عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 11-03-2022, 03:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لماذا ندرس الفتنة الكبرى؟

عثمان والقرآن
وكان عثمان - رضي الله عنه - محباً لقراءة القرآن، فكان يكثر من قراءته حتى أن السيدة نائلة زوجته لما حوصر قالت: اقتلوه، أو دعوه فإنه والله كان يقوم الليل بركعة يقرأ فيها القرآن.
ويقول عثمان - رضي الله عنه -: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعت من كلام ربنا، والله إني لأكره أن يأتي عَلَيّ يوم لا أنظر فيه في المصحف.
ويقول عبد الله بن عمر: إن قول الله - تعالى -: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) [الزُّمر: 9]. نزلت في عثمان بن عفان.
وقال عبد الله بن عباس: نزل قول الله - تعالى -: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [النحل: 76]. في عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
وكان -رضي الله عنه- ليناً مع غلمانه، وبعد أن تولى الخلافة كان يقوم الليل دون أن يوقظ غلمانه؛ ليجهزوا له الماء، ويقول: الليل لهم يستريحون فيه.
وكان - رضي الله عنه - كثير الصيام حتى قيل إنه كان يصوم الدهر، أو قرب الدهر، وكان كثير القيام، وكان خطيباً مفوهاً، وقد آتاه الله الكثير من الفصاحة، ومن الورع، ومن التقوى، وفي آخر خطبة خطبها قال: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى، وإن الآخرة تبقى، لا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله، اتقوا الله، فإن تقواه جُنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم، ولا تصيروا أحزابا (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103].
وقد شهد له كثير من الصحابة بأنه كان خطيباً مفوهاً يقول عبد الرحمن بن حاطب: كان عثمان بن عفان أتم الناس حديثاً، ولكنه كان رجلاً يهاب الحديث؛ لأنه كان حيياً شديد الحياء.
ومع هذا ينقل الواقدي رواية يقول فيها أن عثمان - رضي الله عنه - أول ما استخلف قام خطيباً فقال: أيها الناس، أول كل مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها، وما كنا خطباء، وسيعلمنا الله.
وقد نقل ابن كثير هذه الرواية عن الواقدي، لكنه قال في موضع آخر: إن هذا لا يوافق الواقع.
عثمان وخلق الكرم
كان عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كريماً شديد الكرم يعطي من يعرف ومن لا يعرف، يصل عطاؤه إلى كل من في المدينة سواء قبل أن يكون خليفة، أو بعد أن استخلف، ومما يروى في ذلك أن أبا طلحة كان مَدِيناً لعثمان بخمسين ألف درهم، وبعث أبو طلحة إلى عثمان يقول له: إن أموالك قد اكتملت فأرسل من يأخذها.
فقال عثمان - رضي الله عنه -: قد وهبناها لك لمروءتك.
في حين تقول الكاتبة المستغربة زاهية قدروة عن هذا الصحابي الجليل: كان رجل يكرم أهله، ولا يعطي بقية الناس، ولا يهتم بالمسلمين.
هكذا تقول عن عثمان - رضي الله عنه -.
وهذا القدر الكبير العظيم لعثمان - رضي الله عنه - لم يمنع هؤلاء الأفاكين أن يلصقوا بعثمان - رضي الله عنه - الكثير من الافتراءات والادعاءات، جاء في كتاب البرهان -وهو من الكتب المعتبرة عند الشيعة-: إن المراد من قول الله - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) [النساء: 49] هم الذين سموا أنفسهم بالصديق والفاروق وذي النورين.
وجاء في كتاب حق اليقين للمجلسي:
إن كبار الصحابة اتفقوا على تفسيقه، وتكفيره -أي الصديق والفاروق-، ثم يقولون في حق عثمان بن عفان: وكان حذيفة بن اليمان- على زعمهم الباطل- يقول: الحمد لله لا أشك في كفر عثمان.
ويقولون: إن الذي يعتقد في عثمان بأنه قتل مظلوماً يكون ذنبه أشد من ذنب الذين عبدوا العجل. [كتاب حق اليقين ص 271].
كان عثمان - رضي الله عنه - رجلاً حكيماً، وقد كان من مجلس شورى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومجلس شورى أبي بكر الصديق، ومجلس شورى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - جميعاً، وكان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يرفضان أن يخرج عثمان - رضي الله عنه - من المدينة في أي فتح من الفتوح، حتى يستعينا برأيه في الأمور المهمة، وكذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأرضاه.
في آخر سنة 23 هـ، تحدث كارثة عظيمة للمسلمين، وهي مقتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه، وقد حدث ذلك تحديداً في 27 من ذي الحجة 23 هـ، طعنه أبو لؤلؤة المجوسي في ذلك اليوم، فتوفي - رضي الله عنه - في آخر ليلة من تلك السنة بعد أن استخلف على المسلمين ستة من الصحابة، وذلك بعد نقاش طويل بينه وبين الصحابة في هذا الأمر على أن يختاروا من بينهم الخليفة على المسلمين، وكان هؤلاء الستة هم:
عثمان بن عفان.
وعلي بن أبي طالب.
والزبير بن العوام.
وطلحة بن عبيد الله.
وسعد بن أبي وقاص.
وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهم - جميعاً.
وجميعهم من العشرة المبشرين بالجنة، أما باقي العشرة المبشرين بالجنة، فقد توفي منهم أبو بكر، وأبو عبيدة بن الجراح، وها هو عمر، ولم يبق إلا سعيد بن زيد، وقد استثناه عمر رضي الله عنه؛ لأنه ابن عمه ورعًا وتقوى، ولئلا يقال: إنه أعطاها لقرابته. وهذا مع ما له من الفضل في الإسلام، وجعل معهم عبد الله بن عمر، ولكنه لا يولى من الأمر شيء، وجعل أبا طلحة الأنصاري مع خمسين من الصحابة حراسة لهؤلاء الستة الذين جلسوا في بيت المسور بن مخرمة، أو في بيت السيدة عائشة، أو في بيت المال حتى يقرروا في هذا الشأن العظيم، وقد استقروا في نهاية الأمر على ثلاثة هم: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - جميعاً.
فقال عبد الرحمن بن عوف إنه ينخلع من هذا الأمر على أن يرجع إليه القول في تولية من يراه أصلح لهذا الأمر، فوافقوا على ذلك، فأخذ البيعة والعهد عليهم إن ولى عثمان بن عفان أن يعدل بين الناس، وكذلك علي، وإن ولى أحدهما، فإن على الآخر أن يسمع له ويطيع، ثم انطلق عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - في جهد جهيد، وظل ثلاثة أيام يبحث في الأمر، ويسأل الناس فرادى، ومثنى، ومجتمعين، الكبار والصغار حتى الغلمان، سأل الأحرار والعبيد، سأل الركبان الذي يأتون إلى المدينة للزيارة، وسأل الأعراب الذين يمرون بالمدينة، ووصل في سؤاله إلى النساء، وبعد هذا الجهد العظيم يقول - رضي الله عنه -: فلم أجد في المدينة أحدا إلا ويقدم عثمان بن عفان على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأرضاه.
إلا اثنين فقط هما: المقداد بن عمرو، وعمار بن ياسر، وهذا في بعض الروايات، ومن ثم لم يكفر علماء الشيعة هذين الصحابيين.
لم ينم عبد الرحمن بن عوف في هذه الأيام الثلاثة، وكان يقضيها بين البحث وسؤال الناس، وبين الصلاة، والاستخارة والدعاء، حتى كانت رابع ليلة، فأتى إلى باب المسور بن مخرمة ابن أخته فقال: أنائم يا مسور، والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، اذهب فادع إلي علياً وعثمان.
فقال المسور: فقلت بأيهما أبدأ؟
فقال: بأيهما شئت.
قال: فذهبت إلى علي فقلت: أجب خالي.
فقال: أمرك أن تدعو معي أحد؟
فقلت: نعم.
قال: من؟
قلت: عثمان بن عفان.
قال: بأينا بدأ؟
فقال: لم يأمر بشيء من ذلك، بل قال: بأيهما شئت. فجئت إليك أولاً.
فقام معه، يقول:
فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس عليّ حتى دخلت، فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي علي سواء، فقام معه، فلما انصرفت، أقبل عبد الرحمن بن عوف على علي وعثمان فقال:
إني قد سألت الناس عنكما، فلم أرى أحداً يعدل بكما أحداً، ثم أخذ العهد عليهما مرة أخرى بأن يعدل من يولى منهما، ولأن ولي عليه ليسمعن، وليطيعن، ثم خرج عبد الرحمن إلى المسجد، وقد لبس العمامة التي عممه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أهداه هذه العمامة، فلبسها، وتقلد سيفاً وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين، والأنصار، ونودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وتراصوا في المسجد، وكثروا حتى أن عثمان - رضي الله عنه - لم يجد مكاناً يجلس فيه، وهو أحد المرشحين للخلافة، فوقف على أطراف المسجد، وكان حيياً شديد الحياء، ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوقف وقوفاً طويلاً، ودعا دعاءً طويلاً لم يسمعه أحد، ثم قال:
يا أيها الناس، إني سألتكم سراً وجهراً بأمانيكم، فلم أجدكم تعدلون بهذين الرجلين أحداً، إما علي، وإما عثمان، فقم إليّ يا علي، فقام - رضي الله عنه - ووقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، وقال له:
هل أنت مبايعي على كتاب الله، وسنة نبيه، وفعل أبي بكر، وعمر؟
فقال علي: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي.
قال فأرسل يده، ثم قال:
قم إليّ يا عثمان.
فأخذ بيده فقال له:
هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر؟
فقال: اللهم نعم.
فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد، ويده بيد عثمان بن عفان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، إني خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان.
قال: وازدحم الناس جميعاً يبايعون عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وأرضاه، وكان علي بن أبي طالب- كما تقول إحدى الروايات- أول من بايع عثمان - رضي الله عنه -، وقعد عبد الرحمن في الدرجة الثالثة، وجلس عثمان في الدرجة الثانية، ثم قام وخطب في الناس خطبته الأولى وهي بالطبع ليست كما ذكر الواقدي.
يعلق ابن كثير على هذا الأمر فيقول: أما ما ذكره علماء الشيعة والرافضة ومن والاهم من أن عليا بعد ذلك قال لعبد الرحمن بن عوف: خدعتني، وإنك إنما وليته لأنه صهرك، وليشاورك كل يوم في شأنه.
فهذه كلها أباطيل، ولم يرد لها أصل.
وقد بويع لعثمان - رضي الله عنه - وأرضاه في يوم 3 من شهر محرم سنة 24 هـ، وبدأ عهد سيدنا عثمان - رضي الله عنه - من هذه السنة، واستمر حتى 35 هـ، وهو عهد مليء بالكثير من الأحداث.
بدايات الفتنة
مقدمة:
بعد مقتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وجّه عثمان - رضي الله عنه - الجيوش لاستكمال فتوحات فارس، فوجّه جيشًا لمنطقة (الري) شرق بحر قزوين، وكان على رأس هذا الجيش أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -، وفتحها أبو موسى الأشعري، وقام بعد ذلك بغاراتٍ على بعض القلاع، والحصون الرومية.
ومن الأحداث المهمة أن عثمان - رضي الله عنه - ولّى سعد بن أبي وقّاص على الكوفة سنة 24 هـ، وكانت هذه المدينة دائمة الفتن، والثورات على أمرائها، وفي سنة 25 هـ ثار أهل الكوفة من جديد على سعد بن أبي وقاص.
فعزل عثمان سعدًا، وولّى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم فتحت الجيوش الإسلامية في عهد عثمان - رضي الله عنه - أذربيجان، وأرمينية غرب بحر قزوين على يد الوليد بن عقبة - رضي الله عنه -، وفي سنة 26 هـ قام عثمان - رضي الله عنه - بتوسعة المسجد الحرام، وفتحت أيضًا في هذه السنة سابور في شرق فارس، وكانت من المناطق الغنية الكثيرة السكان، حتى أن خراجها كان ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف درهم في السنة، وبدأ الخير يعم على المسلمين بصورة كبيرة، وفي سنة 27 هـ فُتحت أرجان، وهي من بلاد الفرس، وعزل عثمان - رضي الله عنه - عمرو بن العاص - رضي الله عنه - عن ولاية مصر، وكان واليها من قِبَل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وذلك لما لانت قناته مع أهل الكتاب الذين قلّلوا من الجزية التي كانوا يدفعونها، ووقفت الفتوحات عند برقة وهي تابعة لـ(ليبيا) حاليًا، وتولى مصر عبد الله بن أبي سرح، فعادت الجزية كما كانت في بداية عهد عمرو بن العاص، وواصل عبد الله بن سرح الفتوحات متجهًا نحو الغرب، واتجه إلى ما يسمّى الآن بتونس، وكان على رأس الجيوش عقبة بن نافع - رضي الله عنه -.
آثار خلافة عثمان بن عفان
في سنة 28 هـ فُتحت قبرص، وكان هذا تقدمًا خطيرًا للدولة الإسلامية، وذلك لأن المسلمين لم يكن لهم أسطولًا بحريًا، ولم يكن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- موافقًا على غزو البحر، وكان يخشى على المسلمين منه، لكنّ معاوية - رضي الله عنه - أصرّ على هذا الأمر، وعرضه على عثمان - رضي الله عنه - مرة بعد مرة، حتى اقتنع به عثمان - رضي الله عنه -، وقام الأسطول البحري الإسلامي الأول بفتح قبرص، وعلى رأس هذا الأسطول معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، وعبد الله بن أبي سرح من مصر، وحاصرا قبرص، وفتحت، واستكلمت فتوحات إفريقية، ووطدت أركان الدولة الإسلامية في منطقة شرق وشمال إفريقية.
في سنة 29 خالفت (اصطخر) وهي إحدى بلاد فارس، ونقضت عهدها مع المسلمين، فأرسل إليها جيشًا وفُتحت مرة أخرى.
كما تمت توسعة المسجد النبوي مرة ثانية في هذا العام، وفي العام 30 هـ فتحت خراسان، ونيسابور، وقوص، وكثر الخراج بصورة عظيمة، وثار أهل الكوفة كالعادة على الوليد بن عقبة، وعُزلَ وتولّى سعيد بن العاص.
يقدّم الحسن البصري - رضي الله عنه - وأرضاه، وهو أحد التابعين المعاصرين لهذه الفترة، شهادةً للتاريخ على هذه الفترة من حياة عثمان - رضي الله عنه – وأرضاه، فيقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قلّما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون خيرًا، يُقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم.
فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم.
فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على السمن والعسل.
فالأعطيات جارية، والأرزاق دارّة، والعدو متّقى، وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنًا ومن لقيه فهو أخوه.
إذن فقد كان المسلمون على درجة عالية من الرخاء، لم يصلوا إلى هذه الدرجة من قبل، ويقوم عثمان - رضي الله عنه - في هذه الفترة بعمل من أعظم أعماله؛ وهو جمع القرآن على مصحف واحد، وكان سبب هذا الأمر أن المسلمين في فتوحات الشام، وفي الأراضي الرومية كان يأتون من الشام ومن العراق، وكان ممن حضر هذه الفتوحات حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -، وقد لاحظ الاختلاف الشديد في القراءات ما بين الناس، فكلٌ منهم يقرأ بقراءة، فأهل الشام يقرءون على قراءة المقداد بن عمرو، وأبي الدرداء - رضي الله عنهما -، وأهل العراق يقرءون على قراءة عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب - رضي الله عنهما -، حتى أن بعض الجهّال ممن لا يعرفون أن القرآن أنزل على سبعة أحرف بدأ كل منهم يخطّأ الآخر، بل وصل الأمر إلى درجة التكفير.
فعاد حذيفة بن اليمان إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وأرضاه وقال له: أدرك الأمة.
فاستدعى عثمان - رضي الله عنه - زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، وكان قد جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وطلب منه عثمان - رضي الله عنه - أن يأتي بالصحائف التي كان قد جمعها، وكانت هذه الصحائف بداية عند أبي بكر الصديق، ثم عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وعند وفاته ترك هذه الصحائف عند ابنته أم المؤمنين السيدة حفصة - رضي الله عنها - وعن أبيها، وذهب بالفعل وأتى بهذه الصحائف، وكوّن عثمان - رضي الله عنه - مجموعة من أربعة هم: سعيد بن العاص الأموي، زيد بن ثابت الأنصاري، عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وكلفهم بعمل بعض النُّسخ من القرآن الكريم على القراءة التي كتبها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، فهو لم يضف قراءة جديدة، ولكنه جمع الناس على ما جمعهم عليه أبو بكر - رضي الله عنه - من قبل، فكان الذي يُملِي هو سعيد بن العاص - رضي الله عنه -، وكان الذي يكتب هو زيد بن ثابت، وكان عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث - رضي الله عنهما - يحضران الإملاء، والكتابة، ويتابعان الأمر فكتبوا المصحف كاملًا، ونسخوا منه سبع نسخ، وقام عثمان - رضي الله عنه - بحرق باقي الكتابات الأخرى الموجودة عند بقية الصحابة، والتي يخالف ترتيبها الترتيب الذي عُرِض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المرة الأخيرة، وكان هذا مجهودًا شاقًا وعسيرًا، فقد كان حجم الصفحة من المصحف الذي أمر عثمان - رضي الله عنه - بنسخه سبع نسخ كانت ما بين 80 و 60 سم، وكانت النسخة الواحدة يحملها المجموعة من الرجال، ووجّه عثمان - رضي الله عنه - إلى كل قطر بنسخة من هذا المصحف، فأبقى نسخة بالمدينة المنورة، وأرسل نسخة إلى مكة، والثالثة إلى مصر، والرابعة إلى الشام، والخامسة إلى الكوفة، والسادسة إلى البصرة، والسابعة إلى اليمن، وبهذا تم جمع المسلمين على مصحف واحد، وهو المُسمّى: بالمصحف العثماني، وعثمان - رضي الله عنه - لم يكتب فيه حرفًا واحدًا وإنما أمر بجمعه، ونسخه كما رأينا.
في سنة 31 هـ قام المسلمون بموقعة بَحْرية شهيرة هي موقعة (ذات الصواري).
وفي سنة 34 هـ توفي الكثير من أعلام الصحابة، وكأن الله أراد أن يقيهم شر حضور الفتنة، فكان ممن توفي في هذه السنة: العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - وأرضاه، وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو ذرّ - رضي الله عنهم - جميعًا، وزيد بن عبد الله بن عبد ربه الأنصاري - رضي الله عنه -، وهو الذي رأى في منامه الأذان وذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره برؤياه، فأقرّه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
كما فُتحت أجزاء من بيزنطة في عهد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وأرضاه، ولكن كان إتمام فتحها في عهد معاوية - رضي الله عنه -.
وفي سنة 33 هـ فتحت الحبشة - والمقصود أجزاء من السودان -، وفي سنة 34 هـ حدثت ثورة أخرى بالكوفة على سعيد بن العاص، وتولّى الأمر فيها أبو موسى الأشعري برغبة أهل الكوفة، ووافقهم عثمان - رضي الله عنه - على ذلك، وسنرى تفاصيل هذا الأمر إن شاء الله.
وفي هذه السنة 34 هـ بدأت مقدمات الفتنة الكبرى تأخذ شكلًا واضحًا، والتي استُشهد على أثرها في سنة 35 هـ عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لينهي حياة حافلة بالعمل الخالص لله - تعالى -، والذي بشره النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجله بالجنة.
ذو النورين كان على يقين بما سيحدث له
لا شك أن قتل عثمان - رضي الله عنه - له تفاصيل كثيرة، ولكن ما نشير إليه الآن هو أنّ عثمان - رضي الله عنه - كان يعلم أنه سيُقتل في هذه الفتنة، وذلك ببشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونبوءته بهذا الأمر، روى البخاري بسنده عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: ((اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ)).
وفي البخاري أيضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
((افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)).
فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
((افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)).
فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ لِي:
((افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ)).
فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وروى ابن ماجة والترمذي والإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ حَدَّثَهُ قَالَ: كَتَبَ مَعِي مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَدَفَعْتُ إِلَيْهَا كِتَابَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَلَا أُحَدِّثُكَ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟
قُلْتُ: بَلَى.
قَالَتْ: فَإِنِّي كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ يَوْمًا مِنْ ذَاكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: ((لَوْ كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يُحَدِّثُنَا)).
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَبْعَثُ لَكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ:
((لَوْ كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يُحَدِّثُنَا)).
فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلَا أُرْسِلُ لَكَ إِلَى عُمَرَ.
فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ:
((لَا)).
ثُمَّ دَعَا رَجُلًا فَسَارَّهُ بِشَيْءٍ، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ أَقْبَلَ عُثْمَانُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ:
((يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - لَعَلَّهُ أَنْ يُقَمِّصَكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ)). ثَلَاثَ مِرَارٍ. [صححه الألباني].
وروى الترمذي بسنده عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، أَنَّ خُطَبَاءَ قَامَتْ بِالشَّامِ وَفِيهِمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَامَ آخِرُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ: لَوْلَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا قُمْتُ، وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ:
((هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى)).
فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَقُلْتُ: هَذَا؟
قَالَ: ((نَعَمْ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، ورواه ابن ماجه وصححه الألباني.
فهذه كلها بشارات لعثمان - رضي الله عنه - أن هذه الفتنة سوف تحدث، ويكون فيها عثمان - رضي الله عنه - على الحق، وسيُقتل فيها - رضي الله عنه -، ويدخل على أثرها الجنة، وستكون لهذه البشارات من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأثر في سير الأحداث بعد ذلك كما سنرى في تفاصيل الفتنة.
إذن هذا هو ما حدث في فترة خلافة عثمان - رضي الله عنه - من الآثار، وكانت من الفترات المهمة جدًا في تاريخ الدولة الإسلامية.
ومع هذا الخير الذي كان عليه عثمان - رضي الله عنه -، ومع هذه الأفضال والمحامد، والآثار العظيمة، ومع هذا الخير الذي عمّ على جميع المسلمين، ومع هذه الأرزاق الدارّة التي لمسها المسلمون، حتى كان يُنادى على المسلمين أن اغدوا على أعطياتكم، فقد كان عهدًا عظيمًا من الرخاء، مع هذا كله تحدث الفتنة.
ظهور ابن سبأ وبداية الفتنة
ما بين سنة 30 إلى 31 هـ ظهر في اليمن عبد الله بن سبأ، وكانت أمه جارية سوداء، ومن ثَمّ لُقّب بابن السوداء، وكان يهوديًا، وعاش في اليمن فترة طويلة، وكانت اليمن قبل الإسلام مقاطعة فارسية، فتعلّم عبد الله بن سبأ الكثير عن المجوسية، وأراد هذا اليهودي أن يطعن في الإسلام والمسلمين، وبدأ بالتفكير في عمل هذه الفتنة، فدخل في الإسلام ظاهرًا في بداية عهد عثمان بن عفان - رضي الله عنه-، وبدأ يتنقل في البلاد حتى ينشر بعض الأفكار السامّة، والطاعنة في الإسلام، فذهب إلى الحجاز، ولما لم يجد صدى كافيًا انطلق إلى العراق، فذهب إلى البصرة، وكانت موطنًا للفتن، ووقع هناك على رجل يُسمّى حكيم بن جبلة، وكان من المسلمين، ولكنه كان لصًّا يغير على أهل الذمة، وقد حدد الخليفة إقامته بألا ينتقل من البصرة، فقد كان رجلًا سيئ الخلق، وبدأ ابن سبأ يلقي في روعه بعض الأفكار الجديدة على الإسلام، والمقتبسة من اليهودية، والمجوسية، وخرجت عقائد الشيعة من هذه الأفكار التي جاء بها عبد الله بن سبأ، وقد انقسم الشيعة إلى فرق كثيرة، فمنهم من أخذ من عبد الله بن سبأ كل ما قاله، وهم من يُسمّون الآن بالسبئية، ومنهم من أخذ منه البعض، ومنهم من أخذ القليل منه، ولكن على العموم فالشيعة جميعًا أخذوا من هذه الأفكار.
تبعه حكيم بن جبلة، وبعض من قبيلته، وبعض من أصدقائه، وكان كل هذا الأمر يدور سرّا، فهو لا يجرؤ على الجهر به ابتداءً، ثم انتقل من البصرة إلى الكوفة، وهي موطن للفتن والثورات أيضًا، واستجاب له من أهل الكوفة أفراد كثيرون ولكن سرّا، ومنهم على سبيل المثال الأشتر النخعي، وهذا أمر غريب، فقد كان الأشتر من المجاهدين في اليرموك والمواقع التي جاءت بعدها، ولكن الله - تعالى - يثبّت من يشاء، وقد استجاب الأشتر لابن سبأ إما عن جهلٍ، وإما عن رغبةٍ في الرئاسة أو غير ذلك، وكان الأشتر ذو مكانة ورأي في قومه، وبدأ يدعو الناس إلى ما هو عليه من أفكار، ويفسر بعض المؤرخين سبب انضمام الأشتر إلى أصحاب الفتنة بتفسيرين يناقض كل منهما الآخر؛ فالأول: أنه كان من المغالين المتشددين في الدين، ويبالغ في بعض الأمور التي كان يظن أنها خطأ، ومن ثَمّ يتشدد لها.
والأمر الثاني: أنه كان محبًا للرئاسة، والسيطرة، وقام بالمشاركة في هذه الفتنة حتى يُمكّن له ويصل إلى ما يريد.
انتقل ابنُ سبأ إلى مصر، ووجد في مصر مناخًا مناسبًا لأفكاره؛ لأن معظم المجاهدين خرجوا إلى الفتوحات في ليبيا، وآخرين في السودان، ومن كان موجودًا إنما هم قلة من المسلمين، فاستطاع ابن سبأ أن يجمع حوله قلة من الناس واستقرّ في مصر، ولم يكن استقراره أمرًا مقصودًا، لكنه كان بطبيعته يستقرّ في كل بلد ينزل فيها مدة، ثم يغادرها إلى غيرها، فلما كان بمصر كان قد قرب عهد الفتنة فخرج من مصر.
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.25 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.54%)]