
01-03-2022, 10:38 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,277
الدولة :
|
|
رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله

تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثانى
صـ 251 الى صـ 255
الحلقة (49)
وأثر عائشة المتقدم يدل على أنه كان لاصقا بها . والله أعلم . وقال الحافظ الشيخ عمر بن الحافظ التقي محمد بن فهد المكي الهاشمي ، في كتاب (إتحاف الورى بأخبار أم القرى) في حوادث سنة سبع عشرة : فيها جاء سيل عظيم يعرف بسيل أم نهشل من أعلى مكة من طريق الردم ، فدخل المسجد الحرام واقتلع مقام [ ص: 251 ] إبراهيم من موضعه ، وذهب به حتى وجد بأسفل مكة ، وعين مكانه الذي كان فيه لما عفاه السيل ، فأتي به وربط بلصق الكعبة في وجهها . وذهب السيل بأم نهشل بنت عبيدة بن سعد بن العاص بن أمية . فماتت فيه واستخرجت بأسفل مكة ، وكان سيلا هائلا . فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بالمدينة الشريفة ، فهاله ذلك . وركب فزعا إلى مكة . فدخلها بعمرة في شهر رمضان . فلما وصل إلى مكة وقف على حجر المقام وهو ملصق بالبيت الشريف . ثم قال : أنشد الله عبدا عنده علم في هذا المقام ! . فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي رضي الله عنه : أنا يا أمير المؤمنين عندي علم ذلك ، فقد كنت أخشى عليه مثل هذا الأمر ، فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر . ومن موضعه إلى زمزم بمقاط . وهي عندي في البيت . فقال له عمر : اجلس عندي وأرسل إليها من يأتي بها . فجلس عنده وأرسل إليها فأتي بها . فقيس ، ووضع حجر المقام في هذا المحل الذي هو فيه الآن . وأحكم ذلك واستمر إلى الآن . انتهى : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أي أمرناهما . وتعديته بـ "إلى" لأنه في معنى : تقدمنا وأوحينا "أن طهرا بيتي" أي عن كل رجس حسي ومعنوي: فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع ، أو ابنياه على طهر من الشرك بي . كما قال تعالى : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود أو أخلصاه للطائفين وما بعده، لئلا يغشاه غيرهم . فاللام صلة "طهرا" على هذا . وعلى ما قبله ، لام العلة . أي طهراه لأجلهم . وقوله تعالى "للطائفين" أي حوله . وعن سعيد بن جبير : يعني من أتاه من غربة "والعاكفين" يعني أهله المقيمين فيه أو المعتكفين . كما روى ابن أبي حاتم بسنده إلى ثابت قال : قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير : ما أراني إلا مكلم الأمير : أن امنع الذين ينامون في المسجد الحرام . فإنهم يجنبون ويحدثون . قال : لا تفعل فإن ابن عمر سئل [ ص: 252 ] عنهم فقال : هم العاكفون . ورواه عبد بن حميد في مسنده . وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عزب .
وفي الكشاف: يجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين . يعني القائمين في الصلاة .
كما قال للطائفين والقائمين "والركع السجود" جمع راكع وساجد والمعنى للطائفين والمصلين . لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي . ولتقارب الأخيرين ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما . وجمع صفتين جمع سلامة ، وأخريين جمع تكسير لأجل المقابلة . وهو نوع من الفصاحة . وأخر صيغة (فعول) على (فعل) ; لأنها فاصلة. والمراد من الآية الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له . ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ففي ذلك تبكيت لهم وتنبيه على توبيخهم بترك دينه .
القول في تأويل قوله تعالى :
[126 ] وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير
"وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا" أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني [ ص: 253 ] بأن أسكنته من ذريتي "بلدا" أي يأنس من يحل به "آمنا" أي من الخوف . أي لا يرعب أهله. وقد أجاب الله دعاءه . كقوله تعالى ومن دخله كان آمنا وقوله : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون إلى غير ذلك من الآيات . وصحت أحاديث متعددة بتحريم القتال فيه ، وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح » فهو آمن من الآفات ، لم يصل إليه جبار إلا قصمه الله . كما فعل بأصحاب الفيل . وقوله تعالى في سورة إبراهيم : هذا البلد آمنا بتعريف البلد مع جعله صفة لهذا ، خلاف ما هنا ، إما أن يحمل على تعدد السؤال بأن تكون الدعوة الأولى المذكورة هنا ، وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا . كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلدا آمنا . لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع فقال ، ههنا ، اجعل هذا الوادي بلدا آمنا . والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا . فكأنه قال : اجعل هذا [ ص: 254 ] المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة . وإما أن يحمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادر . فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين . وقد حكى ذلك هنا . واقتصر هناك على حكاية سؤال الأمن ، اكتفاء عن حكاية سؤال البلدية بحكاية سؤال اجعل أفئدة الناس تهوي إليه ، هذا خلاصة ما حققوه .
وعندي أن السؤال والمسؤول واحد . إلا أنه تفنن في الموضعين . فحذف من كل ما أثبته في الآخر احتباكا . والأصل : رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا . وبه تتطابق الدعوتان على أبدع وجه وأخلصه من التكلف . على ما فيه من إفادة المبالغة . أي بلدا كاملا في الأمن : كأنه قيل: اجعله بلدا معلوم الاتصاف بالأمن مشهورا به كقولك: كان هذا اليوم يوما حارا . وفي القاموس وشرحه التاج : البلد والبلدة علم على مكة ، شرفها الله تعالى ، تفخيما لها . كالنجم للثريا . وكل قطعة من الأرض مستحيزة عامرة أو غامرة خالية أو مسكونة . وفي النهاية: البلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء. وارزق أهله من الثمرات إنما سأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك ، لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر ، فاستجاب الله تعالى له ، فصارت يجبى إليها ثمرات كل شيء "من آمن منهم بالله واليوم الآخر" بدل من "أهله" ، بدل البعض ، يعني : ارزق المؤمنين من أهله خاصة . وإنما خصهم بالدعاء إظهارا لشرف الإيمان ، واهتماما بشأن أهله ، ومراعاة لحسن الأدب في المسألة . حيث ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين ، في باب الإمامة ، في قوله "لا ينال عهدي الظالمين" بعد أن سأل ، عليه السلام ، جعلها في ذريته ، فلا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء ، وفيه ترغيب لقومه في الإيمان ، وزجر عن الكفر "قال" الله تعالى معلما أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض "ومن كفر" أي أنيله أيضا ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق ، فهو عطف على مفعول فعل محذوف ، دل الكلام عليه . ويجوز أن تكون "من" مبتدأ موصولة أو شرطية . وقوله "فأمتعه" خبره أو جوابه . وعبر عن رزقه [ ص: 255 ] بالمتعة التي هي الزاد القليل والبلغة ، تخسيسا له ، وأكد ذلك بقوله "قليلا" تمتيعا قليلا ، أو زمانا قليلا "ثم أضطره إلى عذاب النار" أي ألجئه إليه كما قال تعالى : يوم يدعون إلى نار جهنم دعا و : يوم يسحبون في النار على وجوههم وقرئ فأمتعه قليلا ثم أضطره ، بلفظ الأمر فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلام ، وفي "قال" ضميره "وبئس المصير" النار أو عذابها .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|