عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 01-03-2022, 08:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,253
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القول البديع في علم البديع

القول البديع في علم البديع (4/8)
للعلامة الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي (1033هـ)


د. محمد بن علي الصامل



باب الاحتباك[1]

وهو أن تَحْذِفَ من الأوَّل ما أثبتَّ نظيره في الثاني ومنَ الثَّاني ما أثبتَّ نظيرَه في الأوَّل؛ كقوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ}[2]، حذَف عليهم لإثْبات نظيرِه وهو عليْهِنَّ، وحذف لهُم الإثبات نظيره وهو لهنَّ، وقوله: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}[3]، حذَف من الأوَّل مؤمنة نظير كافِرة في الثَّاني، ومن الثَّاني تُقاتل في سبيل الشَّيطان نظير في سبيل الله.

ونحو:

وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ[4]

حذَف من الأوَّل انتِفاضة، ومن الثَّاني هزَّة.
باب الاكتفاء

عَرَّفه ابنُ رشيق[5]: هو أنْ يدُلَّ موْجود الكلام على محذوفِه[6]، و هو ما دلَّ عليْه بدلالةٍ لفظيَّة، وهو نوع من الإيجاز، لكنَّه أخصُّ منه؛ إذِ الإيجاز ما دلَّ عليه بدلالةٍ إمَّا لفظيَّة، نحو: {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}[7]؛ أي: صالحةٍ بدليل (أن أعيبَها)، وأنَّه قرئ[8] كذلك، أو عقليَّة نحو: {وَاسْأَلِ القَرْيَةَ}[9]؛ أي: أهلها؛ لامتِناع توجُّه السُّؤال لها عقلاً، فكلُّ اكتِفاء إيجازٌ ولا عكْس، وقيل[10]: إنَّهما متَّحدان، وعلى تسليمِه فالإيجاز من مباحث عِلم المعاني، والاكتِفاء من مقولات فنِّ البديع، ولا يعترض على أهل فنٍّ باصطِلاح غيرِهم، فمن الاكتِفاء قولُه تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ}[11]؛ أي: والبرد حذفه اكتِفاءً، وقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى}[12]؛ أي: لكان هذا القرآن، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[13]؛ أي: أعْرَضوا، وقوله: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا}[14]، أي: فأرسلوني إلى يوسف لأسْتَعْبِره الرؤيا، فأرسلوه فأتاه فقال: أيُّها الصديق، وحديث [7أ/7ب] البخاري[15] عن نافع[16] عن ابنِ عمر[17]: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}[18] قال يأتيها في...، قال الزركشي[19]: كذا[20] الرواية، وكأنَّه أسْقَط الباقي وهو الدُّبر لاستِنْكاره، ومِن الغريب أنَّ عُلماء البديع[21] مثَّلوا لِلاكتِفاء الَّذي هو من مَحاسن الكلام بما منع بعضَه جماهيرُ[22] النُّحاة، كحذْف الفاعل في قوله:
فَقُلْتُ لَهُمْ لَوْ كُنْتُ أَضْمَرْتُ تَوْبَةً وَعَايَنْتُ هَذَا فِي المَنَامِ بَدَا لِي[23]

أي: نقْضُها، وحذْف المجرور في قولِه:
.... .... .... ..... إِنْ غَابَ عَنْ إِنْسَانِ عَيْنِي فَهْوَ فِي[24]

أيْ في قلبي، وقوله:
أَذْكُرُ ثَغْرًا لَهَا فَأَسْكَرُ مِنْ وُرُودِ خَدٍّ لَهَا فَأَرْتَعُ فِي[25]

أي من خمر في روض، وحذف الصِّلة[26] في قوله:
وانْفَعْ صَدِيقَكَ إِنْ صَدَقْتَ وِدَادَهُ وَادْفَعْ عَدُوَّكَ بِالَّتِي فَإِذَا الَّذِي[27]


وحذف مجزوم لم في قوله:
أَنا مُحِبُّكَ حَقًّا إِنْ كُنْتَ فِي القَوْمِ أَوْ لَمْ[28]


والجواب: أنَّ ذلك لا يُخرجه عن كوْنِه بديعًا وأنَّه من المحسِّنات، لكن لا يُوصَل إليْه إلاَّ بارتِكاب ذلك المحْظور عند النُّحاة دون أهل البديع؛ لأنَّ البديعيَّ إنَّما يبحث عن وجوه تَحسين الكلام بعد رعاية مطابقتِه لمُقْتَضَى الحال كما مرَّ[29].

وقد أُولع المتأخِّرون[30] بهذا النوع، وخلطوه بالتَّورية، فحسن في الذَّوق، ولطُف في السَّمع، وبالغوا حتَّى حذفوا بعضَ الكلِمة نحو:

يَا مُتْهِمِي بِالسُّقْمِ كُنْ مُنْجِدِي وَلا تُطِلْ رَفْضِي فَإِنِّي عَلِي (ل)
أَنْتَ خَلِيلِي فَبِحَقِّ الهَوَى كُنْ لِشُجُونِي رَاحِمًا يَا خَلِي (ل)[31]


ونحو:
مَنْ عَاذِرِي فِي عَاذِلٍ يَلُومُ فِي حُبِّ رَشَا
إِذَا طَلَبْتُ وَصْلَهُ قَالُوا كَفَى بِالدَّمْعِ شَا (غِلا) أو (هِدا)[32]

ونحو:
أَقُولُ وَقَدْ جَاءَ الغُلامُ بِصَحْنِهِ عُقَيْبَ طَعَامِ الفِطْرِ يَا غَايَةَ المُنَى
بِعَيْشِكَ حَدِّثْنِي بِصَحْنِ قَطَايِفٍ وَبُحْ بِاسْمِ مَنْ تَهْوَى وَدَعْنِي مِنَ الكُنَى[33]

ونحو:
نَوَاعِيرٌ نَعَتْ لِي رَشًا لِلْقَلْبِ رَاعِي
فَهَامَ القَلْبُ مِنِّي عَلَى حُسْنِ النَّوَاعِي (ر)[34]

ونحو:

طِيبُ نَشْرٍ قَدْ أَتَانَا مِنْكُمُ يَا لَقَوْمِي إِنَّ هَذَا النَّشْرَ طَيْ [7ب/18]
قَرُبَتْ نَحْوِي، وَقَالَتْ: يَا تُرَى أَنْتَ حَيٌّ فِي هَوَانَا قُلْتُ: مَيْ [35] (ت)


ومنه[36]:

عَنْ دَمِي خَدُّكَ هَذَا العَنْدَمِيُّ سَلْهُ وَاحْكُمْ بَيْنَنَا يَا مُؤْتَمنْ
قَالَ مَا هَذَا دَمِي؟ قُلْتُ فَمَا؟ قَالَ هَذَا صِبْغَةُ اللَّهِ وَمَنْ[37]


ونحو:
يَا ذَوَاتِ الخَالِ قَلْبِي مُفْتَتَنْ آهِ مِنْ خَالٍ بِقَلْبِي قَدْ سَكَنْ
جَاءَ كَالسَّائِلِ دَمْعِي وَإِذَا صَدَقَ السَّائِلُ لا أَفْلَحَ مَنْ[38]

ونحو:
لا تَحْمِلَنْ إِهَانَةً مِنْ صَاحِبٍ وَإِنْ عَلا
فَمَنْ أَتَى فَمَرْحَبًا وَمَنْ تَوَلَّى فإِلَى[39]

ونحو:
وَأَعْجَبُ مَا أُحَدِّثُ عَنْهُ أَنِّي فُتِتْتُ بِهِ وَلا يَدْرِي بِأَنِّي[40]

ونحو:
وَجْهٌ يَفُوقُ الهِلالَ حُسْنًا ويُخْجِلُ البَدْرَ إِنْ تَجَلَّى
يَقُولُ فِي الحَالِ مَنْ يَرَاهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ[41] [الله][42]

ونحو:
يَا جَاهِلاً عَابَ شِعْرِي فَكَدَّ قَلْبِي وَآلَمْ
عَلَيَّ نَحْتُ القَوَافِي وَمَا عَلَيَّ إِذَا لَمْ[43]

ونحو:

أَمَا الغُصْنُ مِنْ مَاءِ الشَّبِيبَةِ مُرْتَوٍ فَيَا خَصْرَهُ المَمْشُوقَ لِمْ تَشْتَكِي الظَّمَا
حَمَى ثَغْرَهُ عَنِّى بِصَارِمِ لَحْظِهِ فَلَوْ رُمْتُ تَقْبِيلاً لِذَاكَ اللَّمَى لَمَا[44]


وأشعارهم في ذلك كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية وتمرين.
باب التضمين

وهو عند النَّحويين[45]: إعْطاء فعلٍ معنى فعلٍ آخَر، نحو: {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا}[46]؛ أي: خسِرتْ؛ ولهذا انتصب المفعول به.

وعند أهْل العروض[47]: أن يكون معنى البَيْت متوقِّفًا على الَّذي بعده، وهو من عيوب القافِية نحو:

وَهُمْ وَرَدُوا الجِفَارَ عَلَى تَمِيمٍ وَهُمْ أَصْحَابُ يَوْمِ عُكَاظَ إِنِّي
شَهِدْتُ لَهُمْ مَوَاطِنَ صَادِقَاتٍ شَهِدْنَ لَهُمْ بِصِدْقِ الوُدِّ مِنِّي[48]


وعند أهل البديع[49]: أن يضمِّن كلامَه شيئًا من كلامِ غيرِه.

فإن كان التَّضمين بيتًا أو أكْثر فاستِعانة؛ لأنَّه اسْتعان به، كقولي من قصيدة:

تَأَخَّرَ لا ذَنْبًا جَنَاهُ وَلا أَتَى وَحُقَّ لَهُ أَنْ يُنْشِدَ الآنَ مَعْلَمَا
كَأَنِّيَ مِنْ أَخْبَارِ (إِنَّ) وَلَمْ يُجِزْ لَهُ أَحَدٌ فِي النَّحْوِ أَنْ يَتَقَدَّمَا[50]

وإن كان التَّضمين نصفَ بيتٍ فأقلّ، فإيداع ورفو؛ لأنَّه أوْدع [18أ/8ب] شِعْره كلامًا آخر ورفاه به، ولا بدَّ من التَّنبيه على أنَّه ليس من شِعْره إلاَّ أن يكون مشهورًا عند أهْل هذا الشَّأن، كقولي من قصيدة:
فَمَالَتْ وَقَدْ قَالَتْ مَعَ الغَيِّ وَالصِّبَا (هَوَى كُلِّ نَفْسٍ أَيْنَ حَلَّ حَبِيبُهَا)[51]

وقولي:
وَفِي مَذْهَبِي أَنْ لَيْسَ فِي الحُسْنِ مِثْلُهُ وَأَنِّي لَهُ فِي مَذْهَبِ الحُبِّ ذَاهِبُ
فَتَقْلِيدُهُ حُبِّي وَعِشْقِيهِ مَذْهَبِي (وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ)[52]

وإن كان من القُرآن أو الحديث أو غيرِهما فاقْتِباس، بشرْطِ قطْعِ النَّظَر عن كونه بلَفْظِ المقتبس منه، فلا يَضير تغيير[53] ألفاظِ القُرآن أو نقْلها من معنًى إلى معنًى آخَر في الاقتِباس، نحو:
قَدْ كَانَ مَا خِفْتُ أَنْ يَكُونَا إِنَّا إِلى اللَّهِ رَاجِعُونَا[54]

ونحو:
حَسَنَاتُ الخَدِّ مِنْهُ قَدْ أطَالَتْ حَسَرَاتِي
كُلَّمَا سَاءَ فِعَالاً قُلْتُ إِنَّ الحَسَنَاتِ[55]

ونحو:
قَالَ لِي إِنَّ رَقِِيبِي سَيِّئُ الخُلْقِ فَدَارِهْ
قُلْتُ دَعْنِي وَجْهُكَ الجَنْ نَةُ حُفَّتْ بِالمَكَارِهْ[56]

ونحو:
بِرُوحِي أُفَدِّي كَالغَزَالِ مُحَدِّثًا إِلَى حُسْنِهِ لَحْظِي لَعَمْرُكَ مُرْسَلُ
وَصَبْرِي عَلَيْهِ ذَابِلٌ مِثْلُ طَرْفِهِ وَنَوْمِيَ مَرْفُوعٌ وَدَمْعِي مُسَلْسَلُ[57]

وإن جعل معنى الشِّعْر نثرًا فهو الحَلّ؛ لأنَّه حلَّ معناه نثرًا بعد أن كان نظْمًا، وإن كان فيه إشارة إلى قصَّة، أو شعر مشْهور، أو مثَل سائر، فتلْميح بتقديم اللام على الميم، أو تمْليح بتقديم الميم، ورُدَّ بأنَّ التَّمليح الإتْيان بالشَّيء المليح كالتَّشبيه والاستِعارة، نحو:
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَأَحْلامُ نَائِمٍ أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ[58]

إشارة إلى قصَّة يوشع - عليه السَّلام - ووقوف الشَّمس له.

وكقولي:

يَرُومُ العَاذِلُونَ سُلُوَّ شَمْسٍ نَأَتْ عَمْدًا وَقَدْ زَادَ الوِدَادُ
أَيُمْكِنُ فِي الغَرَامِ سُلُوُّ صَبٍّ يَحِلُّ لِسَمْعِهِ بَانَتْ سُعَادُ[8ب/9أ][59]

ونحو:
رُحْتُ أَبْكِي بِرَبْعِ مَيِّتِ صَخْرٍ لَمْ يُجِبْنِي كَأَنَّنِي الخَنْسَاءُ[60]

إشارة إلى الخنْساء[61] الَّتي ضُرِبَ بِها المثَل؛ لكثْرة مراثِيها في أَخيها صَخْر.

وإن كان فيه التَّنبيه على ما أخذته منْه، من قُرآن أو حَديثٍ أو مثَل، بنحو قال أو يقول، ما لم يشتهر، فهو العقد، نحو:

لَقَدْ قَالَ رَبُّكَ فِي ذِكْرِهِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ[62]

ونحو:
فَلَقَدْ يَقُولُ المُصْطَفَى خَيْرُ الوَرَى العُسْرُ شُؤْمٌ وَالسَّمَاحُ رَبَاحُ[63]

وكقوله:
يَا أَيُّهَا الشَّيْخُ الأَسَنّ وَطَالِبًا عِلْمَ السُّنَنْ
هَلاَّ اشْتَغَلْتَ فِي الصِّبَا الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنْ[64]

باب حسن الابتداء والختام والمخلص

ينبغي للمتكلِّم التأنُّق - أي: المبالغة في الحُسْن - في ثلاثةِ مواضع، أحدُها: الابتداء؛ لأنَّه أوَّل ما يقْرع السَّمع، فيأتي فيه بِما يُناسب المقام، ويسمَّى براعة الاستِهْلال، كقولِه في التَّهْنِئة:

بُشْرَى فَقَدْ أَنْجَزَ الإِقْبَالُ مَا وَعَدَا وَكَوْكَبُ السَّعْدِ فِي أُفْقِ العُلا صَعِدَا[65]

وقوله في دار:
قَصْرٌ عَلَيْهِ تَحِيَّةٌ وَسَلامُ خَلَعَتْ عَلَيْهِ جَمَالَهَا الأَيَّامُ[66]


وقوله في المراثي:

عِشْ مَا تَشَاءُ فَإِنَّ آخِرَهُ الفَنَا والمَوْتُ مَا لا بُدَّ عَنْهُ وَلا غِنَى[67]


ونحو:

هَلْ إِلَى أَنْ تَنَامَ عَيْنِي سَبِيلُ إِنَّ عَهْدِي بِالنَّوْمِ عَهْدٌ طَوْيلُ[68]


ونحو:

لمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الغِنَى وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي
فَلا أَنا مِنْهُ مَا اسْتَفَادَ ذَوُو الغِنَى أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَأَتْلَفْتُ مَا عِنْدِي[69]

وإذا نظرتَ إلى فواتح السُّور رأيتَها على أحسن أسلوب من البلاغة والتفنُّن في الفصاحة.

ثانيهما: المخلص:
وهو أن يتخلَّص النَّاظم أو النَّاثر من معنًى إلى آخَر بِأَلْطف عبارة، كأن يتخلَّص من غزَل، أو فخْر، أو وصْف روْضٍ، أو طلَل بال، أو رَبْع خالٍ إلى مدْح، أو هجْو، أو وصْف حرب، أو غير ذلك، وهو من أجلِّ المحاسن، ودليلٌ على رسوخ [9أ/9ب] القدَم في البلاغة، وقدِ اعْتنى به المتأخِّرون دون العرب؛ لا لِعَجْزهم، بل كانوا يؤْثِرون عدم التكلُّف، ولا يرتكِبون من فنون البديع إلاَّ ما خَلا عن التعسُّف، وإلاَّ فَهُم أهلُ هذا الشَّأن، والسَّابقون بالمعاني الحِسان، نحو:

أَجِدَّكِ مَا تَدْرِينَ أَنْ رُبَّ لَيْلَةٍ كَأَنَّ دُجَاهَا مِنْ قُرُونِكَ يُنْشَرُ
سَرَيْتُ بِهَا حَتَّى تَجَلَّتْ بِغُرَّةٍ كَغُرَّةِ يَحْيَى حِينَ يُذْكَرُ جَعْفَرُ[70]

فانظُر إلى هذا المخلص السَّهل الذي لا يشعُر سامعه إلاَّ وقد وقع في المعنَى الثَّاني، مع سهولة الألفاظ، وكقوله في مدْح منْصور:
لَمَّا رَأَتْ أَدْمُعِي جَادَتْ سَحَائِبُهُ وَدُرُّهُ لِنِظَامِ العِقْدِ مَنْثُورُ
قَالَتْ فَدَيْتُكَ كَمْ جُودٍ؟ فَقُلْتُ لَهَا مَقَالَةً مَا بِهَا مَيْنٌ وَلا زُورُ
إِنَّ البَخِيلَ لَمَخْذُولٌ وَإِنْ كَثَُرَتْ أَنْصَارُهُ وَحَلِيفُ الجُودِ مَنْصُورُ[71]

ثالثُها: الختام:
وهو أن يأتِي في كلامِه بأحسن خاتِمة، فإنَّها آخِرُ ما تبقى من الأسماع، وربما حُفِظتْ دون سائر الكلام، وربَّما جَبَرَت ما سبق من التَّقْصير وإلاَّ كان بالعكْس، وربَّما أنسي المحاسن كقَوْل بعضِهم[72] في آخر كتاب وصيَّة على أيتام مات والدُهم: لا زال مولانا عاقلة الدَّهر إن جُنِيَ على أوليائِه وَدَاهُم[73]، ولا عدِموه منعمًا إن سألوه أعْطاهم، وإن لم يسألُوه بداهم، وكقوْل أبي نواس[74] في خصيب[75] عامل مصر:

أَنْتَ الخَصِيبُ وَهَذِهِ مِصْرُ فَتَدَفَّقَا فَكِلاكُمَا بَحْرُ
لا تَقْعُدَا بِي عَنْ مَدَى أَمَلِي شَيْئًا فَمَا لَكُمَا بِهِ عُذْرُ
وَيَحِقُّ لِي إِذْ صِرْتُ بَيْنَكُمَا أَلاَّ يَحِلَّ بِسَاحَتِي فَقْرُ[76]


وقوله فيه أيضًا:
وَإِنِّي جَدِيرٌ إِذْ بَلَغْتُكَ بِالمُنَى وَأَنْتَ بِمَا أَمَّلْتُ مِنْكَ جَدِيرُ
فَإِنْ تُولِنِي مِنْكَ الجَمِيلَ فَأَهْلُهُ وَإِلاَّ فَإِنِّي عَاذِرٌ وَشَكُورُ[77]

وكقول أبي تمَّام في فتح عمُّورية:
إِنْ كَانَ بَيْنَ لَيَالِي الدَّهْرِ مِنْ رَحِمٍ مَوْصُولَةٍ وَذِمَامٍ غَيْرِ مُنْقَضِبِ
فَبَيْنَ أَيَّامِكَ اللاَّتِي نُصِرْتَ بِهَا وَبَيْنَ أَيَّامِ بَدْرٍ أَقْرَبُ النَّسَبِ[78]

وكقول المتنبي لسيف الدَّولة وقد ذكر الخيل [9ب/10أ]:
فَلا هَجَمْتَ بِهَا إِلاَّ عَلَى ظَفَرٍ وَلا وَصَلْتَ بِهَا إِلاَّ إِلَى أَمَلِ[79]


وقوله:
فَلا حَطَّتْ لَكَ الهَيْجَاءُ سَرْجًا وَلا ذَاقَتْ لَكَ الدُّنْيَا فِرَاقَا[80]


وقوله:

أَخَذْتَ عَلَى الأَرْوَاحِ [81] كُلَّ ثَنِيَّةٍ مِنَ العَيْشِ تُعْطِي مَنْ تَشَاءُ وَتَحْرِمُ
فَلا مَوْتَ إِلاَّ مِنْ سِنَانِكَ يُتَّقَى وَلا رِزْقَ إِلاَّ مِنْ يَمِينِك يُقْسَمُ[82]


وجميع خواتم السور في غاية الحسن ونهاية الكمال لمن تدبَّر.

ــــــــــــــــــــــ
[1] لإبراهيم بن عمر البقاعي (885هـ) كتاب اسمه (الإدراك لفن الاحتِباك)، ذكره في "نظم الدُّرر" 1/225، وانظر: "مجلة آفاق الثقافة والتراث" س3، ع9، المحرم 1416هـ.
[2] سورة البقرة؛ الآية: 228.
[3] سورة آل عمران؛ الآية: 13.
[4] من الطويل، ورد في "طراز الحلَّة"؛ للرعيني دون عزو، وعزاه شهاب الدين الحلبي في "حسن التوسل" 164؛ لأبي صخر الهذلي، وانظر: "نهاية الأرب" 7/75، وانظر: "شرح ديوان الهذليين" 2/95 مع اختلاف في رواية الشطر الأول، وانظر: "خزانة الأدب"؛ للبغدادي 3/254، وانظر: "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" 3/271، فقد ذكر عددًا من المصادر ورد البيت فيها.
[5] هو الحسن بن رشيق القيرواني (390- 463هـ) شاعر، كاتب، ناقد، له عددٌ من المصنَّفات البلاغيَّة والنقديَّة منها: العمدة، وقراضة الذهب، والأنموذج، انظر: وفيات الأعيان 2/85- 89.
[6] جعله ابن رشيق نوعًا من المجاز والإيجاز، ووصفه ابن رشيق بقوله: "يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي على الذاهب"، انظر: العمدة 1/433.
[7] سورة الكهف؛ الآية: 79.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.45 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.74%)]