عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-02-2022, 09:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ظهور منظور المتلقي في التراث النقدي عند العرب

ظهور منظور المتلقي في التراث النقدي عند العرب(2/10)
د. عيد محمد شبايك






أولاً: معالم اهتمام النقاد العرب بظاهرة التلقي قبل الإسلام:









إنَّ التراثَ النقدي والبلاغي العربي كسائر الحقول المعرفية الأخرى وُسِم بموسوعية المؤلفين فيه؛ إذ أحاطوا بثقافات عصرهم؛ مما جعل أعمالهم تعكس اهتماماتهم الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية... لقد جمع هذا التراث أطراف الثقافة العربية والإسلامية، واستفاد من التنظيرات اليونانية والبلاغة الفارسية والحِكمة الهندية؛ مما عمق النظر، ووفر القواعد النظرية والتطبيقية لتقويم النصوص الأدبية، ومنها جانب مهم من قضايا التلقي[1].







اهتم النقد الأدبي القديم بالعَلاقة الوثيقة التي تربط الإبداع بالمتلقي، وإنَّ من يتأمل نصوص النقاد العرب القدامى وتصوراتهم للأدب - نشأة وبنية وتَمثلاً - يجد فيها "مادة مهمة لتدبر صلة الخطاب بمتقبله، فقد كان البحث في (هذا الجانب) مشغلاً من مشاغلِهم، سواء أكانوا بلاغيِّين، أم نقادًا، أم فلاسفة يتحرَّكون في نطاق شعرية اليونان، ولما كانت كتاباتُهم دائرة على خصائص القول الأدبي نفسه؛ (أي: جانب البنية)، فإنَّ آراءهم في التقبُّل جاءت قليلة مَبثوثة في أعطاف حديثهم - كما أسماه الفلاسفة "الشعرية" - واقعة على هامش المباحث الكبرى التي شغلت النقد العربي القديم، مثل حدوث الشعرية، ومراتب الكلام، وصلة المباني بالمعاني... بل إنَّ تلك الآراء على ندرتها يعظم فيها حضور المتلقي أو يقل، بحسب المواطن والنصوص"[2].







كما أن النظر النقدي منذ العهد اليوناني اهتم "بوظيفة الإبداع وأثرها في القارئ أو المتلقي من خلال نظرية المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو، وأثرها من الناحية الأخلاقية في التهذيب أو التعليم أو التطهير، بَيْدَ أنَّ هذا الاهتمام لم يتعدَّ ذلك إلى مشاركة القارئ في قراءة النص أو شرحه أو تفسيره "[3].







إلا أنَّ الاهتمام بدأ يتحسن؛ إذ أصبحت القراءة النقدية في عصر ما قبل الإسلام محكومة بذائقة المتقبل وسليقته؛ مما أعلى من شأن هذا الأخير؛ بسبب إنشاد الشعر العربي وإلقائه شفهيًّا، "وكون الشاعر كان يسعى إلى تحقيق الأثر في المتلقي... نتيجة الوظيفة الاجتماعية المباشرة للتجربة الشعرية آنذاك"[4].







وتحاول هذه الفقرة أن تسلِّط الضوء على طبيعة التلقي العربي عبر نظرة انتقائية لفحص خصائص (طبيعة) التلقي، تلك المرتبطة بالطابع الشفهي للشعر، وما يتَّصل به من مقام سماعي يتلقى منه ويفضي إليه.







لقد كان العربُ قديمًا يعتمدون على الرواية الشفهية، وكان غالبيتهم يَحفظون الشعر، ويروونه كلما دعتِ الضَّرورة، وكان الشعر يَسري بين القبائل سريانَ النار في الهشيم... ومن القنوات التي كانت تُؤسس قاعدة رواية الشعر بين الناس في العصر الجاهلي نجد: "الوفادة على المياه، والأسمار العربية، والضيافة العربية، والقوافل التجارية، والأسواق العربية والحروب، والوفادات على الملوك، ومواسم الحج"[5]، فقد روت كتب الأدب والنقد "أنَّه كان يضرب للنابغة (ت18ق.هـ) قُبَّة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه أشعارها، وأولُ من أنشده الأعشى، ثم حسان بن ثابت، ثم أنشدته الشعراء، ثم أنشدته الخنساء بنت عمرو بن الشريد:





وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ

كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ [6]












فقال: والله لولا أنَّ أبا بصير أنشدني آنفًا، لقلت: إنك أشعر الجن والإنس، فقام حسان، فقال: والله، لأنا أشعرُ منك، ومن أبيك: فقال له النابغة: يا ابنَ أخي أنت لا تحسن أن تقول:





فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي

وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ




خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ مَتِينَةٍ

تَمُدُّ بِهَا أَيْدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ [7]












قال: فخنس حسان لقوله"[8].







"ثم أنشده حسان بن ثابت (ت54 هـ):





لَنَا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى

وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا




وَلَدْنَا بَنِي الْعَنْقَاءِ وَابْنَيْ مُحَرِّقٍ

فَأَكْرِمْ بِنَا خَالاً وَأَكْرِمْ بِنَا ابْنَمَا [9]












فقال له النابغة: أنت شاعر، ولكنَّك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرتَ بمن ولدتَ، ولم تفخر بمنْ ولدَك"[10].







ومن خلال هذه القصة نَجد أنفسَنا أمام ناقد يُمارس "النقد التطبيقي"؛ حيث ينقد العمل الأدبي من داخله، فقد وضع النابغةُ يدَه على الكلمات والعبارات التي رأى أنَّها لا تؤدي المعنى المراد على أكمل وجه من الفخر بالكرم والشَّجاعة والأصل؛ فقد رأى أن كلمة "الجفنات" تدُلُّ على العدد القليل من الجفان، وهو ما لا يتناسب مع الفخر بالكرم، كما أنَّ كلمة "أسياف" التي تدل على قلة السيوف لا تلائم الفخر بالشجاعة والإدلال بالقوة، وكذلك رأى النابغة أنَّ حسان بن ثابت قد أخطأ في البيت الثاني؛ حيث فَخَر بالأبناء دون الآباء، هو ما لم تجرِ عليه العرب؛ فإنَّهم لم يغفلوا عن الافتخار بمآثر الأجداد والآباء، والتباهي بأفضالهم.







قال الصولي: "فانظر إلى هذا النقد الجليل الذي يدل عليه نقاء كلام النابغة، وديباجة شعره"[11].







إلا أن الشيء الذي اتفقت عليه كل هذه المصادر هو أن "احتكامَ الشعراء إلى النابغة أمر يعرفه العرب لذلك الشاعر، الذي أسلموا إليه إمارةَ الشعر، ولقبوه "النابغة"، وتُجمِع عليه كتب التاريخ والأدب"[12].







ويرى قدامة بن جعفر (ت337هـ): أنَّ الناسَ يُديرون جدلاً حول مذهبَين من مذاهب الشعر، هما مذهب "الغلو والإفراط"، ومذهب "الاقتصار على الحد الأوسط"...







أمَّا حسَّان فلم يَخرج عما هو حادث في بيئته، وتكلم بما ألفه النَّاس، فهم يقولون: يوم أغرُّ ويدٌ غرَّاء... والعرب تقول في الشجاعة: سيفه يقطر دمًا، ولم يُسمع منهم: سيفه يَجري دمًا.[13]







إنَّ "مسألة إدراك اللفظة الأجود لا تكون إلاَّ جزءًا من قدرات الناقد الجيد، وليس من الممكن أن يصلَ إنسانٌ ما إلى مستوى النابغة في شعره، وإلى مستواه في النقد، وقَبوله حكمًا، ولا يتمكن من إدراك هذه الحقيقة"[14].







وكان العربي القديم إذا أعجبَ ببيت من الشعر أو بجزء من البيت، اتَّخذ إعجابه هذا تكأةً لإصدار حكم عام على الشِّعر أو الشاعر، "ومن ثَمَّ جاء نقدهم جزئيًّا، مسرفًا في التعميم، يُحس أحدُهم بجمال بيت من الشعر، وتنفعلُ به نفسه، فلا يرى غيره، ولا يذكر سواه، كدأبه في كل أمور حياته؛ إذ تجتمع نفسه في الحاضر الماثل أمامه.







وهذا ما يفسر ما نَجده في كتب الأدب من أحكام مُسرفة، كقولهم: "هذا أجود ما قالت العرب، وهذا الرجل أشعر العرب، وما إلى ذلك"[15].







ومن هذا القبيل حكمُ أم جندب على علقمة بن عبدة بأنه أشعرُ من امرئ القيس؛ وذلك بسبب إعجابها ببيت قاله علقمة في وصف فرسه، رأت أنَّه تفوَّق فيه على وصف امرئ القيس لحصانه[16].







ويستدعي هذا الخبر بعضَ الملاحظات، فقد كان مدارُ المعارضة موضوعًا مخصوصًا هو وصفُ الفرس في قافية وروي مُوحَّدين، ونلاحظ ثانيًا أنَّ المقام الذي وقع فيه التنازُع بين الشاعرين هو مقام مُشافهة اكتنف قولَ الشعر، كما اكتنف الحكم، فالمبدع والمتلقي يوجدان في حيِّز واحد؛ بحيث تكون الحكومة مُباشرة لا وقتَ فيها للتَّفكير في الأمر، وتدقيق معايير الحُكم، ونلاحظ ثالثًا أنَّ الحكم لم يَخلُ من أغراض لا صلةَ لها واضحة بما يكمُن في النص من قِيَم الجمال و"جهات الحسن" - على حد تعبير السكاكي - حتى إنَّ امرأ القيس عَلَّق على التحكيم قائلاً: "ما هو بأشعرَ مني، ولكنَّكِ له عاشقة"[17].







وما يُمكن أنْ يستنتج من هذه الملاحظات الثَّلاث هو أنَّ التَّلقِّي - في طور من أطواره - قام على الارتجال أساسًا؛ إذ ارتجل الشاعر الشعر، كما ارتجل المتلقي الحكم، ولعله من المنطقي أنْ ينطمسَ مِعيار التذوُّق، ويتغيَّب عَنِ التقويم في هذه الحالة.







وتُبرِزُ حكومةُ أم جندب أنَّ التلقيَ لا يُمكن أن يكون مُحايدًا قائمًا على جودة النص فحسب، بل إنَّ للأهواء والأغراض الدفينة - وإن بدت هينة قليلة الأهمية - أثرًا في الحكم للقول الأدبي أو عليه.







جاءت أحكام النُّقاد الجاهليين مُوجزة ومُركزة في غالب الأحيان؛ إذ كانوا يكتفون في تعليقاتِهم على ما يَسمعون من أبيات شعرية باللمحة الدَّالة، والإشارة المعبرة... ولعلَّ سببَ هذا الاختصار في النَّقد يرجع إلى أنَّ كلاًّ من الناقد والمستمع له كان على درجة مُتقاربة، وحظ مُتساوٍ من الحس اللغوي؛ مما يُمكنهما من القُدرة على الوقوف على مواطن الجمال، أو القُبح في الشِّعر موضوع النقد، هذا إضافة إلى أن سلامةَ الفطرة عند العربي، وصفاء طبعه - تجعلانه في غنى عن الإطالة والتَّكرار في الكلام، وقد جاء قول طَرَفَة: "استنوق الجمل" تعليقًا على بيت المتلمس (ت500 ق.هـ) مثالاً واضحًا لهذا الإيجاز في الحكم.[18]







كان التعبيرُ عن الاستحسان - إذًا - بالفعل المباشر، ولنا - اعتمادًا على المادة التي نظرنا فيها - أنْ نُبْرز حدَّين أقصَيَيْن من حدود التلقي.







يَصطنع المتلقي في الحد الأول أنظمةً علامِيَّة غير اللغة يعبر بها عن مَوقفه من النص استحسانًا واستهجانًا، من ذلك خلع الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - بُردته على كعب بن زهير بعد سماع لاميته "بانت سعاد"[19]، ومنه ضرب الوليد بن عبدالملك برجله طربًا لسماع بيت من مُعلقة امرئ القيس[20]، إنَّ هذين الخبرين يدُلان على أن من المتقَبِّلين صنفًا يفتقر استحسانه للشعر إلى "علة معقولة"، فيعبر عنها بالفعل الذي يَسُدُّ مَسَدَّ العبارة في إبراز الوقع الحسن للنص في سَمعه.







ومن شواهد ذلك أيضًا قولُ أبي العتاهية - يَمدح المهدي، ويُشبِّب بجاريته عتب[21] - وبشار حاضر:





أَلاَ مَا لِسَيِّدَتِي مَا لَهَا

تُدِلُّ فَأَحْمِلُ إِدْلاَلَهَا












فلما وصل إلى المديح قال من جملته:





أَتَتْهُ الْخِلاَفَةُ مُنْقَادَةً

إِلَيْهِ تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا




فَلَمْ تَكُ تَصْلُحُ إِلاَّ لَهُ

وَلَمْ يَكُ يَصْلُحُ إِلاَّ لَهَا


يتبع







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.81 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]