المسألة الحادية عشرة: والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم
وهذا قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحين راح إليه وفد نصارى نجران وحكامهم، وحين اجتمع قول أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي، فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن هؤلاء الثلاثة كانوا قد خلعوا عن أنفسهم لباس سفرهم، وارتَدَوا حللا من ذهب، ومن ثم دخلوا على هذا النبي العربي الأمي الكريم صلى الله عليه وسلم، وبهذه الهيئة، ولكنه وإن كان قد قبل منهم ذلكم المنظر، فما تقوم لدين هكذا قائمة يوما، وأهله على هذا النعيم الدنيوي، بل وحكامهم، ولذلك وحين دخلوا، وألقوا السلام، فلم يرد عليهم ثلاث مرات متتالية!
المسألة الثانية عشرة: فطنة وليٍّ وحكمة عليٍّ
ولكن هذا عليا بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قد كان فطنا، وحين أشار عليهم بخلع هذه الحلل، ولبس رداء سفرهم، ومن ثم يدخلون على هذا النبي صلى الله عليه وسلم، وحينها ويرد عليهم السلام، وحين قال قوله هذا: والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم. ثم وعظهم، وأبدى لهم الإسلام، الذي هو: لا أمر إلا أمره تعالى، ولا نهي إلا نهيه تعالى، وكذا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وحتى انتهوا إلى عدم إصدار رأيهم فيه، ولما يرجعوا إلى أسقفهم، فيفتونهم!
وهذا الذي يحذر الإسلام منه أبدا، ولما كان الشيطان قد أقسم بعزة الجبار القهار، وأنه ليأتينهم من بين أيديهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين! وكما قال تعالى ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف:17].
المسألة الثالثة عشرة: النعيم لا يدرك بالنعيم!
لكن ارتداء حلل الذهب، وإنما هو لباس يبغضه الله تعالى، ولأنه خارج مألوفات الناس، ولأنه مكلف، ولأنه خارج عن أصول الخلق الحميد، ولأنه داع كبرا، وصلفا وأبهة، ولأنه تنعم مبالغ فيه، وإذ وماذا بقي من نعيم ينتظره الناس ومن بعد ذلك، وحتى تهفو نفوسهم إلى الجنة؟! ولأن هذا الإغراق في النعيم صارف عن هدى، وصاد عن صلاح، ومميل عن فلاح، ولأن الناس وحين يدعونهم هؤلاء إلى البر والتقوى، فلسوف يوصدون ما بينهم وبينهم بالضبة والمفتاح! وإذ لأي شيء يدعونهم، وهم أولئك في عليين من سقف دنياهم، وما الناس إلا رعاع مساكين؟!
المسألة الرابعة عشرة: تواضع في غير ابتذال
وهذا الذي تنبغي مراعاته، وعند التعرض للناس بالدعوة من زي متواضع، وليس يكاد يخرج العبد عن مألوفات الناس، وإلا أعرضوا، وتنكبوا، وردوا، ويكون وبال أمرهم على أولئك الذين دعوهم، وهم في منزلتهم تلك!
ولكن الناس فطرة وجبلة يهدأون، ويركنون إلى هكذا نفر كان رداؤه التواضع والصوف، لا من بذل، وإنما من غير كلفة، ووسط، ولأن خير الأمور أوسطها، وشر الأمور أبعدها عن هذه الوسطية، ومن كل شيء، وليس هذا من خروج على حديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده[9]. بل بون شاسع، بل خرق واسع، بل فرق مترامية أطرافه، وليس يكاد يلملمه إلا رجوع إلى الجادة، من تواضع في ملبس، ومن هنة في خطو!
ولهذا السبب؛ كان قوله صلى الله عليه وسلم الآنف الذكر: والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى، وإن إبليس لمعهم[10]. فدل على أن هيئة كهذه، وإنما هي من عمل الشيطان. وإنما جاء عمل الدعاة للإرشاد إلى سبل الفلاح وانتهاجها، وللتحذير عن طرق الشيطان ونبذها.
المسألة الخامسة عشرة: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59].
ولكن هذا الوفد، وحين أدخلهم النبي صلى الله عليه وسلم على مجلسه المتواضع، وحين كان همهم سؤاله، وعما يقوله في نبي الله عيسى عليه السلام، وحين سألوا: ما تقول في عيسى؟ فإنا نرجع إلى قومنا، ونحن نصارى، ليسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه. ولكن هذا النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه ليس يعمل إلا بالوحي، ولهذا فقد فقال رسول الله ﷺ: «ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى»[11].
فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل قوله ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ [آل عمران: 59 - 61].
المسألة السادسة عشرة: ما المباهلة؟
وهذه هي المباهلة التي خشوها، وهذه هي الملاعنة التي أبوها، وقد كان هذا برهان قوة حق يؤمن به أهل الحق، مواجهة أعوان الشيطان، من مردة الجن والإنسان!
والمباهلة هي استفتاح صريح، وحين جاءت من طرفين، وكما معنا الآن من سورة آل عمران، وإذ يدعو كل طرف فيها باللعنة على المبطل منهما، وهي المباهلة الصريحة، ويمكن تأديتها بأي لفظ يؤدّي هذا المعنى.
والاستفتاح نوع مباهلة، وصورته أن يأتي من طرف واحد، ومن مثل الذي ورد أن أبا جهل قال حين التقى القوم- يوم بد-: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، فكان المستفتح[12].
والمباهلة: أَن يجتمع القوم إِذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لَعْنَةُ الله على الظالم منا[13].
المسألة السابعة عشرة: اتباع لا ابتداع
ولكن إسناد هذا النبي العربي الأمي الكريم صلى الله عليه وسلم عمل دعوته، وفيما لا يعلم، وحين أرجعه إلى مولاه تعالى الخالق العظيم الحق المبين سبحانه. وإنما هو سبيل لغيره تبعا، ومن باب أولى، وألا يقول على الله تعالى بغير علم، بل يرجع في كل خطو إلى شرعة الرحمن، ويخلع عن ذات نفسه استحسانات العقول، والتي تورد صاحبها المهالك، فهذا هو نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولما سكت عن قول، ولربما لو كان أحد آخر لانتصب له إفتاء، وقضاء غير قابل للنقض!، ولأن الأمر متعلق بدينه تعالى، فكان لزاما عود إلى السلطة العليا، ولتقول كلمتها، والسلطة العليا ههنا هو الله تعالى، ذو السلطان القديم، وذو الوجه الكريم، وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وله خلقه، وله أمره، تعالى عن كل شبيه، وتسامى على كل نظير، وند، ومثيل، وشريك، سبحانه.
وقال الله تعالى ﴿ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [الزخرف:85].
المسألة الثامنة عشرة: هذا فن إداري عبقري
وكما أنه عمل إداري ممتاز، وحين الرجوع إلى السلطة الأعلى، ليستقيم عمل المنشأة، وصحيح أن صلاحيات ممنوحة سلفا؛ وكيما لا تراوح المنشأة مكانها، ولكنه أيضا وجب ألا يترك حبل على غاربه، وفيما يستجد من أعمال، ولما لم يستطع الموظف إمهارها، من حسن موقف، ومن جميل تصرف، ولربما لو كان قد فعل نقيضه لأدى ذلك إلى انفراط عقد منشأته، وليكون وبال هذا على سلمها الإداري كله! ومن قمته وإلى قاعدته وليأخذ الجميع سيلها الجارف!
المسألة التاسعة عشرة: وثيقة العزة والإكرام
ولكن هذه المباهلة، وهي التي فعلت في الناس فعلها، وقد كان هذا من توفيقه تعالى أولا وآخرا؛ ولأن كلمة الحق تحمل من سلطانه، ما تلوى به أعناق خصومها، ولما يسلموا لها، فينقلبوا فالحين.
وهذا الذي حدث، وحين أجمعوا رأيهم أن يحكموا أمرهم، ولما بلغوا أن يضبطوا شأنهم، ولأنهم رأوا رجلا لا يحكم شططا أبدا!
وبهذا فقد نزلوا على حكمه، وبدلا عن مباراته ومباهلته، أو ملاعنته، والله وحده هو العليم، وماذا سوف كانت، أو تكون نهاية هذه الملاعنة، وإلا خذلانهم، وإلا أنه ولربما استئصالهم عن بكرتهم.
وإذ كانت نهاية هذا التفاوض، هو نص هذه الوثيقة التاريخية، والتي نضعها تحت تصرف قومنا، لينهلوا منها العزة، وليستعيدوا منها الكرامة والإباء، ولا يخشين! كِتَابِيٌّ! ولأنه في كنف ورعاية دين ليس يظلمهم، ولا غيرهم، بل يعدل فيهم وغيرهم، ويكرمهم وغيرهم، وجوه العدل، وأسماها، وأعلاها، وأسناها، وأبهاها؛ ولأنه من وضع الرحمن الرحيم، سبحانه، وحين أملى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي للأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم، ورهبانهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير، جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدا، ما أصلحوا ونصحوا، عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين»[14].
وأنت ترى كم هو خلق نبيك صلى الله عليه وسلم حميدا حسنا شميلا نبيلا جليلا كريما، وحين خاطب الناس بعبارات الإلف والتواضع والأناة والحلم، وإذ هو المنتصر! وإنما لا يمنعن أحد نصره من خلقه، ولا يخرجن أحد فوزه عن حلمه.
وها أنت ترى كيف أنزل نبيك صلى الله عليه وسلم الناس منازلهم، ولو كانوا كفارا مشركين!
وهذا أدب ديننا الأجم الأفخم الأكرم، وهذا خلق إسلامنا الأعم الأهم الأعظم.
فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم[15].
[1] [فتح الباري، ابن حجر: 7/ 93-94].
[2] [صحيح البخاري: 6497].
[3] [فتح الباري، ابن حجر: 7/ 94].
[4] [شرح النووي على صحيح مسلم: 15/ 191 - 192].
[5] [لسان العرب، ابن منظور: ج 13/ 22].
[6] [لسان العرب، ابن منظور: ج 13/ 21].
[7 ] [صحيح أبي داود، الألباني: 2612].
[8] [صحيح البخاري: 4380].
[9] [صحيح الترمذي، الألباني: 2819]. خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح].
[10] [دلائل النبوة للبيهقي: (5/ 485)، حديث رقم: 2126].
[11] [دلائل النبوة للبيهقي: (5/ 485)، حديث رقم: 2126].
[12] [تخريج المسند، شعيب الأرناؤوط: 23661]. خلاصة حكم المحدث: صحيح.
[13] [لسان العرب: 11 / 71].
[14] [دلائل النبوة للبيهقي: (5/ 485)، حديث رقم: 2126].
[15] [معرفة علوم الحديث، الحاكم: 96]. خلاصة حكم المحدث: صحيح.