وعللوا ذلك بما يلي:
1- أن مفهوم منصب رئيس الدولة في العالم المعاصر يختلف تماما عن المفهوم التقليدي الموروث لمنصب رئيس دولة الخلافة كقائد ديني؛ فهناك فارق كبير بين منصب الخلافة في الإسلام، وبين رئاسة الدولة المعاصرة؛ فالخلافة منصب ديني من مهامه إمامة المسلمين في الصلاة، وله شروط ذكرها الفقهاء، وقد أصبح هذا المنصب تراثا لا وجود له منذ سقوط الدولة العثمانية عام 1924م، أما دول عالم القرن الحادي والعشرين فهي دول قُطرية مدنية لها كياناتها القومية المستقلة، ومن ثَمَّ فمنصب رئيس الدولة حاليا -سواء كان رئيسا، أو رئيس وزراء، أو مَلِكا- مَنصب مدني وهو غير مكلف بإمامة المسلمين في الصلاة[82].
أجيب بأن العبرة بالحقائق وليست بالأسماء مع أن منصب الإمامة العظمى، أو رئاسة الدولة مَلَكية كانت، أو جمهورية، أو سلطانية، أو أميرية هي ولاية عامة يملك المتقلِّد عليها بحسب الأصل سلطات عامة «تنفيذية، وقضائية، ودينية»، وهذا المعنى متحقق في ملوك، ورؤساء، وأمراء الدول العربية والإسلامية حتى وإن أسندوا سلطتهم الدينية إلى من ينوب عنهم، ولم يُعْهَد في عصرنا أن ولَّى العرب والمسلمون امرأة على رئاسة دولة عربية، أو إسلامية، فلا يكون الإجماع بذلك مقصورا على الإمامة العظمى[83].
2- على غرار تولي بعض النساء المسلمات للحكم في بعض الأقطار الإسلامية في أزمنة مختلفة، وكانت تُلقَّب بألقاب منها السلطانة، والملكة، والحرة، ولم يطلق على أي واحدة منهن لقب «الخليفة»[84].
أجيب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مردود؛ مخالف للدين، لا يُعدُّ تشريعا، ولا يصح الاستدلال به؛ لأنه يخالف النص، والإجماع، وعمل الصحابةرضي الله عنهم[85]، ولأن الوقائع التاريخية ليست حجة شرعية، ولا دليلا من الأدلة التي يعتمد عليها ولا سيما وقعت هذه الأحداث في فترة متأخرة من الزمن، وقد وقع الإجماع على عدم جواز ولاية المرأة قبل ذلك في العصور المتقدمة، وإذا قلنا بحجية عصر من العصور فالأولى أن يكون عصر الخلفاء الراشدين، ولم يثبت أنهم ولَّوا امرأة ولاية من الولايات، وأما العصور المتأخرة فلا تُعد حجة إلا إذا أجمع أهل العصر على مسألة معينة، وهذا ليس كذلك[86].
الثاني: أنهن ملكات لا حاكمات، منصبهن رمزي، والحكم بيد غيرهن، وليس في الإسلام مثل هذا النظام، فالمَلك حاكم مسؤول[87].
الثالث: أنهن تولين الحكم عن طريق التوارث، بحيث توفي حاكم البلاد، ولم يخلِّف ذكرًا، فوليت امرأة من نساء عائلة الحاكم حتى لا يخرج الحكم عن هذه العائلة، أو أغوى الشيطان زوجة الحاكم فمكرت ودبرت وقتلت من يستحق الحكم، ثم تولت حكم البلاد عن طريق الغلبة، وهذا كله لا يجوز في الإسلام[88].
3- لا يقدح في توليها الحكم ما نُقل من إجماع العلماء على منع المرأة من تولي الولاية الكبرى؛ لأن مطلق الحكم مغاير لمفهوم الخلافة[89].
أجيب بأن الفقهاء عندما أجمعوا على حرمة تولي المرأة منصب الإمامة العظمى، فإنهم أجمعوا على عدم جواز رئاستها للقوم كما ورد في منطوق الحديث: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[90]، فالعبرة ليست بالأسماء بل في أن منصب الإمامة العظمى، أو رئاسة الدولة مَلَكية كانت، أو جمهورية، أو سلطانية، أو أميرية هي ولاية عامة يملك المتقلد عليها بحسب الأصل سلطات عامة «تنفيذية، وقضائية، ودينية»، وهذا المعنى متحقق في ملوك، ورؤساء، وأمراء الدول العربية والإسلامية حتى وإن أسندوا سلطتهم الدينية إلى من ينوب عنهم، ولم يُعْهَد في عصرنا أن ولَّى العرب والمسلمون امرأة على رئاسة دولة عربية، أو إسلامية، فلا يكون الإجماع بذلك مقصورا على الإمامة العظمى[91].
يتبين مما سبق أن المرأة لا تصلح للولاية العامة بمسمياتها المختلفة من مُلك، وسلطنة، ورئاسة الدولة، وذلك لعدة أمور:
1- قوة أدلة القائلين بالمنع، فالإسلام لا يرى في المرأة الكفاية لتولي رياسة الدولة، وتوجيه دفة الحكم، ويأبى المسلمون اختيارها لهذا المنصب[92].
2- الإجماع القولي، والعملي على حرمة ذلك؛ لذلك أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر «رمضان 1371هـ، يونيه 1952م» بيانا بحرمة تولي المرأة شيئا من الأمور العامة؛ حيث جرى التطبيق على ذلك من فجر الإسلام إلى الآن مع وجود بعض نساء فضليات في العهود الأولى[93].
3- مراعاة للمقاصد العامة للشريعة الإسلامية؛ حيث إن القول بالمنع يؤدي إلى ارتكاب مخالفات عديدة، ومن ذلك أنه يؤدي إلى الاختلاط، والسفر مما يعرض المرأة لأنواع من الشر والأذى، ويجب عليها أن تنأى بنفسها عنها؛ حفظا لكرامتها، وصونا لسمعتها، ويجب تقدير الأمور وتقرير الأحكام على أساس الواقع الذي لا ينبغي إغفاله، أو التغافل عنه[94].
4- الإسلام نص على التفاوت والتقييد لا ليُهين المرأة، بل ليقيم العدالة، ويوجه كلا الجنسين إلى ما يحسنه، ويوائم خِلقته، وفطرته[95].
5- قد جرى العرف من قديم الزمان على قصر منصب الرياسة على الرجال، وما حدث أحيانا من تولية المرأة، فإنما هو شذوذ لا يُعتد به، أو كان لظروف خاصة، أو أكثرهن لم يُوفقن في سياسة بلادهن إلا بمعاونة الرجال معاونة فعَّالة تجعل المرأة رمزا فقط[96].
6- الواقع خير شاهد على أن المرأة تعجز عن النهوض بمهام رئاسة الدولة، وهي كثيرة، وجسيمة، ولو نظرنا إلى دول العالم الماضي والحاضر لم نرَ إلا قلَّة من النساء تولَّين رئاسة الدولة مما يدل على أن الناس بتجرِبتهم يعرفون أن رئاسة الدولة لا يصلح لها إلا الرجال، وأن من صار منهن في منصب رئاسة الدولة إنما كان نادرا، ولظروف استثنائية[97].
[1] ينظر: ابن خلدون،تاريخ ابن خلدون، «ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر»، تحقيق: خليل شحادة، طبعة: دار الفكر- بيروت، ط2، 1408هـ، 1988م، صـ (239).
[2] ينظر: ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، (6/ 299)، والحصكفي، الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم، طبعة: دار الكتب العلمية- بيروت، ط1، 1423هـ، 2002م، صـ (75).
[3] يُنظَر:الرملي، حاشية الرملي على أسنى المطالب في شرح روض الطالب، طبعة: دار الكتاب الإسلامي- بيروت، بدون طبعة، وبدون تاريخ، (4/ 108)، والبُجَيرمِي، حاشية البجيرمي على شرح المنهج، طبعة: مطبعة الحلبي، بدون طبعة، 1369هـ، 1950م، (4/ 204).
[4] يُنظَر:الماوردي، الأحكام السلطانية، طبعة: دار الحديث- القاهرة، تحقيق: أحمد جاد، بدون طبعة، 2006م، صـ (15).
[5] ينظر: ابن خلدون،تاريخ ابن خلدون، «ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر»، صـ (239).
[6] يُنْظَر: الطبري، تفسير الطبري «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، (1/ 476).
[7] يُنْظَر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (1/ 264).
[8]السابق، (1/ 264).
[9] يُنْظَر: الطبري، تفسير الطبري «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، (7/ 182).
[10] يُنْظَر: ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، طبعة: مكتبة الخانجي- القاهرة، بدون طبعة، وبدون تاريخ، (4/ 72).
[11] ينظر: ابن العربي، أحكام القرآن، (3/ 482).
[12] يُنْظَر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (6/ 210-211).
[13] ينظر: ابن العربي، أحكام القرآن، (4/ 270).
[14] يُنْظَر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (17/ 260-261).
[15] صحيح:أخْرجَهُ مسلم (1851)، كتاب الإمارة.
[16] يُنْظَر: أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، (4/ 44).
[17] حسن:أخْرجَهُ أحمد (6647)، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، (3/ 314-315).
[18] صحيح:أخْرجَهُ أبو داود (2609)، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، وصححه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، (8/ 106).
[19] يُنْظَر: الشوكاني، نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، (15/ 403).
[20] يُنْظَر: ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (4/ 72)، والماوردي، الأحكام السلطانية، صـ (15)، وأبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية للفراء، تحقيق: محمد حامد الفقي، طبعة: دار الكتب العلمية- بيروت، ط2، 1421هـ، 2000م، صـ (19)، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (1/ 264)، وابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، «ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر»، صـ (239-240).
[21] الأصم: هو عبد الرحمن بن كيسان أبو بكر الأصم، شيخ المعتزلة، كان من أفصح الناس وأورعهم وأفقههم، وكان فيه ميل عن الإمام علي، ومن مصنفاته: تفسير القرآن، وخلق القرآن، والحجة والرسل، مات: سنة إحدى ومائتين. [يُنْظَر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف شعيب الأرنؤوط، طبعة: مؤسسة الرسالة- بيروت، ط3، 1405هـ، 1985م، (9/ 402)، وابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، تحقيق: دائرة المعارف النظامية- الهند، طبعة: مؤسسة الأعلمي- بيروت، ط2، 1390هـ، 1971م، (3/ 427)].
[22] يُنظَر:الماوردي، الأحكام السلطانية، صـ (15).
[23] المرجئة: هم من أرجؤوا العمل عن مسمى الإيمان، فقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، وبالقدر على مذاهب القدرية، ومنهم من قال كالجهمية: الإيمان هو المعرفة فقط. [يُنْظَر: ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (4/ 154-156)].
[24] الشيعة: هم من شايعوا علي بن أبي طالب في أول أمرهم، ثم رفضوا خلافة أبي بكر وعمر؛ لذلك سُمّوا الرافضة، وكفَّروا أكثر الصحابة رضي الله عنهم، وقال بعضهم: إن الله عز وجلبعث جبريل عليه السلام بالوحي إلى علي بن أبي طالب، فغلط جبريل بمحمد صلى الله عليه وسلم. [يُنْظَر: ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (4/ 139-140)].
[25] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، (4/ 72).
[26] يُنْظَر: ابن حزم، مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، صـ (124).
[27] يُنْظَر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (1/ 264).
[28] ابن خلدون،تاريخ ابن خلدون، «ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر»، صـ (239-240).