المؤمنين أحمق ؟ قال رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال له سليمان أصبت فما تقول فيما نحن فيه قال يا أمير المؤمنين أوتعفيني قال له سليمان لا ولكن نصيحة تلقيها إلي قال يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم فقال له رجل من جلسائه بئس ما قلت يا أبا حازم قال أبو حازم كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال له سليمان فكيف لنا أن نصلح ؟ قال تدعون الصلف وتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان فكيف لنا بالمأخذ به ؟ قال أبو حازم تأخذه من حله وتضعه في أهله قال له سليمان هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب [ ص: 318 ] منك ؟ قال أعوذ بالله ! قال له سليمان ولم ذاك ؟ قال أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له سليمان ارفع إلينا حوائجك قال تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان ليس ذاك إلي قال أبو حازم فما لي إليك حاجة غيرها قال فادع لي قال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال له سليمان قط قال أبو حازم قد أوجزت وأكثرت ، إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال لهسليمان أوصني قال سأوصيك وأوجز : عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير قال فردها عليه وكتب إليه يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا وما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسألهما فقالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ; فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وذلك أنه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع فقال لإحداهما اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت أجر ما سقيت لنا ولم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجيزتها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض أخرى فلما عيل صبره ناداها يا أمة الله كوني خلفي وأريني السمت بقولك فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى عليه السلام أعوذ بالله فقال له شعيب لم ؟ أما أنت جائع ؟ قال بلى ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل . فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت ، فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه ، وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظراء ، فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة .

[ ص: 319 ] قلت : هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على نصيحته صفدا بل بين الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول بالحق حيث كان وفي التنزيل يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم
قوله تعالى : وإياي فاتقون قد تقدم معنى التقوى وقرئ " فاتقوني " بالياء وقد تقدم وقال سهل بن عبد الله قوله وإياي فاتقون قال موضع علمي السابق فيكم وإياي فارهبون قال موضع المكر والاستدراج لقول الله تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون فما استثنى نبيا ولا صديقا .
قوله تعالى : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون

ولا تلبسوا الحق بالباطل اللبس : الخلط لبست عليه الأمر ألبسه ، إذا مزجت بينه بمشكله ، وحقه بباطله قال الله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون وفي الأمر لبسة أي ليس بواضح ومن هذا المعنى قول علي رضي الله عنه للحارث بن حوط يا حارث ( إنه ملبوس عليك ، إن الحق لا يعرف بالرجال ، اعرف الحق تعرف أهله . ) وقالت الخنساء :


ترى الجليس يقول الحق تحسبه رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدق مقالته واحذر عداوته
والبس عليه أمورا مثل ما لبسا
وقال العجاج :


لما لبسن الحق بالتجني غنين واستبدلن زيدا مني
روى سعيد عن قتادة في قوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل ، يقول : لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن دين الله - الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به - الإسلام وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله . والظاهر من قول عنترة :
وكتيبة لبستها بكتيبة


[ ص: 320 ] أنه من هذا المعنى ، ويحتمل أن يكون من اللباس . وقد قيل هذا في معنى الآية ، أي لا تغطوا ومنه لبس الثوب يقال لبست الثوب ألبسه ولباس الرجل زوجته وزوجها لباسها قال الجعدي


إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت عليه فكانت لباسا
وقال الأخطل :


وقد لبست لهذا الأمر أعصره حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا
واللبوس : كل ما يلبس من ثياب ودرع قال الله تعالى وعلمناه صنعة لبوس لكم ولابست فلانا حتى عرفت باطنه وفي فلان ملبس أي مستمتع قال :


ألا إن بعد العدم للمرء قنوة وبعد المشيب طول عمر وملبسا
ولبس الكعبة والهودج : ما عليهما من لباس ( بكسر اللام ) .
قوله تعالى : " بالباطل " الباطل في كلام العرب خلاف الحق ومعناه الزائل قال لبيد :


ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وبطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا ذهب ضياعا وخسرا وأبطله غيره ويقال ذهب دمه بطلا أي هدرا والباطل الشيطان والبطل الشجاع سمي بذلك لأنه يبطل شجاعة صاحبه قال النابغة


لهم لواء بأيدي ماجد بطل لا يقطع الخرق إلا طرفه سامي
والمرأة بطلة وقد بطل الرجل ( أي بالضم ) يبطل بطولة وبطالة أي صار شجاعا وبطل الأجير ( بالفتح ) بطالة أي تعطل فهو بطال واختلف أهل التأويل في المراد بقوله " الحق بالباطل " فروي عن ابن عباس وغيره لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل وهو التغيير والتبديل ، وقال أبو العالية قالت اليهود محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا فإقرارهم ببعثه حق وجحدهم أنه بعث إليهم باطل .

وقال ابن زيد : المراد بالحق التوراة ، والباطل ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه السلام وغيره .

وقال مجاهد لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ، وقاله قتادة ، وقد تقدم .

[ ص: 321 ] قلت : وقول ابن عباس أصوب ؛ لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال والله المستعان
قوله تعالى : وتكتموا الحق يجوز أن يكون معطوفا على تلبسوا فيكون مجزوما ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن ، التقدير لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه أي وأن تكتموه قال ابن عباس : يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه . وقال محمد بن سيرين نزل عصابة من ولد هارون يثرب لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدو عليهم والذلة ، وتلك العصابة هم حملة التوراة يومئذ فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم وهم مؤمنون مصدقون بنبوته فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون وخلف الأبناء وأبناء الأبناء فأدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفونه وهو معنى قوله تعالى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به

قوله تعالى : وأنتم تعلمون جملة في موضع الحال أي أن محمدا عليه السلام حق ، فكفرهم كان كفر عناد ولم يشهد تعالى لهم بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا ودل هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم وأنه أعصى من الجاهل ، وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر الآية
قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين

فيه أربع وثلاثون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : وأقيموا الصلاة أمر معناه الوجوب ولا خلاف فيه ، وقد تقدم القول في معنى إقامة الصلاة واشتقاقها وفي جملة من أحكامها ، والحمد لله .
الثانية : قوله تعالى : وآتوا الزكاة أمر أيضا يقتضي الوجوب والإيتاء الإعطاء آتيته أعطيته قال الله تعالى لئن آتانا من فضله لنصدقن وأتيته بالقصر من غير مد جئته فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مد ومنه الحديث ( ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه ) وسيأتي .
الثالثة : الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد يقال زكا الزرع والمال يزكو إذا كثر وزاد ورجل زكي أي زائد الخير وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي ويقال زرع زاك بين الزكاء وزكأت الناقة [ ص: 322 ] بولدها تزكأ به إذا رمت به من بين رجليها وزكا الفرد إذا صار زوجا بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعا قال الشاعر


كانوا خسا أو زكا من دون أربعة لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج
جمع جد وهو الحظ والبخت تعتلج أي ترتفع اعتلجت الأرض طال نباتها فخسا الفرد ، وزكا الزوج .

وقيل : أصلها الثناء الجميل ومنه زكى القاضي الشاهد فكأن من يخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل ، وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير كما يقال : زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال ' فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس ، وقد قال تعالى خذ من أموالهم صدقه تطهرهم وتزكيهم بها .
الرابعة : واختلف في المراد بالزكاة هنا فقيل الزكاة المفروضة ؛ لمقارنتها بالصلاة ، وقيل صدقة الفطر قاله مالك في سماع ابن القاسم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.45 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.02%)]