عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 01-03-2022, 08:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القول البديع في علم البديع

القول البديع في علم البديع (5/8)
للعلامة الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي (1033هـ)


د. محمد بن علي الصامل





الفن الثاني في البديع المعنوي




وهو ما يرجع إلى تَحسين المعنى أوَّلاً وبالذَّات، وإن كان فيه ما يفيد تحسين اللفظ أيضًا كما أن اللفظي كذلك.





باب المطابقة




وتسمَّى[1]: الطباق، والتَّطبيق، والمقاسمة، والتَّكافُؤ، والتَّضادّ، وهي الجمع بين الشَّيء وضِدِّه كاللَّيل والنَّهار، والسَّواد والبياض في اسمين، نحو: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ}[2]، أو فعلين نحو: {يُحْيِي وَيُمِيتُ}[3]، أو مختلفين نحو: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ}[4]، أو حرفين نحو: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}[5] وهي المطابقة الخفية، فإن (لها) يقتضي أن يكون ملكًا تحت اليد، و(عليها) يقتضي العلو فكسبها تحت يدها، وما جنته عليها.

والطباق المعنوي كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي}[6]؛ لأنَّ القصاص الموت، فكأنه قال: الموت حياة، فهو طباق معنوي، وكذلك نحو: بدر وبحر لكون البدر يفهم منه العلو، والبحر يفهم منه السفل ونحوه:






أَغْرَقَ الدَّمْعُ مُقْلَةً أَدْخَلَتْنِي نَارَ وَجْدٍ مِنَ الجَوَى ذَاتَ وَقْدِ[7]




فإن أغرق ليس ضدًّا لأدخل إلاَّ باعتبار متعلقه وهو النار؛ لأن من دخلها احترق، والاحتراق ضد الغرق.

وإيهام المطابقة: وهو ما تقابل فيه اللفظ دون المعنى، نحو:






ضَحِكَ الصُّبْحُ فَأَبْكَى مُقْلَتِي حِينَ وَلَّى نَافِرًا عَنْ مَضْجَعِي[8]




فإنَّ الضَّحِك هنا ليس ضدَّ البكاء؛ لأنَّه كناية عن الضَّوء وكثْرته، والبكاء منسوب للمُقْلة فلا تضادَّ بين كثر وبكى، إلاَّ أنَّه من جهة اللَّفظ يوهم المطابقة، ونحو:





لا تَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ضَحِكَ المَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى[9]




أي: الرجل: [10أ/10ب].

والملحق بالمطابقة: نحو: {أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[10]؛ فإنَّ الرَّحمة وإن لم تكن مقابلة للشدَّة؛ لكنَّها مسبّبة عن اللين الذي هو ضدّ الشدَّة، ونحو:






إِذَا جَفَانِي بَذَلْتُ الرُّوحَ مُعْتَذِرًا لَهُ وَأَصْفَحُ عَنْهُ كُلَّمَا ظَلَمَا[11]




فالصفح ليس بينه وبين الظلم تضاد، وإنَّما ضدّ الظلم العدل، لكن الظلم جرم عظيم يستحق المؤاخذة.

وطباق السلب: وهو الجمع بين فعل مثبت ومنفي، أو أمر ونهي، بخلاف ما مرَّ، فإنه طباق إيجاب، نحو: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا}[12]، ونحو: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}[13]، ونحوه:






جَهِلَتْ سَلْمَى ومَا جَهِلَتْ سُوءَ حَالِي فِي مَحَبَّتِهَا
عَلِمَتْ قَتْلِي وَمَا عَلِمَتْ أَنَّهُ مِنْ نَبْلِ مُقْلَتِهَا[14]





واعلم أنَّ ما مَرَّ مطابقة غير مقابلة.

والمقابلة: أن تذكر لفظيْن أو أكثر، فإذا فرغت ذكرت الأضداد؛ كقوله تعالى: {كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ}[15]، وقوله: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا}[16]، والأكثر نحو:






مَا أَحْسَنَ الدِّينَ والدُّنْيَا إِذا اجْتَمَعَا وأَقْبَحَ الكُفْرَ والإِفْلاسَ بِالرَّجُلِ[17]




ونحو:





صُبْحُ اللِّقَا وَبَيَاضُ القُرْبِ غَالَهُمَا لَيْلُ القِلَى وَسَوَادُ البُعْدِ فَارْتحَلا[18]




فالمقابلة بين صُبْح ولَيْل، ولِقاء وقِلى، وبياض وسواد، وقُرْب وبُعْد.

ونحو:






لمَّا شَكَوْتُ إِلى لَيْلَى وَقَدْ هَجَرَتْ وَجْدِي إِلَيْهَا وَسُهْدِي فِي دُجَى الظُّلَمِ
قَالَتْ أَزُورُكَ فَافْرَحْ بِالوِصَالِ وَنَمْ فَلَمْ تَزُرْنِي ولَمْ أَفْرَحْ وَلَمْ أَنَمِ[19]





فقابل ثلاثةً لثلاثة، وهي مطابقة في النفْي.





باب مراعاة النظير




ويسمَّى[20]: التناسُب، والائتلاف، والتوفيق والمؤاخاة، وهو: ذكر لفظَيْن متناسبَيْن لا على جهة التضاد؛ ليخرج المطابقة، وهو أربعة أنواع:
المتناسب: وهو ذِكْر الشَّيءِ مع ما يناسبه؛ كالشَّمس والقَمر، والسَّحاب والمطر، ونحو:






قَدْ صَادَ قَلْبِي بِأَرْضِ التُّرْكِ ظَبْيُ نَقًا سُلْطَانُ حُسْنٍ بِآفَاقِ الجَمَالِ سَمَا
البَدْرُ طَلْعَتُهُ مِنْ شَعْرِهِ غَسَقٌ بِهِ تَنَفَّسَ صُبْحُ الثَّغْرِ فَابْتَسَمَا[21][10ب/11أ]






فالمناسبة بين ترك وسلطان، وأرْض وسماء، وسماء مع بدر، وغسق مع صبح[22].

والتفويف: وهو ذِكْر المتناسبَيْن في جُمل مُسْتوِية المقدار، أو قريبة الاستِواء.

سُمِّي بذلك من قولِهم: ثوب مفوف، وهو الذي فيه خطوط مستوية نحو:






رَشْقٌ بِلا أَسْهُمٍ، طَعْنٌ بِلا أَسَلٍ نَارٌ بِلا شُعَلٍ، زَهْرٌ بِلا شَجَرٍ[23]




ونحوه:





هِلالٌ إِذَا مَا لاحَ، غُصْنٌ إِذَا انْثَنَى نَسِيمٌ إِذَا مَا رَاحَ، بَدْرٌ إِذَا بَدَا[24]




وتشابُه الأطراف: وهو أن يَختم الكلام بِما يناسب المعنى المبتدأ به، نحو: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ}[25]، فإنَّ اللَّطيف يُناسب كوْنه غير مدرك، والخبير يناسب كوْنَه مدْرِكًا، ونحو: لم يَخَف الملوك، وتخافُه الملوك؛ لأنَّه لا ذنبَ له، ويصْدَع بالحقِّ، ونحو: {فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ}[26].

ومنه إعادة لفظ القافية في أول البيت الذي يليها، كقوْلِ ليلى[27] تمدح الحجَّاج[28]:






إِذَا نَزَلَ الحَجَّاجُ أَرْضًا مَرِيضَةً تَتَبَّعَ أَقْصَى [دَائِهَا][29] فَشَفَاهَا
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذِي بِهَا غُلامٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ سَقَاهَا
سَقَاهَا فَرَوَّاهَا بِشُرْبِ سِجَالِهِ دِمَاءَ رِجَالٍ يَحْلِبُونَ صَرَاهَا[30]





وإيهام النظير: وهو ذكر معْنيين غير متناسبَيْن بلفظَيْن متناسبَيْن، نحو: {الشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ}[31]؛ أي: النَّبات الَّذي لا ساق له، والشَّجر ما له ساق، فالنجم بهذا المعنى لا تناسب بينه وبين الشمس والقمر، لكنه قد يكون بمعنى الكوكب فيناسبهما، ونحو:





تَعَشَّقْتُهُ والمََيْلُ كَالغُصْنِ دَأْبُهُ وَقَدْ قَلَّ صَبْرِي مِنْ عَظِيمِ صُدُودِهِ
يَلُومُ أَبِي، وَالخَالُ وَالعَمُّ ضَائِعٌ كَمِسْكٍ حَوَاهُ مَاءُ وَرْدِ خُدُودِهِ[32]





فالخال يناسب العمَّ، لكن المراد خال الوجنة بدليل نسبة تضوُّع المسك إليه.

قلت: وهذا الباب والذي قبله [11أ/11ب] عندي الأولى ذِكْرُه في البديع اللَّفظي؛ لأنَّ تعلُّقه باللفظ أظْهر كما فعلت في الإرْصاد[33].







باب المشاكلة




وهي ذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه[34] صحبته تحقيقًا أو تقْديرًا، فالأوَّل كقوله:





قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا[35]




أي: خيِّطوا، فذكر الخياطة بلفظ الطبخ؛ لوقوعها صحْبة الطَّبخ، ونحو:





وَاطْعَنْ بِقَامَاتِ القُدُودِ وَبِالأَسَلْ[36]




فالطَّعْن لا يكون بالقامات، لكنَّه ذكر مُشاكلة، ومثله:





عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَماءً بَارِدًا[37]




ونحو: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}[38]، إن لم يُرِد بالنَّفس الذات[39].

والثاني نحو: {صِبْغَةَ اللهِ}[40]؛ أي: تطهير الله النُّفوس بالإيمان، فعَبَّرَ عن التطهير بالصبغ؛ لوقوعه معه في التقدير؛ لأنَّ النَّصارى كانوا يغمسون أولادَهم في ماء أصفر يسمُّونه المعمودية، ويقولون: الغَمس فيه تطهير لهم، ويقول مَن غمس ولده، الآن صار نصرانيًّا حقًّا.






باب العكس




ويسمَّى التبديل، وهو تقدُّم جُزْءٍ في الكلام ثم تأخُّره، فيقع بين المتضايِفَين، نحو:






فَاقْصِدْ رِيَاضَ الرُّبَا بِالخَيْفِ وَاسْقِ بِهِ رُبَا الرِّيَاضِ بِوُدٍّ مِنْكَ مُنْسَجِمِ[41]




ونحو: (عادات السَّادات سادات العادات)[42].

وبين العامل والمضاف إليه، نحو:






فَاحْمَرَّ بَعْدَ بَيَاضٍ خَدُّ ذِي خَجَلٍ وَابْيَضَّ بَعْدَ احْمِرَارٍ كَأْسُ سَاقِينَا[43]




وهو عجيب؛ لأن فيه رد الفعل مضافًا، والمضاف فعلاً.

وبين متعلقي فعل، نحو: {يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ}[44].

وبين طرفي جملتَيْن، نحو: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}[45].

وبين فعل وفاعل، نحو: قام زيد، وزيد قام.




يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.31%)]