عرض مشاركة واحدة
  #46  
قديم 01-03-2022, 10:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,962
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سورة البقرة
المجلد الثانى
صـ 236 الى صـ 240
الحلقة (46)

وقد سئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا بأنه إن كان المخاطب بـ "كن" موجودا ، فتحصيل الحاصل محال . وإن كان معدوما ، فكيف يتصور خطاب المعدوم ؟ فأجاب بقوله : هذه المسألة مبنية على أصلين : أحدهما : الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلا من المخاطب ، بل هو الذي يكون المخاطب به ، ويخلقه بدون فعل من المخاطب ، أو قدرة أو إرادة أو وجود له . وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلا أو تركا يفعله بقدرة وإرادة . وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته ; إذ لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس . هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده ؟ لا نزاع بينهم أنه لا يتعلق به حكم الخطاب إلا بعد وجوده . وكذلك تنازعوا في الأول هل هو خطاب حقيقي ؟ أم هو عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة ؟ . والأول هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة . والأصل الثاني : أن المعدوم في حال عدمه ، هل هو شيء أم لا ؟ فإنه قد ذهب طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شيء في الخارج وذات وعين ، وزعموا أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة ، وأن وجودها زائد على حقيقتها . وكذلك ذهب إلى هذا طوائف من المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة . والذي عليه جماهير الناس ، وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى السنة والجماعة ، إنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ولا عين ، وإنه ليس في الخارج شيئان أحدهما حقيقة ، والآخر وجوده الزائد على حقيقته . فإن الله أبدع الذوات التي هي الماهيات . فكل ما سواه سبحانه مخلوق ومجعول ومبدع ومبدوء له سبحانه وتعالى . ولكن في هؤلاء من يقول : المعدوم ليس بشيء أصلا ، وإن سمي شيئا باعتبار ثبوته في العلم ، كان مجازا . ومنهم من يقول : لا ريب أن له ثبوتا في العلم ووجودا فيه، فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شيء وذات. وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت . كما فرق من قال : المعدوم شيء . ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع ، كما فرق أولئك ; إذ قد [ ص: 237 ] اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن . وعمدة من جعله شيئا ، إنما هو لأنه ثابت في العلم ، وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد والخلق والخبر عنه والأمر به والنهي عنه ، وغير ذلك . قالوا : وهذه التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم المحض . فإن خص الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت العيني ، وبين الوجود الذي هو الثبوت العلمي ، زالت الشبهة في هذا الباب .

وقوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقبل توجيه هذا الخطاب إليه . وبذلك كان مقدرا مقضيا . فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب مما يعلمه ما شاء . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة » . قال : « وعرشه على الماء » . وفي صحيح البخاري عن عمران [ ص: 238 ] بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، ثم خلق السماوات والأرض » . وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن أول ما خلق الله القلم ، فقال له : اكتب قال : رب ، وماذا أكتب ؟ قال : اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة » . إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان معلوما مخبرا عنه ، مكتوبا ، فهو شيء باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي ، وإن كانت حقيقته التي هي وجوده العيني ليس ثابتا في الخارج . بل هو عدم محض ونفي صرف .

وهذه المراتب الأربعة المشهورة موجودات . وقد ذكرها الله سبحانه في أول سورة أنزلها على نبيه في قوله : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع ، وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة ، وتعلقت به القدرة ، وخلق وكون كما قال : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فالذي يقال له "كن" هو الذي يراد ، وهو ، حين يراد قبل أن يخلق ، له ثبوت وتميز في العلم والتقدير . ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره ، وبهذا يحصل الجواب عن التقسيم . فإن قول السائل : إن كان المخاطب موجودا ، فتحصيل الحاصل محال . يقال له هذا إذا كان موجودا في الخارج وجوده الذي هو وجوده . ولا ريب أن المعدوم ليس موجودا ، ولا هو في نفسه ثابت . وأما ما علم وأريد وكان شيئا في العلم والإرادة والتقدير فليس وجوده في الخارج محالا ، بل [ ص: 239 ] جميع المخلوقات لا توجد إلا بعد وجودها في العلم والإرادة .

وقول السائل : إن كان معدوما فكيف يتصور خطاب المعدوم ؟ يقال له : أما إذا قصد أن يخاطب المعدوم بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال ، إذ من شرط المخاطب أن يتمكن من الفهم والفعل . والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل . فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه بمعنى أنه مطلوب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل ، ولذلك أيضا يمتنع أن يخاطب المعدوم في الخارج خطاب تكوين . بمعنى أن يعتقد أنه شيء ثابت في الخارج وأنه يخاطب بأن يكون . وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل توجيه الإرادة إليه ، فليس ذلك محالا . بل هو أمر ممكن . بل مثل ذلك يجده الإنسان في نفسه ؛ فيقدر أمرا في نفسه يريد أن يفعله وبوجه إرادته وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب ، الذي قدره في نفسه ، ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته . فإن كان قادرا على حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم . وإن كان عاجزا ، لم يحصل . وقد يقول الإنسان : ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب . فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه . والله سبحانه على كل شيء قدير ، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فإن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . انتهى .
القول في تأويل قوله تعالى :

[118 ] وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون

"وقال الذين لا يعلمون" من المشركين أو من أهل الكتاب وهو الأظهر . لأن ما تقدم ، كله في حوارهم ورد أضاليلهم ، ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به : لولا [ ص: 240 ] يكلمنا الله هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى ؟ استكبارا منهم وعتوا "أو تأتينا آية" جحودا لأن يكون ما أتاهم من آيات الله، آيات، واستهانة بها : كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم أي : هذا الباطل الشنيع فقالوا : أرنا الله جهرة . وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت عليه تعنت على من قبله "تشابهت قلوبهم" أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد والتحكم على الأنبياء قد بينا الآيات لقوم يوقنون أي بالحق . لا تعتريهم شبهة ولا ريبة. وهذا رد لطلبهم الآية وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد التبيين المفصح عن كمال التوضيح ، مكان الإتيان الذي طلبوه ، ما لا يخفى من الجزالة . والمعنى أنهم اقترحوا آية فذة ، ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين . وإنما لم يتعرض لرد قولهم "لولا يكلمنا الله" إيذانا بأنه من ظهور البطلان بحيث لا حاجة له إلى الرد والجواب .
القول في تأويل قوله تعالى :

[119 ] إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم

إنا أرسلناك بالحق بشيرا بالثواب للمؤمنين "ونذيرا" بالعقاب للكافرين "ولا تسأل عن أصحاب الجحيم" ولا نسألك عنهم : ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك في دعوتهم ؟ كقوله : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب وفي التعبير عنهم بصاحبية الجحيم ، دون الكفر والتكذيب ونحوهما ، وعيد شديد لهم ، وإيذان بأنهم مطبوع على قلوبهم ، لا يرجى منهم الإيمان .

والجحيم ، من أسماء النار وتطلق على النار الشديدة التأجج ، وعلى كل نار بعضها فوق بعض ، وعلى كل نار عظيمة في مهواة ، وعلى المكان الشديد الحر .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.15 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.53 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.83%)]