
17-02-2022, 06:18 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,628
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (206)
سُورَةُ الإسراء(23)
صـ 116 إلى صـ 120
وقال أبو داود أيضا في سننه : حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي ، ثنا عيسى بن يونس ، عن محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " دية المعاهد نصف دية الحر " . قال أبو داود : ورواه أسامة بن زيد الليثي ، [ ص: 116 ] وعبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب مثله اه .
وقال النسائي في سننه : أخبرنا عمرو بن علي قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن راشد ، عن سليمان بن موسى . . - وذكر كلمة معناها - عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى " أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : أخبرني أسامة بن زيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عقل الكافر نصف عقل المؤمن " .
وقال ابن ماجه رحمه الله في سننه : حدثنا هشام بن عمار ، ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن عياش ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين ، وهم اليهود والنصارى " . وأخرج نحوه الإمام أحمد ، والترمذي ، عن عمرو ، عن أبيه ، عن جده .
قال الشوكاني في " نيل الأوطار " : وحديث عمرو بن شعيب هذا حسنه الترمذي ، وصححه ابن الجارود . وبهذا تعلم أن هذا القول أولى من قول من قال : دية أهل الذمة كدية المسلمين ; كأبي حنيفة ومن وافقه . ومن قال : إنها قدر ثلث دية المسلم . كالشافعي ومن وافقه . والعلم عند الله تعالى .
واعلم أن الروايات التي جاءت بأن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم ضعيفة لا يحتج بها ، وقد بين البيهقي رحمه الله تعالى ضعفها في " السنن الكبرى " ، وقد حاول ابن التركماني رحمه الله في حاشيته على سنن البيهقي أن يجعل تلك الروايات صالحة للاحتجاج ، وهي ليس فيها شيء صحيح .
أما الاستدلال بظاهر قوله تعالى : ودية مسلمة إلى أهله [ 4 \ 92 ] ، فيقال فيه : هذه دلالة اقتران ، وهي غير معتبرة عند الجمهور ، وغاية ما في الباب : أن الآية لم تبين قدر دية المسلم ولا الكافر ، والسنة بينت أن دية الكافر على النصف من دية المسلم ، وهذا لا إشكال فيه .
أما استواؤهما في قدر الكفارة فلا دليل فيه على الدية ، لأنها مسألة أخرى .
والأدلة التي ذكرنا دلالتها أنها على النصف من دية المسلم أقوى ، ويؤيدها : أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم : " وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل " فمفهوم [ ص: 117 ] قوله " المؤمنة " أن النفس الكافرة ليست كذلك ، على أن المخالف في هذه الإمام أبو حنيفة رحمه الله ، والمقرر في أصوله : أنه لا يعتبر دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة كما هو معلوم عنه . ولا يقول بحمل المطلق على المقيد ، فيستدل بإطلاق النفس عن قيد الإيمان في الأدلة الأخرى على شمولها للكافر ، والقول بالفرق بين الكافر المقتول عمدا فتكون ديته كدية المسلم ، وبين المقتول خطأ فتكون على النصف من دية المسلم ، لا نعلم له مستندا من كتاب ولا سنة ، والعلم عند الله تعالى .
وأما دية المجوسي : فأكثر أهل العلم على أنها ثلث خمس دية المسلم ; فهي ثمانمائة درهم ، ونساؤهم على النصف من ذلك .
وهذا قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأكثر أهل العلم ; منهم عمر وعثمان ، وابن مسعود رضي الله عنهم ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعطاء ، وعكرمة ، والحسن ، وإسحاق .
وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه قال : ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي .
وقال النخعي ، والشعبي : ديته كدية المسلم ، وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله .
والاستدلال على أن دية المجوسي كدية الكتابي بحديث : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " لا يتجه ، لأنا لو فرضنا صلاحية الحديث للاحتجاج ، فالمراد به أخذ الجزية منهم فقط ، بدليل أن نساءهم لا تحل ، وذبائحهم لا تؤكل اه .
وقال ابن قدامة في " المغني " : إن قول من ذكرنا من الصحابة : إن دية المجوسي ثلث خمس دية المسلم ، لم يخالفهم فيه أحد من الصحابة فصار إجماعا سكوتيا . وقد قدمنا قول من قال : إنه حجة .
وقال بعض أهل العلم : دية المرتد إن قتل قبل الاستتابة كدية المجوسي ، وهو مذهب مالك . وأما الحربيون فلا دية لهم مطلقا . والعلم عند الله تعالى .
الفرع السابع : اعلم أن العلماء اختلفوا في موجب التغليظ في الدية ، وبم تغلظ ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تغلظ بثلاثة أشياء : وهي القتل في الحرم ، وكون المقتول محرما بحج أو عمرة ، أو في الأشهر الحرم ; فتغلظ الدية في كل واحد منها بزيادة ثلثها .
[ ص: 118 ] فمن قتل محرما فعليه دية وثلث ، ومن قتل محرما في الحرم فدية وثلثان ، ومن قتل محرما في الحرم في الشهر الحرام فديتان .
وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله ، وروي نحوه عن عمر ، وعثمان ، وابن عباس رضي الله عنهم ; نقله عنهم البيهقي وغيره .
وممن روى عنه هذا القول : سعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وطاوس ، والشعبي ، ومجاهد ، وسليمان بن يسار ، وجابر بن زيد ، وقتادة ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وغيرهم ; كما نقله عنهم صاحب المغني .
وقال أصحاب الشافعي رحمه الله : تغلظ الدية بالحرم ، والأشهر الحرم ، وذي الرحم المحرم ، وفي تغليظها بالإحرام عنهم وجهان .
وصفة التغليظ عند الشافعي : هي أن تجعل دية العمد في الخطأ ، ولا تغلظ الدية عند مالك رحمه الله في قتل الوالد ولده قتلا شبه عمد ; كما فعل المدلجي بأبيه ، والجد والأم عنده كالأب .
وتغليظها عنده : هو تثليثها بكونها ثلاثين حقة ، وثلاثين جذعة ، وأربعين خلفة في بطونها أولادها ، لا يبالي من أي الأسنان كانت ، ولا يرث الأب عنده في هذه الصورة من دية الولد ولا من ماله شيئا .
وظاهر الأدلة أن القاتل لا يرث مطلقا من دية ولا غيرها ، سواء كان القتل عمدا أو خطأ .
وفرق المالكية في الخطأ بين الدية وغيرها ، فمنعوا ميراثه من الدية دون غيرها من مال التركة . والإطلاق أظهر من هذا التفصيل ، والله أعلم .
وقصة المدلجي : هي ما رواه مالك في الموطأ ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرو بن شعيب : أن رجلا من بني مدلج يقال له " قتادة " حذف ابنه بالسيف ; فأصاب ساقه فنزى في جرحه فمات ، فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب ، فذكر ذلك له ، فقال له عمر : أعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك ، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة ، وثلاثين جذعة ، وأربعين خلفة ، وقال : أين أخو المقتول ؟ قال : هاأنذا . قال : خذها ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس لقاتل شيء " .
الفرع الثامن : اعلم أن دية المقتول ميراث بين ورثته ; كسائر ما خلفه من تركته .
[ ص: 119 ] ومن الأدلة الدالة على ذلك ، ما روي عن سعيد بن المسيب : أن عمر رضي الله عنه قال : الدية للعاقلة ، لا ترث المرأة من دية زوجها ، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها . رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي وصححه . ورواه مالك في الموطأ من رواية ابن شهاب عن عمر ، وزاد : قال ابن شهاب : وكان قتلهم أشيم خطأ . وما روي عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه . روي نحوه عن المغيرة بن شعبة وزرارة بن جري . كما ذكره الزرقاني في شرح الموطأ .
ومنها ما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده : أن النبي صلى الله عليه وسلم " قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم " رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، وقد قدمنا نص هذا الحديث عند النسائي في حديث طويل .
وهذا الحديث قواه ابن عبد البر ، وأعله النسائي ; قاله الشوكاني . وهو معتضد بما تقدم وبما يأتي ، وبإجماع الحجة من أهل العلم على مقتضاه .
ومنها ما رواه البخاري في تاريخه عن قرة بن دعموص النميري قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وعمي ، فقلت : يا رسول الله ، عند هذا دية أبي فمره يعطنيها . وكان قتل في الجاهلية ، فقال : " أعطه دية أبيه " فقلت : هل لأمي فيها حق ؟ قال : " نعم " ، وكانت ديته مائة من الإبل .
وقد ساقه البخاري في التاريخ هكذا : قال قيس بن حفص : أنا الفضيل بن سليمان النميري قال : أنا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري قال : حدثني قرة بن دعموص ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وعمي - إلى آخر الحديث باللفظ الذي ذكرنا - وسكت عليه البخاري رحمه الله ، ورجال إسناده صالحون للاحتجاج ، إلا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري فلم نر من جرحه ولا من عدله .
وذكر له البخاري في تاريخه ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ترجمة ، وذكرا أنه سمع قرة بن دعموص ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .
وظاهر هذه الأدلة يقتضي أن دية المقتول تقسم كسائر تركته على فرائض الله ، وهو الظاهر ; سواء كان القتل عمدا أو خطأ ، ولا يخلو ذلك من خلاف .
وروي عن علي رضي الله عنه أنها ميراث كقول الجمهور ، وعنه رواية أخرى : أن [ ص: 120 ] الدية لا يرثها إلا العصبة الذين يعقلون عنه ، وكان هذا هو رأي عمر ، وقد رجع عنه لما أخبره الضحاك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياه : أن يورث زوجة أشيم المذكور من دية زوجها .
وقال أبو ثور : هي ميراث ، ولكنها لا تقضي منها ديونه ، ولا تنفذ منها وصاياه . وعن أحمد رواية بذلك .
قال ابن قدامة في " المغني " : وقد ذكر الخرقي فيمن أوصى بثلث ماله لرجل فقتل وأخذت ديته ; فللموصى له بالثلث ثلث الدية ، في إحدى الروايتين .
والأخرى : ليس لمن أوصى له بالثلث من الدية شيء .
ومبنى هذا : على أن الدية ملك للميت ، أو على ملك الورثة ابتداء ، وفيه روايتان : إحداهما أنها تحدث على ملك الميت ، لأنها بدل نفسه ، فيكون بدلها له كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة ، ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحا وليس له إسقاط حق الورثة ، ولأنها مال موروث فأشبهت سائر أمواله . والأخرى أنها تحدث على ملك الورثة ابتداء ; لأنها إنما تستحق بعد الموت وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له ، ويخرج عن أن يكون أهلا لذلك ، وإنما يثبت الملك لورثته ابتداء ، ولا أعلم خلافا في أن الميت يجهز منها . اه محل الغرض من كلام ابن قدامة رحمه الله .
قال مقيده عفا الله عنه : أظهر القولين عندي : أنه يقرر ملك الميت لديته عند موته فتورث كسائر أملاكه ; لتصريح النبي صلى الله عليه وسلم للضحاك في الحديث المذكور بتوريث امرأة أشيم الضبابي من ديته ، والميراث لا يطلق شرعا إلا على ما كان مملوكا للميت ، والله تعالى أعلم .
المسألة السادسة : اختلف العلماء في تعيين ولي المقتول الذي جعل الله له هذا السلطان المذكور في هذه الآية الكريمة في قوله : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الآية [ 17 \ 33 ] .
فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بالولي في الآية : الورثة من ذوي الأنساب والأسباب ، والرجال والنساء ، والصغار والكبار ; فإن عفا من له ذلك منهم صح عفوه وسقط به القصاص ، وتعينت الدية لمن لم يعف .
وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي رحمهم الله تعالى .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|