
18-02-2022, 12:25 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,684
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (88)
صــ461 إلى صــ 465
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ . وَمَعْنَى الْآَيَةِ: أَنَّهُمْ رَغِبُوا فِي مُعَامَلَةِ اللَّهِ ، فَلَمْ يَبْطُرُهُمُ الرَّخَاءُ فَيُنْسِيهِمْ ، وَلَمْ تَمْنَعْهُمُ الضَّرَّاءُ فَيَبْخَلُوا .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ: كَظَمْتُ الْغَيْظَ: إِذَا [ ص: 461 ] أَمْسَكْتَ عَلَى مَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ ، وَكَظَمَ الْبَعِيرُ عَلَى جَرَّتِهِ: إِذَا رَدَّدَهَا فِي حَلْقِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْأَصْلُ فِي الْكَظْمِ: الْإِمْسَاكُ عَلَى غَيْظٍ وَغَمٍّ . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ جُرْعَةً أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى" .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فِيهِ قَوْلَانِ
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْعَفْوُ عَنِ الْمَمَالِيكِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالرَّبِيعُ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، فَهُمْ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَمُقَاتِلٌ .
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهَ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ إِلَى نَبْهَانَ التَّمَّارِ تَشْتَرِي مِنْهُ تَمَرًا فَضَمَّهَا ، وَقَبَّلَهَا ، ثُمَّ نَدِمَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
[ ص: 462 ] . وَالثَّانِي: أَنَّ أَنْصَارِيًّا وَثَقَفِيًّا آَخَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهَا ، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، فَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ يَتَعَهَّدُ أَهْلَ الثَّقَفِيِّ ، فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَبْصَرَ الْمَرْأَةَ قَدِ اغْتَسَلَتْ وَهِيَ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا ، فَدَخَلَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ; فَذَهَبَ لِيَلْثِمَهَا فَوَضَعَتْ كَفَّهَا عَلَى وَجْهِهَا فَقَبَّلَهُ ثُمَّ نَدِمَ ، فَأَدْبَرَ رَاجِعًا ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ خُنْتَ أَمَانَتَكَ ، وَعَصَيْتَ رَبَّكَ ، وَلَمْ تُصِبْ حَاجَتَكَ: قَالَ: فَخَرَجَ يَسِيحُ فِي الْجِبَالِ ، وَيَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَنْبِهِ . فَلَمَّا قَدِمَ الثَّقَفِيُّ أَخْبَرَتْهُ الْمَرْأَةُ بِفِعْلِهِ ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتَّى دُلَّ عَلَيْهِ ، فَنَدِمَ عَلَى صَنِيعِهِ فَوَافَقَهُ سَاجِدًا يَقُولُ: ذَنْبِي ذَنْبِي ، قَدْ خُنْتُ أَخِي فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانٌ انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْأَلْهُ عَنْ ذَنْبِكَ ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجًا ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ بِتَوْبَتِهِ ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَذَكَرَهُ مُقَاتِلٌ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَّا! كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَذْنَبَ ، أَصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذُنُوبِهِ مَكْتُوبَةً فِي عَتَبَةِ بَابِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ" فَقَرَأَ هَذِهِ الْآَيَةَ ، وَالَّتِي قَبْلَهَا ، هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ . وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذِهِ الْآَيَةُ نَعْتٌ لِلْمُنْفِقِينَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ؟ أَمْ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَعْتٌ لَهُمْ قَالَهُ الْحَسَنُ .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لِصِنْفٍ آَخَرَ ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .
وَالْفَاحِشَةُ الْقَبِيحَةُ وَكُلُّ شَيْءٍ جَاوَزَ قَدْرَهُ ، فَهُوَ فَاحِشٌ . وَفِي الْمُرَادِ بِهَا هَاهُنَا قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا الزِّنَى . قَالَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا كُلُّ كَبِيرَةٍ ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ .
[ ص: 463 ] وَاخْتَلَفُوا فِي "الظُّلْمِ" الْمَذْكُورِ بَعْدَهَا ، فَلَمْ يُفَرِّقْ قَوْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَاحِشَةِ ، وَقَالُوا: الظُّلْمُ لِلنَّفْسِ فَاحِشَةٌ أَيْضًا ، وَفَرَّقَ آَخَرُونَ ، فَقَالُوا: هُوَ الصَّغَائِرُ . وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَكَرُوا اللَّهَ) قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذِكْرُ اللِّسَانِ ، وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٌ فِي آَخَرِينَ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذِكْرُ الْقَلْبِ ، ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا: أَنَّهُ ذِكْرُ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذِكْرُ السُّؤَالِ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ .
وَالثَّالِثُ: ذِكْرُ وَعِيدِ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى مَا أُتُوا ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَالرَّابِعُ: ذِكْرُ نَهْيِ اللَّهِ لَهُمْ عَنْهُ .
وَالْخَامِسُ: ذِكْرُ غُفْرَانِ اللَّهِ: ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .
فَأَمَّا الْإِصْرَارُ ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ . وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُرَادِ بِالْإِصْرَارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُوَاقَعَةُ الذَّنْبِ عِنْدَ الِاهْتِمَامِ بِهِ . وَهَذَا مَذْهَبُ مُجَاهِدٍ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِغْفَارٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ قَتَادَةَ ، وَابْنِ إِسْحَاقَ .
[ ص: 464 ] . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَرْكُ الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ السُّدِّيِّ . وَفِي مَعْنَى (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِصْرَارَ يَضُرُّ ، وَأَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى مِنَ التَّمَادِي ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ .
وَالثَّانِي: يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو عِمَارَةَ .
وَالثَّالِثُ: يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا ، قَالَهُ السُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ .
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ ص: 465 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) السُّنَنُ: جَمْعُ سُنَّةٍ ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ . وَفِي مَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا: قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ أَهْلُ سُنَنٍ وَشَرَائِعَ ، فَانْظُرُوا مَاذَا صَنَعْنَا بِالْمُكَذِّبِينَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَالثَّانِي: قَدْ مَضَتْ قَبْلَكُمْ سُنَنُ اللَّهِ فِي إِهْلَاكِ مَنْ كَذَّبَ مِنَ الْأُمَمِ ، فَاعْتَبِرُوا بِهِمْ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٌ . وَفِي مَعْنَى (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ: إِذَا سِرْتُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ ، عَرَفْتُمْ أَخْبَارَ الْهَالِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّفَكُّرُ . وَمَعْنَى: فَانْظُرُوا: اعْتَبِرُوا ، وَالْعَاقِبَةُ: آَخِرُ الْأَمْرِ .
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : هَذِهِ الْآَيَةُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ "آَلِ عِمْرَانَ" وَفِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِـ"هَذَا" قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَرَحَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ . وَالْبَيَانُ: الْكَشْفُ عَنِ الشَّيْءِ ، وَبَانَ الشَّيْءُ: اتَّضَحَ ، وَفُلَانٌ أَبْيَنُ مِنْ فُلَانٍ ، أَيْ: أَفْصَحُ . قَالَ الشَّعْبِيُّ: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ مِنَ الْعَمَى ، وَهُدًى مِنَ الضَّلَالَةِ ، وَمَوْعِظَةٌ مِنَ الْجَهْلِ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|