القول البديع في علم البديع (1/8)
للعلامة الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي (1033هـ)
د. محمد بن علي الصامل
طريقة عرض فنون البديع عند المؤلف:
التزم المؤلف - رحمه الله - بِذِكْر لفظة (باب) قبْل جلِّ الفنون التي ذكرها، إلاَّ أنَّه خالف ذلك حين جعل (تأكيد المدح بما يشبه الذَّمَّ) بابًا، فلمَّا انتهى منه، قال: ومنه، ثم ذكر[33] (تأكيد الذم بما يشبه المدح)، وهما بابان عند البلاغيين.
وفي آخر الكتاب، وبعد أنِ انتهى من باب الاستخدام، قال: "ومن أنْواع البديع" ثم ذكر[34]: نفي الشَّيء بإيجابه، والسلب والإيجاب، والتَّرشيح، ولعلَّه تنبَّه لها بعد أنِ انتهى من كتابه ثم أضافها.
أمَّا إدراجه بعض الفنون على أنَّها أقسام لبعض الأنواع البديعيَّة، مع أنَّها وردت عند عدد من البلاغيِّين منفصِلة، فهذا كثيرٌ عنده، سأشير إليْه بعد قليل حين أتحدَّث عن تقسيمه للأنواع البديعيَّة.
طريقة ترتيب فنون البديع عنده:
ليس للمؤلِّف طريقة محدَّدة في ترتيب فنون البديع، وتقديم بعضها على بعض، اللَّهُمَّ إلا فصل البديع اللفظي عن المعنوي.
ومع ذلك، فقد كان يعرض بعض الفنون المتقاربة بجوار بعض، كما في الجمع والتفريق والتقسيم، أو التَّكميل والاحتِراس.
المصطلح:
عُنِي المؤلف في بعض المواضع بذِكر مصطلحات أُخْرى للفن البديعي الذي يتحدث عنه، ولم يكن يوازن بين هذه المصطلحات، أو يرجِّح بعضها؛ فقد ترجَّح عندي أنَّه في ذِكْرِه لتلك المصطلحات كان متأثِّرًا بابن أبي الإصبع، وابن قرقماس.
وكنت أظن أنَّ المؤلِّف سيناقش بعض المصطلحات التي أبدى بعضُ البلاغيين اعتراضَه عليها، كما حصل من بهاء الدين السبكي في مصطلح (التشريع)، إلاَّ أنِّي لم أجد للمؤلف مناقشة، على الرَّغم من إسهامه الكبير في التَّأليف في الموضوعات التشريعية.
التعريف:
دأب المؤلِّف على اختيار التعريفات السَّهلة الواضحة الموجزة التي تحدد مفهوم النوع البديعي.
وقد يورد - أحيانًا - تعريفاتٍ يفهم منها أنَّها خاصَّة بالشعر، ومع ذلك يذكر لها أمثلة من القرآن الكريم، كما حصل في بابي: التخْيِير[35] والاتِّساع[36]، وكان عليه إمَّا إعادة صياغة التعريف، أو الالتزام بدلالته وعدم التَّمثيل لذلك النوع بالشعر.
التفريق بين المتشابهات:
ينبِّه المؤلف - رحمه الله - على وجود تشابه بين بعض الفنون البديعية، ويبين الفرق بينها، كما هو الحال في:
تفريقه بين: التوشيح والتصدير[37]، والإيضاح والتفسير[38]، والتكميل والتتميم[39]، والتهكم والهجاء[40]، والهزْل الَّذي يُراد به الجدّ والتهكُّم[41].
وقد يشير إلى التَّشابُه دون أن يذكر التَّفريق بينها، كما حصل في باب التقسيم[42]؛ إذ ذكر أنه يشبه التفويف، ولم يبين ما بينهما من فرق.
وقد تتداخَلُ عنده بعضُ الأنواع، كما حصل بين التَّضْمين والعقد، أو الاقتباس والتضمين، وربَّما كان ينطلق من رؤيته في أنَّهما يندرجان في باب واحد.
التقسيم:
مع أنَّ كتابه مختَصَر، إلاَّ أنَّه حرص على تَحديد أقسام كثير من الأنواع، كما حصل في التوشيع؛ إذْ قسَّمه إلى: ما دلالته لفظيَّة، وما دلالته معنويَّة.
وتقسيمه للتَّورية، وللإفراط بالصِّفة، والتَّضمين.
وقد ينطلق في هذا التقسيم من رؤيته في جَمع عدد من الفنون البديعيَّة في باب واحد، كما حصل في باب التَّضمين؛ إذْ جعل منه: الاقتِباس، والرَّمْز، والإيداع، والاستِعانة، والتلميح، وهذا ملحظ جيد من المؤلف - رحمه الله - إذْ إنه جمع للأنواع التي يمكن أن تنضوي تحت باب واحد.
الشواهد والأمثلة:
مع صغر حجم الكتاب، وتصريح المؤلِّف برغبته في الاختصار، إلاَّ أنَّه يشتمل على عدد طيب من الشواهد والأمثلة: من كتاب الله العزيز، ومن حديث المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - ومن أقوال العرب وأشعارهم، ويمكن تدوين الملحوظات التالية على شواهده وأمثلته:
1- أنه - كغيره من المؤلفين - يقتصر على جزء من الآية حين يذكرها، ويقتصر على موضع الشاهد فحسب.
2- قلَّة استشهاده بالحديث مع اشتِغاله بعلومه، والأنكى من ذلك أنَّه قد يعتمِد في ذكر شاهد من الحديث على نقْله عن كتاب بلاغي، كما حصل في نقْلِه عن ابن أبي الإصبع المصري.
3- لم يَحرص المؤلِّف على نسبة كثير من الشَّواهد لأصحابها، وقد عانيت من ذلك كثيرًا، حتَّى يسَّر الله لي معرفة المصادر التي اعتمد عليها دون أن يصرِّح بها.
ومن الغريب أنَّه قد يسمِّي الممدوح بالأبيات، ولا يسمِّي صاحب الأبيات، كما حصل في باب (المخلص)؛ ولعلَّ السبب أنَّها لابن قرقماس، الَّذي أكثر من الاستِشْهاد بشعره دون أن يُسَمِّيه؛ خشية أن يؤدِّي ذلك إلى اكتشاف مصدره! أو لعلَّه لسبب آخر لا أعلمه.
4- كثرة استشهاده بشعر ابن قرقماس، وفد أفاد ذلك من كتاب "زهر الربيع"، الَّذي ألَّفه ابن قرقماس وضمَّنه من شعره شواهدَ على جُلِّ فنون البديع، بل إنَّ المؤلف - رحمه الله - كان يستند إلى أشعار ابن قرقماس، فينثُر بعضها، ويجعلها أمثلة مصنوعة، ويأخذ موضع الشاهد من بعضها ويعيد نظمها، ويبدو لي أنَّ كلَّ الأبيات التي لم أتمكَّن من معرفة قائلها إمَّا أن تكون لابن قرقماس، أو تكون للمؤلِّف؛ لأنَّه تصرَّف في نظْمِها بعد أن أفاد من شعر صاحبه فيها.
5- حين يلقي القارئ نظرة على أصْحاب الشواهد الشعرية - بعد أن يسَّر الله لي معرفة معظمِها - فإنَّه يستطيع الحكم على جودتِها الفنِّيَّة بصفة عامَّة؛ لأنَّها تضمنت شواهد لفحول الشعراء في العصور المختلفة، إلاَّ أنَّ بعضها - وبخاصَّة أبيات ابن قرقماس - يظهر على كثير منها التكلُّف والصنعة.
6- قد يعتمد على أحد مصادره في نقل الشاهد، ولكنَّه يغيِّر في الشاهد تغييرًا يفقد البيت صحَّة الاستشهاد به، كما حصل في باب التَّوليد؛ إذ غيَّر لفظة في بيت ابن أبي الإصبع هي موضع الشَّاهد.
وقد يتصرَّف المؤلف في نقل مناسبة الشاهد؛ لرغبتِه في مخالفة المصْدر، كما حصل في باب الهجاء في معرض المدْح، إذ ذكر بيتَي ابن سناء الملك:
لَوْ شَاءَ مِنْ رِقَّةِ أَلْفَاظِهِ أَلَّفَ مَا بَيْنَ الهُدَى وَالضَّلالِ
يَكْفِيكَ مِنْهُ أَنَّهُ رُبَّمَا قَادَ إِلَى المَهْجُورِ طَيْفَ الخَيَالِ
وسكت عن ذكر المناسبة، مع أن مصدره الذي اعتمد عليه جعل البيتين في وصف (قوَّاد)! وربَّما أراد التورُّع في ترك ذلك، وقد بيَّنت في التحقيق أنَّ المناسبة التي ذكرها ابن أبي الإصبع غير صحيحة؛ فالبيتان في وصْف صديق مصلح، وليس في قوَّاد، بدليل أنَّ البيت الذي قبلهما:
لِي صَاحِبٌ أَفْدِيهِ مِنْ صَاحِبٍ حُلْوُ التَّأَنِّي حَسَنُ الاحْتِيَالِ
وقد ورد نصٌّ في ديوان ابن سناء الملك يبيِّن أنَّ المناسبة في صديق مصلح، وعلى هذا فلا يصح الاستِشْهاد بهذه الأبيات في هذا الباب؛ فليست في الهجاء كما زعَم ابن أبي الإصبع وتابَعَه المؤلِّف.
7- كثرة شواهد الغزل، وخلوها من المعاني الفاحشة، والألفاظ النابية، إلاَّ في مواضع يسيرة، مما فيه تغزُّل بالغلمان.
الإيطاء وجناس القافية عند المؤلف:
عرض المؤلف - رحمه الله - في مقدمة حديثه عن الجناس، للحديث عن الإيطاء، وذكر رأي مَن قال: إنَّ الإيطاء من عيوب القوافي، وإن اختلف معنى الكلمة، وعقَّب على ذلك بقوله: "وهذا يؤدِّي إلى سد باب كبير من أبْواب البلاغة، وهو غالب الجناس المماثل"[43].
وهذا الموقف من المؤلِّف ممَّا يُحْمَد له، بل إنَّ هذه الظَّاهرة تعدُّ نوعًا مستقلاًّ من أنواع الجناس، سمَّاه المظفر العلوي: تجنيس القوافي، وذكر له[44] شواهدَ كثيرةً لم يعبها أحد من النقاد؛ بل إن المظفر أورد أبياتًا منسوبة للخليل بن أحمد نفسه، قافيتها كلمة (الغروب)؛ ممَّا يدحض الرَّأي المنسوب للخليل بأنَّه يرى أنَّ إعادة الكلمة يكون إيطاء، وإنِ اختلف معناها!
وحين يطَّلع القارئ على كثيرٍ من القصائد التي اشتملت على بعض الألفاظ المشتركة، ومجيء صورة الكلمة واحدة، ولها دلالات متعدِّدة كما في كلمة (العجوز)[45]، أو (عين)[46]، أو (الهلال)[47]، أو (دار)[48]، حين يفعل ذلك، يعلم أن ذلك مما يعد من مظاهر ثراء اللغة وجمالها، وهذا يتَّفق مع رأي المؤلف مرعي حين ذكر أن جَعْلَ ذلك من الإيطاء يسد بابًا كبيرًا من أبواب البلاغة.
مصادره:
أفاد المؤلف من مصادر متعددة، فصرَّح بالنقْل عنْها والإحالة عليْها، كما أفاد بصورة خاصَّة من مجموعة من المصادر لم يصرح بالنقْل عنها، ولم يشر إلى أخذه منها، وبيان ذلك على النحو التالي:
أوَّلاً: المصادر التي صرَّح بذكرها:
التزم المؤلف - رحمه الله - بذِكْر اسم العالِم الذي أخذ رأيَه، أو أحال عليْه، دون أن يحدِّد اسم الكتاب، إلاَّ في موضع واحد حين سمَّى كتاب "التلخيص" للخطيب القزويني؛ ولهذا فسأعرض من أشار إليهم، مرتَّبين حسب تواريخ وفيَاتهم.
1- الخليل بن أحمد (175هـ): نقل[49] رأيه في الإيطاء، حيث جعل المؤلف ذلك مقدمة للحديث عن الجناس.
2- أبو الحسن الأخفش (215هـ): ذكر[50] رأيه في الإيطاء كذلك.
3- عبدالله بن المعتز (296هـ): ذكر[51] تسميته لتأكيد المدح بما يشبه الذم.
4- أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (386هـ): أحال[52] عليه في موضعين في بابي: الجناس، والازدواج.
5- أبو الفتح عثمان بن جني (392هـ): ذكر[53] رأيًا له ممن تحدَّث عن المدح في صورة الذم.
6- الحسن بن رشيق (463هـ): أورد[54] تعريفه للاكتفاء.
7- ابن القطاع (515هـ): ذكر[55] تغليط ابن القطاع لرأي الخليل في الإيطاء.
8- جار الله الزمخشري (538هـ): نقل قوله: "ولا نرى بابًا في البيان أدق، ولا ألطف من هذا الباب (يعني: التورية)، ولا أنفع منه، ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله - تعالى - وكلام رسوله، وكلام أصحابه"[56].
9- أبو يعقوب السكاكي (626هـ): أحال المؤلف على قوله في باب التوجيه: "ومنه متشابهات القرآن"[57].
10- ضياء الدين بن الأثير (637هـ): ذكر[58] تسميته للتشريع توشيحًا.
11- ابن أبي الإصبع المصري (654هـ): أورد[59] تعليقه على أحد شواهد الاطراد.
ومع أنَّ المؤلف اكتفى بالإحالة على ابن أبي الإصبع مرَّة واحدة، إلاَّ أنَّه أفاد منه في مواضعَ كثيرةٍ في كتابه، كما سنعرف بعد قليل.
12- بدر الدين بن مالك (686هـ): نقل[60] عنه تعريفًا للإدماج.
13- الخطيب القزويني (739هـ): وهذا الموضع الوحيد الذي يُحيل على كتاب، إذ قال في حديثه عن أقسام التورية: "وفي "التلخيص" ضربان"[61].
14- سعد الدين التفتازاني (791): نقل[62] عنه تعريفه لعلم البديع.
15- بدر الدين الزركشي (794هـ): ذكر[63] تعليقه على روايته أحد الأحاديث التي ذكرها شاهدًا على الاكتفاء.
هذا ما نصَّ المؤلِّف على ذكره من العلماء الَّذين أفاد منهم، وقد يكتفي بذكر اسم فئة من العلماء، كأن يقول: علماء البديع[64]، أو أهل البديع[65]، أو أهل العروض[66]، أو كما هو عند النحويين[67]، أو وعليه إجماع المفسرين[68].
ومع تصْريح المؤلف - رحمه الله - بتلك الأسماء، إلاَّ أني رجَّحت في ثنايا التَّحقيق أنَّ رجوعه لبعضهم لم يكن مباشرًا، وبخاصَّة ما يتشابه فيه مع ابن أبي الإصبع المصري.
ثانيًا: المصادر التي يومئ إليها دون أن يحددها، وذلك باستخدامه عبارات عامة:
فهو حين يذكر النوع البلاغي، ويورد له مصطلحات أخرى، فإنه كثيرًا ما يعبِّر بمثل قوله: ويسمى كذا[69]، أو يقال له كذا[70]، أو وسمَّاه بعضهم كذا[71]، أو قيل: ولا يقال في القرآن سجع[72].
وقد لحظتُ أنَّه في مثل هذا النوع من الإحالات كان متابعًا بشكل واضح لأحد رجلين، إمَّا: ابن أبي الإصبع المصْري، أو ابن قرقماس، كما سنعرف لاحقًا - إن شاء الله.
ثالثًا: المصادر التي اعتمد عليها دون تصريح منه بالأخذ عنها[73]:
1- ابن أبي الإصبع المصري (654هـ)، ومع أنَّ المؤلِّف لم يصرح بالإحالة عليه إلا مرَّة واحدة، إلاَّ أنَّه أفاد منه بصورة واضحة جلية، بل إنَّ ابنَ أبي الإصْبع - وبخاصَّة في كتابه "تحرير التحبير" - يُعَدُّ أهمَّ مصادرِه؛ إذ أخذ عنْه في مواضع كثيرة مثل أبواب: الإيضاح، والإشارة، والإرداف، والتتبيع، والتكميل، وحسن البيان، والاتباع، والنوادر، والتهكم، والشماتة، والهزل الذي يراد به الجد، والكناية، بل إنَّ ما أوْرده المؤلِّف في خاتمتِه يكاد يكون تلخيصًا لما ذكره ابن أبي الإصبع في باب التَّهذيب والتأديب، ولا يعني هذا أنَّ المؤلِّف كان متابعًا لابن أبي الإصبع حذو القذَّة بالقذَّة، فقد يأخذ عن ابن أبي الإصبع ويزيد عليْه، كما في أبواب: التخيير، والتوجيه، والتورية، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، ورد العجُز على الصدر.
وقد يعيد ترْتيب أفكار الموضوع، وينتقي من ابن أبي الإصبع ما يلائِمُه، كما في باب التَّفسير، وقد يتَّفق مع ابن أبي الإصبع في عنوان الباب، ويَختلف عنه في مضمونه، كما في باب التفريع، وباب السجع.
ولم يقتصر المؤلِّف على ذكر الفنون البديعيَّة التي وردت عند ابن أبي الإصبع فحسب؛ بل ذكر غيرها مما لم يرد عند ابن أبي الإصبع، مثل: التَّجريد، والاكتفاء، ومن مظاهر الاختلاف بينه وبين ابن أبي الإصبع أنَّهما لم يتَّفقا في ترتيب عرْض الفنون البديعية؛ لأنَّ منهج المؤلف الاقتصار أوَّلاً على البديع الاصطلاحي، وثانيًا لأنَّه بدأ بعرض البديع اللفظي أوَّلاً، ثم عرض فنون البديع المعنوي.
2- محمد بن قرقماس (882هـ) أفاد منْه المؤلِّف، وبخاصَّة من كتابه "زهر الربيع في شواهد البديع"، وأهم مظاهر الإفادة منه هي:
- البدء بالبديع اللفظي، وقد ظهر لي من متابعة كتاب ابن قرقماس أنَّه متأثِّر - أعني ابن قرقماس - بابن مالك الرعيني في كتابه "طراز الحلة"، وهو من أشْهر الذين بدؤوا بالبديع اللفظي.
- تقسيم الجناس وأمثلته، فتأثرُ المؤلف به واضح جدًّا، وحين يلقي القارئ الكريم نظرة سريعة على تحقيق باب الجناس يُدْرِك ذلك التأثر.
- نقله لجل مادَّة مراعاة النظير، وباب التورية من كتاب ابن قرقماس.
- أخذه كثيرًا من شعر ابن قرقماس الذي مثل به في كتابه "زهر الربيع" على عددٍ من فنون البديع، بل كان المؤلِّف - رحمه الله - ينثُر بعض أبيات ابن قرقماس كما أثبتُّ ذلك في التحقيق، وقد أحصيتُ أكثر من ثَمانين شاهدًا شعريًّا أخذها عن ابن قرقماس.
3- شمس الدين محمد النواجي (859هـ)، وقد اتَّكأ المؤلف في باب الاكتفاء على ما ورد في كتاب النواجي "الشفا في بديع الاكتفا"، وأفاد منه كذلك في حديثه عن الإيطاء وعلاقته بالجناس.
4- جلال الدين السيوطي (911هـ)، أفاد المؤلِّف منه في بديعيَّته المسماة "نظم البديع في مدح الشفيع"، وبخاصَّة في الاستشهاد ببعض أبيات البديعيَّة في أبواب: المواربة، والسلب والإيجاب، والترشيح.
5- ابن مالك الرُّعيني (779هـ)، تشابه ما ورد عند المؤلف في بعض الأبواب مثل: الإدماج، والطباق، ومراعاة النظير، والاحتباك والتجريد، وغيرها مع ما ورد في كتاب "طراز الحلة وشفاء الغلة" لابن مالك الرعيني، وبخاصَّة في ذكر المصْطلحات الأخرى للفن البديعي، وهذه المعلومات المتشابهة وردت في كتاب "زهر الربيع" لابن قرقماس؛ لذلك أرى أنَّ تأثُّر المؤلف بكتاب الرعيني لم يكن مباشرًا، بل إنَّه أخذ ذلك بواسطة كتاب ابن قرقماس، والله أعلم.
التحقيق:
النسختان المعتمدتان في التحقيق:
وفقني الله في الحصول على نسختين مخطوطتين لهذا الكتاب:
أُولاهما: نسخة مصوَّرة في مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض برقم 156/7، وهي مصورة عن نسخة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة برقم 137 بلاغة.
وتقع في تسع وعشرين ورقة، في كلِّ صفحة منها خَمسة وعشرون سطرًا، تتراوح كلمات السطر بين تسع كلمات، وأرْبَع عشرة كلمة، وخطّها نسخ معتاد.
وهذه النسخة بخط محمد بن محمد بن محمد العبادي كما هو مدون في صفحة الغلاف، يقول: "في نوبة كاتبه وواقفه الفقير محمد بن محمد بن محمد العبادي المجلد - عفا الله عنه بمنّه".
وهي نسخة تامة، خالية من السقط والتحريف، وتكتسب أهميتَها أنَّها منقولة عن نسخة المؤلف؛ إذ صرَّح كاتبُها في آخر المخطوط أنَّها: "كتبت من خطِّ مؤلِّفه - رحمه الله رحمة واسعة"، وقوبلت على نسخة المؤلِّف، وصحِّحت عليْها، واستدرك كاتبُها بخطِّه ما حدث من سقط بعض الحروف، أو تصويب بعض الكلِمات.
ويوجد في حواشي بعْضِ صفحاتها تعليقات بخط مغاير، ويظهر لي أنَّها لبعض من انتقلت النُّسخة إلى حوْزَتهم، وهذه النقول نصوص من بعض الكتُب في تعريف بعْضِ الأنواع البديعيَّة، وذكر أمثلة لها، وأحيانًا تنقل أمثلة من تلك المصادر هي عينها الأمثلة التي وردت في المخطوط.
أمَّا تاريخ نسْخِها، فلم أتمكَّن من تحديدِه، لكنِّي أظنُّه بعد وفاة المؤلِّف؛ لما يوحي به نصُّ النَّاسخ من الترحُّم على المؤلف - رحمهما الله.
كما أني أكاد أجزم أنها كتبت قبل النسخة الثانية، التي سأصفها بعد قليل؛ لما يومئ إليه نوع الخط الذي كتبت به.
وأخيرًا: فإنَّ وجود هذه النسخة في مكتبة عارف حكمت، يُضْفِي عليْها قيمةً علميَّة؛ لأنَّه من المعروف في أوساط المحقِّقين أنَّ هذه المكتبة تتميز باقتناء النسخ النفيسة.
لذلك كله؛ فإني قد اتخذت هذه النسخة أصلاً في التحقيق.
وثانيتهما: نسخة مصوَّرة عن نسخة مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم 3346، وهي نسخة أصليَّة تقع في ثمانٍ وثلاثين ورقة، في كلِّ صفحة منها واحد وعشرون سطرًا، تتراوح كلمات السطر بين ثماني كلمات وعشر كلمات.
وهذه النسخة بخطِّ بكر بن أحمد بن حمَّاد النابلسي، وصرَّح في آخر المخطوط أنه فرغ "من كتابتها في يوم الجمعة المبارك السادس [والعشرين][74] من شهر [ذي][75] القعدة، الذي هو في سنين سنة ألف ومائتين وثمانية وستين".
وهذه النسخة فيها شيء من التَّحريف والسقط اليسير، ويظهر أنَّ كاتبها - عفا الله عنه - لم يكن طالبَ علمٍ متمكِّنًا؛ فأخطاؤه الإملائيَّة والنَّحوية كثيرة، وما نقلتُه لك آنفًا - أيُّها القارئ الكريم - ممَّا دوَّنه الناسخ في آخر المخطوط يكشف عن ذلك.
ومع هذا، فقد أسهمتْ هذه النسخةُ في مساعدتي بصحَّة قراءة النص، وتصويب ما غمض عليَّ في بعض المواضع؛ بسبب عدم وضوح الكتابة، أو تداخل بعض الأحرف.
منهج التحقيق:
1- اتخذت أقدم النسختين أصلاً؛ لتمامها، ولأنها نُقلتْ عن نسخة المؤلف، وقابلتُ النسخة الثانية عليها.
2- عزوت الآيات إلى سورها، وحدَّدت أرقامها.
3- خرجت الأحاديث من كتُب الحديث ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
4- وثَّقت النصوص، وأحلْتُ على مواضع الآراء في مظانها.
5- نسبت الشواهد والأمثلة الشِّعْرية لأصحابِها، وقد عانيت في هذا الأمر كثيرًا؛ لتأخُّر زمن المؤلِّف، حتى يَسَّر الله لي نسبةَ جُلِّ الشواهد، وبقِي عدد قليل لم أتمكَّن من معرفة أصحابها، فوثَّقت بعضَها بذكر المصادر التي أوردَتْها، وبقي أقلُّ من القليل لم أستطع معرفة قائليها، ولم أعثر عليها في المصارد.
6- ترجمت للأعلام ترجمات مختصرة تبيِّن الاسم، وسنة الوفاة، وما يشتهر به، ثمَّ أحلْتُ على بعض مصادر ترجمته.
7-وضعت مجموعةً من الفهارس في آخِر الكتاب للآيات، والأحاديث، والآثار، والشعر، وثبتًا بالمصادر والمراجع، ثم فهرس الموضوعات.
ـــــــــــــــــ
[1] سورة البقرة؛ الآية: 216.
[2] انظر ترجمته في:
"السحب الوابلة" 3/1118- 1125، "النعت الأكمل" 189- 196، "نفحة الريحانة" 2/244- 250، وجلُّ كتبه المحقَّقة تصدَّر بذكر ترجمته من قبل المحققين الأفاضل، ومن أكثرها استيعابًا ترجمة محقق "أقاويل الثقات" 32- 41، ومحقق "مسبوك الذهب" 13-22، ومحقق "تحقيق البرهان" 16/25.
[3] انظر: "السحب الوابلة" 3/1125.
[4] انظر "السحب الوابلة" 3/1119- 1221، وانظر مقدمة تحقيق "مسبوك الذهب" 15-22.
[5] "السحب الوابلة" 2/1225.
[6] سنة 1326هـ بمطبعة التقدم العلمية بمصر.
[7] "إيضاح المكنون" 1/286.
[8] السابق 1/479.
[9] تقع في 31 ورقة، وهي في مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، برقم 1942 ف.
[10] "إيضاح المكنون" 2/ 225.
[11] انظر مقدمة المحقق لكتاب "تحقيق البرهان" ص20.
[12] "السحب الوابلة" 3/1123.
[13] "نفحة الريحانة" للمحبي 2/244- 250.
[14] "دليل الطالب"، لمرعي (مقدمة المحقق) ص5.
[15] "تحقيق البرهان"، لمرعي (مقدمة المحقق) ص52، ذكر أنه اكتفى بما رصده مَن حقق "أقاويل الثقات"، و"الشهادة الزكية".
[16] "النعت الأكمل"، للعامري، 191.
[17] "السحب الوابلة"، لابن حميد 3/1119- 1120.
[18] "إيضاح المكنون" للبغدادي 2/247.
[19] "أقاويل الثقات"، لمرعي الحنبلي، مقدمة المحقق.
[20] "الشهادة الزكية"، لمرعي الحنبلي، مقدمة المحقق، ص16.
[21] "الكواكب الدرية"، لمرعي الحنبلي، مقدمة المحقق، ص26.
[22] "مسبوك الذهب"، لمرعي الحنبلي، مقدمة المحقق، ص20.
[23] "النعت الأكمل" 191.
[24] "السحب الوابلة" 3/1119- 1120.
[25] "إيضاح المكنون" 2/247.
[26] انظر "السحب الوابلة"، 2/804.
[27] "المقصد الأرشد"، 2/174.
[28] "السحب الوابلة"، 2/547.
[29] ص158.
[30] ص204.
[31] ص179.
[32] ص191.
[33] ص202.
[34] ص210، 211.
[35] ص169.
[36] ص170.
[37] ص100.
[38] ص147، 148.
[39] ص151.
[40] ص176.
[41] ص178.
[42] ص141.
[43] ص56.
[44] "نضرة الإغريض"، 93.
[45] "أنوار الربيع"، 1/161- 164.
[46] السابق، 1/165- 168.
[47] السابق، 1/168 - 171.
[48] السابق، 1/171.
[49] انظر ص54.
[50] كذلك انظر ص58.
[51] انظر: ص201.
[52] انظر: ص60، ص95.
[53] انظر: ص175.
[54] ص102.
[55] ص57.
[56] ص181، 182.
[57] ص173.
[58] ص91.
[59] ص133.
[60] انظر: ص136.
[61] ص183.
[62] ص52.
[63] ص104.
[64] انظر: ص104.
[65] ص106.
[66] ص111.
[67] ص111.
[68] ص210.
[69] انظر مثلاً: ص120، 194، 203.
[70] ص171، 181.
[71] ص135، 167.
[72] ص88.
[73] ترتيب ذكرها وفق كثرة اعتماد المؤلف عليها، وليس بحسب وفاة أصحاب المصادر.
[74] في النسخة (والعشرون).
[75] في النسخة (ذو).