عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 21-02-2022, 07:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,593
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (222)

سُورَةُ الْكَهْفِ
صـ 197 إلى صـ 202


والتحقيق : أن مفرد الصالحات في قوله : يعملون الصالحات ، وقوله : [ ص: 197 ] وعملوا الصالحات [ 2 \ 25 ] ، ونحو ذلك - أنه : صالحة ، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة ; كإطلاق اسم الجنس لتناسي الوصفية ، كما شاع ذلك الإطلاق في الحسنة مرادا بها الفعلة الطيبة .

ومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك ، قول أبي العاص بن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم :


بنت الأمين جزاك الله صالحة وكل بعل سيثني بالذي علما


وقول الحطيئة :


كيف الهجاء ولا تنفك صالحة من آل لأم بظهر الغيب تأتيني


وسئل أعرابي عن الحب فقال :


الحب مشغلة عن كل صالحة وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن


وقوله في هذه الآية الكريمة : أن لهم أجرا حسنا ، أي وليبشرهم بأن لهم أجرا حسنا . الأجر : جزاء العمل ، وجزاء عملهم المعبر عنه هنا بالأجر : هو الجنة . ولذا قال : ماكثين فيه [ 18 \ 3 ] ، وذكر الضمير في قوله : فيه ; لأنه راجع إلى الأجر وهو مذكر ، وإن كان المراد بالأجر الجنة . ووصف أجرهم هنا بأنه حسن ، وبين أوجه حسنه في آيات كثيرة ، كقوله : ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين - إلى قوله - ثلة من الأولين وثلة من الآخرين [ 56 \ 13 - 16 ] ، وكقوله : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين الآية [ 56 \ 39 - 40 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا معلومة .

وقوله في هذه الآية الكريمة : ماكثين فيه أبدا ، أي خالدين فيه بلا انقطاع .

وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة ، كقوله : وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ [ 11 \ 108 ] أي غير مقطوع ، وقوله : إن هذا لرزقنا ما له من نفاد [ 38 \ 54 ] ، أي ما له من انقطاع وانتهاء ، وقوله : ما عندكم ينفد وما عند الله باق [ 16 \ 96 ] ، وقوله : والآخرة خير وأبقى [ 87 \ 17 ] إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا [ 18 \ 4 ] ، [ ص: 198 ] أي ينذرهم بأسا شديدا ، من لدنه أي من عنده كما تقدم . وهذا من عطف الخاص على العام ; لأن قوله : لينذر بأسا شديدا من لدنه شامل للذين قالوا اتخذ الله ولدا ، ولغيرهم من سائر الكفار .

وقد تقرر في فن المعاني : أن عطف الخاص على العام إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة من الإطناب المقبول ، تنزيلا للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات .

ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى : وملائكته ورسله وجبريل الآية [ 2 \ 98 ] ، وقوله : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح [ 33 \ 7 ] .

ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها ، فإن الذين قالوا اتخذ الله ولدا امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء ، ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم .

والآيات الدالة على شدة عظم فريتهم كثيرة جدا . كقوله هنا : كبرت كلمة تخرج من أفواههم [ 18 \ 5 ] الآية ، وكقوله تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا [ 19 \ 88 - 92 ] ، وقوله : أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما [ 17 \ 40 ] ، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة .

وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا الولد لله - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - ثلاثة أصناف من الناس : اليهود ، والنصارى ، قال تعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم الآية [ 9 \ 30 ] ، والصنف الثالث مشركو العرب ; كما قال تعالى عنهم : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون [ 16 \ 57 ] ، والآيات بنحوها كثيرة معلومة .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ما لهم به من علم ولا لآبائهم [ 18 \ 5 ] ، يعني أن ما نسبوه له جل وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به ; لأنه مستحيل .

والآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه ; ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [ 2 \ 57 ] ; لأن ظلمهم [ ص: 199 ] لربنا وحصول العلم لهم باتخاذه الولد كل ذلك مستحيل عقلا .

فنفيه لا يدل على إمكانه ، ومن هذا القبيل قول المنطقيين : السالبة لا تقتضي وجود الموضوع ، كما بيناه في غير هذا الموضع .

وما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، بينه في مواضع أخر ، كقوله : وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون [ 6 \ 100 ] ، وقوله في آبائهم : أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون [ 5 \ 104 ] إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله في هذه الآية الكريمة : كبرت كلمة تخرج من أفواههم [ 18 \ 5 ] يعني أن ما قالوه بأفواههم من أن الله اتخذ ولدا أمر كبير عظيم ; كما بينا الآيات الدالة على عظمه آنفا ، كقوله : إنكم لتقولون قولا عظيما [ 17 \ 40 ] ، وقوله : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا الآية [ 19 \ 90 ] ، وكفى بهذا كبرا وعظما .

وقال بعض علماء العربية : إن قوله : كبرت كلمة معناه التعجب ، فهو بمعنى ما أكبرها كلمة ، أو أكبر بها كلمة .

والمقرر في علم النحو : أن " فعل " بالضم تصاغ لإنشاء الذم والمدح ، فتكون من باب نعم وبئس ، ومنه قوله تعالى : كبرت كلمة الآية . وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله :


واجعل كبئس ساء واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مسجلا


وقوله " كنعم " أي اجعله من باب " نعم " فيشمل بئس ، وإذا تقرر ذلك ففاعل " كبر " ضمير محذوف و كلمة نكرة مميزة للضمير المحذوف ، على حد قوله في الخلاصة . ويرفعان مضمرا يفسره مميز كنعم قوما معشره

والمخصوص بالذم محذوف ، والتقدير : كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة التي فاهوا بها ، وهي قولهم : اتخذ الله ولدا ، وأعرب بعضهم كلمة بأنها حال ، أي كبرت فريتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم . وليس بشيء .

[ ص: 200 ] وقال ابن كثير في تفسيره تخرج من أفواههم ، أي ليس لها مستند سوى قولهم ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم ، ولذا قال : إن يقولون إلا كذبا [ 18 \ 5 ] .

وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير له شواهد في القرآن ; كقوله : يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [ 3 \ 167 ] ونحو ذلك من الآيات .

والكذب : مخالفة الخبر للواقع على أصح الأقوال .

لفظة " كبر " إذا أريد بها غير الكبر في السن فهي مضمومة الباء في الماضي والمضارع ، كقوله هنا : كبرت كلمة الآية ، وقوله : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [ 61 \ 3 ] ، وقوله : أو خلقا مما يكبر في صدوركم [ 17 \ 51 ] ونحو ذلك .

وإن كان المراد بها الكبر في السن فهي مكسورة الباء في الماضي ، مفتوحتها في المضارع على القياس ، ومن ذلك قوله تعالى : ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا [ 4 \ 6 ] .

وقول المجنون :


تعشقت ليلى وهي ذات ذوائب ولم يبد للعينين من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم


وقوله في هذا البيت : " صغيرين " شاهد عند أهل العربية في إتيان الحال من الفاعل والمفعول معا .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة كبرت كلمة يعني بالكلمة : الكلام الذي هو قولهم : اتخذ الله ولدا [ 18 \ 4 ] .

وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله يطلق اسم الكلمة على الكلام ، أوضحته آيات أخر ; كقوله : كلا إنها كلمة هو قائلها الآية [ 23 \ 100 ] ، والمراد بها قوله : قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت [ 23 \ 99 - 100 ] ، وقوله : وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [ 11 \ 119 ] ، وما جاء لفظ الكلمة في القرآن إلا مرادا به الكلام المفيد .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : عوجا هو بكسر العين في المعاني كما في هذه الآية الكريمة ، وبفتحها فيما كان منتصبا كالحائط .

[ ص: 201 ] قال الجوهري في صحاحه : قال ابن السكيت : وكل ما كان ينتصب كالحائط والعود قيل فيه " عوج " بالفتح ، والعوج - بالكسر - ما كان في أرض أو دين أو معاش ، يقال : في دينه عوج . اهـ .

وقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل عوجا بالسكت على الألف المبدلة من التنوين سكتة يسيرة من غير تنفس ، إشعارا بأن قيما ليس متصلا بـ عوجا في المعنى ، بل للإشارة إلى أنه منصوب بفعل مقدر ، أي جعله قيما كما قدمنا .

وقرأ أبو بكر عن عاصم من لدنه بإسكان الدال مع إشمامها الضم ، وكسر النون والهاء ووصلها بياء في اللفظ ، وقوله : ويبشر المؤمنين الذين [ 18 \ 2 ] ، قرأه الجمهور بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشددة ، وقرأه حمزة والكسائي " يبشر " بفتح الياء وإسكان الباء الموحدة وضم الشين .
قوله تعالى : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا .

اعلم أولا أن لفظة " لعل " تكون للترجي في المحبوب ، وللإشفاق في المحذور ، واستظهر أبو حيان في البحر المحيط أن " لعل " في قوله هنا : فلعلك باخع نفسك للإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم به .

وقال بعضهم : إن " لعل " في الآية للنهي . وممن قال به العسكري ، وهو معنى كلام ابن عطية كما نقله عنهما صاحب البحر المحيط .

وعلى هذا القول فالمعنى : لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم . وقيل : هي في الآية للاستفهام المضمن معنى الإنكار . وإتيان " لعل " للاستفهام مذهب كوفي معروف .

وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى " لعل " أن المراد بها في الآية النهي عن الحزن عليهم .

وإطلاق " لعل " مضمنة معنى النهي في مثل هذه الآية أسلوب عربي يدل عليه سياق الكلام .

ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ذلك كثرة ورود النهي صريحا عن ذلك ; كقوله : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات [ 35 \ 8 ] ، وقوله : ولا تحزن عليهم [ ص: 202 ] [ 16 \ 127 ] ، وقوله : فلا تأس على القوم الكافرين [ 5 \ 68 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، وخير ما يفسر به القرآن القرآن .

والباخع : المهلك ; أي مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم ، ومنه قول ذي الرمة :


ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر


كما تقدم .

وقوله : على آثارهم ، قال القرطبي : " آثارهم " جمع أثر ، ويقال إثر . والمعنى : على أثر توليهم وإعراضهم عنك .

وقال أبو حيان في البحر : ومعنى " على آثارهم " : من بعدهم ، أي بعد يأسك من إيمانهم ، أو بعد موتهم على الكفر ، يقال : مات فلان على أثر فلان ; أي بعده .

وقال الزمخشري : شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به ، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم - برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم ، وتلهفا على فراقهم . والأسف هنا : شدة الحزن . وقد يطلق الأسف على الغضب ; كقوله : فلما آسفونا انتقمنا منهم [ 43 \ 55 ] .

فإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة فاعلم أن ما ذكره فيها جل وعلا من شدة حزن نبيه صلى الله عليه وسلم عليهم ، ومن نهيه له عن ذلك مبين في آيات أخر كثيرة ، كقوله : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات [ 35 \ 8 ] ، وكقوله : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ 26 \ 3 ] ، وكقوله : ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين [ 15 \ 88 ] ، وكقوله : فلا تأس على القوم الكافرين [ 5 \ 68 ] ، وكقوله : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون [ 6 \ 33 ] ، وكقوله : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون [ 15 \ 97 ] كما قدمناه موضحا .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]