عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 17-02-2022, 06:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (195)

سُورَةُ الإسراء(12)
صـ 61 إلى صـ 65



قوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .

في قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : وكل إنسان ألزمناه طائره [ 17 \ 13 ] ، وجهان معروفان من التفسير :

الأول : أن المراد بالطائر : العمل ، من قولهم : طار له سهم إذا خرج له ، أي : ألزمناه ما طار له من عمله .

الثاني : أن المراد بالطائر ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة ، والقولان متلازمان ; لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يئول إليه من الشقاوة أو السعادة .

فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم : أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال ، وكلها حق ، ويشهد له قرآن ، فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من القرآن ، لأنها كلها حق ، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن .

أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله ، فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جدا ; كقوله تعالى : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به الآية [ 4 \ 123 ] ، وقوله : إنما تجزون ما كنتم تعملون [ 66 \ 7 ] ، وقوله تعالى : ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه [ 84 \ 6 ] ، وقوله : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [ 41 \ 46 ] ، وقوله : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [ 99 \ 7 ، 8 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا .

وأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة ، فالآيات الدالة على ذلك أيضا كثيرة ; كقوله : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن [ 64 \ 2 ] ، وقوله : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة [ 7 \ 30 ] ، وقوله : فريق في الجنة وفريق في السعير [ 42 \ 7 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : في عنقه [ 17 \ 13 ] ; أي : جعلنا عمله ، أو ما سبق له من شقاوة في عنقه ، أي : لازما له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه ، ومنه قول العرب : تقلدها طوق الحمامة ، وقولهم : الموت في الرقاب ، وهذا الأمر ربقة في رقبته ، [ ص: 61 ] ومنه قول الشاعر :


اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامة


فالمعنى في ذلك كله : اللزوم وعدم الانفكاك .

وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا [ 17 \ 13 ] ، ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة في كتاب يلقاه منشورا ، أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره .

وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشورا في آيات أخر ، فبين أن من صفاته : أن المجرمين مشفقون ; أي خائفون مما فيه ، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضرا ليس منه شيء غائبا ، وأن الله جل وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئا ، وذلك في قوله جل وعلا : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [ 18 \ 49 ] .

وبين في موضع آخر : أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم - وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابا يسيرا ، ويرجع إلى أهله مسرورا ، وأنه في عيشة راضية ، في جنة عالية ، قطوفها دانية ، قال تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا [ 84 \ 7 - 9 ] ، وقال تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية [ 69 \ 19 - 23 ] .

وبين في موضع آخر : أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته ، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم ، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعا ، وذلك في قوله : وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا‎ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه [ 69 \ 25 - 32 ] [ ص: 62 ] أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار ، ومما قرب إليها من قول وعمل .

وبين في موضع آخر : أن من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير ، ويدعو الثبور . وذلك في قوله : وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا [ 84 \ 10 - 12 ] ، وقوله تعالى : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ 17 \ 14 ] ، يعني أن نفسه تعلم أنه لم يظلم ، ولم يكتب عليه إلا ما عمل ; لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره ، كما قال تعالى : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [ 75 \ 13 ] .

وقد بين تعالى في مواضع أخر : أنه إن أنكر شيئا من عمله شهدت عليه جوارحه ; كقوله تعالى : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [ 36 \ 65 ] ، وقوله : وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [ 41 \ 23 ] ، وقوله جل وعلا : بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره [ 75 \ 14 - 15 ] ، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة القيامة .
تنبيه

لفظة " كفى " تستعمل في القرآن واللغة العربية استعمالين :

تستعمل متعدية ، وهي تتعدى غالبا إلى مفعولين ، وفاعل هذه المتعدية لا يجر بالباء ، كقوله : وكفى الله المؤمنين القتال [ 33 \ 25 ] ، وكقوله : أليس الله بكاف عبده الآية [ 39 \ 36 ] ، وقوله : فسيكفيكهم الله الآية [ 2 \ 137 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

وتستعمل لازمة ، ويطرد جر فاعلها بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية كقوله في هذه الآية الكريمة كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ 17 \ 14 ] ، وقوله تعالى : وكفى بالله وكيلا ، وقوله : وكفى بالله حسيبا ونحو ذلك .

ويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء ، وزعم بعض علماء العربية : أن [ ص: 63 ] جر فاعلها بالباء لازم ، والحق أنه يجوز عدم جره بها ، ومنه قول الشاعر :


عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا


وقول الآخر :


ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا


وعلى قراءة من قرأ : يلقاه ; بضم الياء وتشديد القاف مبنيا للمفعول ، فالمعنى : أن الله يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة ، فحذف الفاعل فبني الفعل للمفعول .

وقراءة من قرأ : يخرج - بفتح الياء وضم الراء مضارع خرج مبنيا للفاعل ، فالفاعل ضمير يعود إلى الطائر بمعنى العمل ، وقوله كتابا حال من ضمير الفاعل ، أي ويوم القيامة يخرج هو ، أي العمل المعبر عنه بالطائر في حال كونه كتابا يلقاه منشورا . وكذلك على قراءة يخرج - بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول - فالضمير النائب عن الفاعل راجع أيضا إلى الطائر الذي هو العمل ، أي يخرج له هو ، أي طائره بمعنى عمله ، في حال كونه كتابا .

وعلى قراءة " يخرج " بضم الياء وكسر الراء مبنيا للفاعل ، فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى ، وقوله كتابا مفعول به ، أي : ويوم القيامة يخرج هو ، أي الله له كتابا يلقاه منشورا .

وعلى قراءة الجمهور منهم السبعة : فالنون في نخرج نون العظمة لمطابقة قوله : ألزمناه و كتابا مفعول به لنخرج كما هو واضح ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من اهتدى فعمل بما يرضي الله جل وعلا ، أن اهتداءه ذلك إنما هو لنفسه ، لأنه هو الذي ترجع إليه فائدة ذلك الاهتداء ، وثمرته في الدنيا والآخرة ، وأن من ضل عن طريق الصواب فعمل بما يسخط ربه جل وعلا ، أن ضلاله ذلك إنما هو على نفسه ، لأنه هو الذي يجني ثمرة عواقبه السيئة الوخيمة ، فيخلد به في النار .

وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة ، كقوله : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها الآية [ 41 \ 46 ] ، وقوله : من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون [ 30 \ 44 ] ، وقوله : قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ [ 6 \ 104 ] ، وقوله : فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل [ 10 \ 108 ] ، [ ص: 64 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا ، وقد قدمنا طرفا منها في سورة " النحل " .

قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى ، بل لا تحمل نفس إلا ذنبها .

فقوله : ولا تزر [ 17 \ 15 ] ، أي لا تحمل ، من وزر يزر إذا حمل ، ومنه سمي وزير السلطان ، لأنه يحمل أعباء تدبير شئون الدولة ، والوزر : الإثم ، يقال : وزر يزر وزرا ، إذا أثم . والوزر أيضا : الثقل المثقل ، أي : لا تحمل نفس وازرة ، أي : آثمة وزر نفس أخرى . أي إثمها ، أو حملها الثقيل ، بل لا تحمل إلا وزر نفسها .

وهذا المعنى جاء في آيات أخر ; كقوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى [ 35 \ 18 ] ، وقوله : ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم الآية [ 6 \ 164 ] ، وقوله : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقد قدمنا في سورة " النحل " بإيضاح : أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم الآية [ 29 \ 13 ] ، ولا قوله : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم الآية [ 16 \ 25 ] ; لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم ، وأوزار إضلالهم غيرهم ; لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ، كما تقدم مستوفى .
تنبيه

يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان :

الأول : ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من " أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " فيقال : ما وجه تعذيبه ببكاء غيره ، إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره ؟

السؤال الثاني : إيجاب دي الخطأ على العاقلة ، فيقال : ما وجه إلزام العاقلة الدية [ ص: 65 ] بجناية إنسان آخر ؟

والجواب عن الأول : هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين :

الأول : أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه ، كما قال طرفة بن العبد في معلقته :


إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يابنة معبد


لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه : فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر ، وذلك من فعله لا فعل غيره .

الثاني : أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ; لأن إهماله نهيهم تفريط منه ، ومخالفة لقوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا [ 66 \ 6 ] فتعذيبه إذا بسبب تفريطه ، وتركه ما أمر الله به من قوله : قوا أنفسكم الآية ، وهذا ظاهر كما ترى .

وعن الثاني : بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل ، ولكنها مواساة محضة أوجبها الله على عاقلة الجاني ; لأن الجاني لم يقصد سوءا ، ولا إثم عليه البتة فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع ، وأوجب المواساة فيها على العاقلة ، ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه مواساة بعض خلقه ، كما أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء ، واعتقد من أوجب الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان ، ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره ، قال : " وأجمع أهل السير والعلم : أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة ، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك . حتى جعل عمر الديوان .

واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به ، وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا زمن أبي بكر ديوان ، وأن عمر جعل الديوان ، وجمع بين الناس ، وجعل أهل كل ناحية يدا ، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو . انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.86 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.93%)]