
تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ آَلِ عِمْرَانَ
الحلقة (77)
صــ406 إلى صــ 410
وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون .
قوله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب) في سبب نزولها قولان . أحدهما: أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار ، فآمنوا ، وإذا كان آخره ، فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب ، وهم أعلم منا ، فينقلبون عن دينهم ، رواه عطية عن ابن عباس . وقال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر حبرا من اليهود ، فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان أول النهار ، واكفروا آخره ، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا ، وشاورنا علماءنا ، فوجدنا محمدا ليس بذلك ، فيشك أصحابه في دينهم ، ويقولون: هم أهل الكتاب ، وهم أعلم منا ، فيرجعون إلى دينكم ، فنزلت هذه الآية . وإلى هذا المعنى ذهب الجمهور . والثاني: أن الله تعالى صرف نبيه إلى الكعبة عند صلاة الظهر ، فقال قوم من علماء اليهود: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار) يقولون: آمنوا بالقبلة التي صلوا إليها الصبح ، واكفروا بالتي صلوا إليها آخر النهار ، لعلهم يرجعون إلى قبلتكم ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، قال مجاهد ، وقتادة ، والزجاج في آخرين: وجه النهار: أوله .
وأنشد الزجاج:
من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار
[ ص: 406 ] يجد النساء حواسرا يندبنه
قد قمن قبل تبلج الأسحار
ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم .
قوله تعالى: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) اختلف العلماء في توجيه هذه الآية على أربعة أقوال . أحدها: أن معناه: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم ، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مما أوتيتم من العلم ، وفلق البحر ، والمن ، والسلوى ، وغير ذلك ، ولا تصدقوا أن يجادلوكم عند ربكم ، لأنكم أصح دينا منهم ، فيكون هذا كله من كلام اليهود بينهم ، وتكون اللام في "لمن" صلة ، ويكون قوله تعالى: (قل إن الهدى هدى الله) كلاما معترضا بين كلامين ، هذا معنى قول مجاهد ، والأخفش . والثاني: أن كلام اليهود تام عند قوله: (لمن تبع دينكم) والباقي من قول الله تعالى ، لا يعترضه شيء من قولهم ، وتقديره: قل يا محمد: إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد ، إلا أن تجادلكم اليهود بالباطل ، فيقولون: نحن أفضل منكم ، هذا معنى قول الحسن ، وسعيد بن جبير . قال الفراء: [ ص: 407 ] معنى "أن يؤتى": أن لا يؤتى . والثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، إلا من تبع دينكم ، فأخرت "أن" وهي مقدمة في النية على مذهب العرب في التقديم والتأخير ، ودخلت اللام على جهة التوكيد ، كقوله تعالى: عسى أن يكون ردف لكم [ النمل: 72 ] أي: ردفكم .
وقال الشاعر:
ما كنت أخدع للخليل بخلة حتى يكون لي الخليل خدوعا
أراد: ما كنت أخدع الخليل .
وقال الآخر:
يذمون الدنيا وهم يحلبونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعل
أراد: يذمون الدنيا ، ذكره ابن الأنباري . والرابع: أن اللام غير زائدة ، والمعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاء به إلا لليهود ، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين ، كان عونا لهم على تصديقه ، قاله الزجاج . وقال ابن الأنباري: لا تؤمنوا أن محمدا وأصحابه على حق إلا لمن تبع دينكم ، مخافة أن يطلع على عنادكم الحق ، ويحاجوكم به عند ربكم . فعلى هذا يكون معنى الكلام: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم ، وقد ذكر هذا المعنى مكي بن أبي طالب النحوي . وقرأ ابن كثير: أان يؤتى بهمزتين ، الأولى مخففة ، والثانية ملينة على الاستفهام ، مثل: أأنتم أعلم . قال أبو علي: ووجهها أن "أن" في موضع رفع بالابتداء ، وخبره: يصدقون به ، أو يعترفون به ، أو يذكرونه لغيركم ، ويجوز أن يكون [ ص: 408 ] موضع "أن" نصبا ، فيكون المعنى: أتشيعون ، أو أتذكرون أن يؤتى أحد ، ومثله في المعنى: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) [ البقرة: 76 ] . وقرأ الأعمش ، وطلحة بن مصرف: أن يؤتى ، بكسر الهمزة ، على معنى: ما يؤتى . وفي قوله تعالى: (أو يحاجوكم عند ربكم) قولان . أحدهما: أن معناه: ولا تصدقوا أنهم يحاجوكم عند ربكم ، لأنهم لا حجة لهم ، قاله قتادة . والثاني: أن معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم على طريق التعبد ، كما يقال: لا يلقاه أو تقوم الساعة ، قاله الكسائي .
قوله تعالى: (إن الفضل بيد الله) قال ابن عباس: يعني النبوة ، والكتاب ، والهدى (يؤتيه من يشاء) لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود من أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم .
يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
قوله تعالى: (يختص برحمته من يشاء) في الرحمة ثلاثة أقوال . أحدها: أنها الإسلام ، قاله ابن عباس ، ومقاتل . والثاني: النبوة ، قاله مجاهد . والثالث: القرآن والإسلام ، قاله ابن جريج .
ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون .
قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار) قال ابن عباس: أودع رجل ألفا ومئتي أوقية من ذهب عبد الله بن سلام ، فأداهما إليه ، فمدحه الله بهذه الآية ، وأودع رجل فنحاص بن عازوراء دينارا ، فخانه . وأهل الكتاب: اليهود . وقد سبق الكلام في القنطار . وقيل: إن "الباء" في قوله: "بقنطار" بمعنى "على" فأما الدينار ، فقرأت على [ ص: 409 ] شيخنا أبي منصور اللغوي ، قال: الدينار فارسي معرب ، وأصله: دنار ، وهو وإن كان معربا ، فليس تعرف له العرب اسما غير الدينار ، فقد صار كالعربي ، ولذلك ذكره الله تعالى في كتابه ، لأنه خاطبهم بما عرفوا . واشتقوا منه فعلا ، فقالوا: رجل مدنر: كثير الدنانير . وبرذون مدنر: أشهب مستدير النقش ببياض وسواد . فإن قيل: لم خص أهل الكتاب بأن فيهم خائنا وأمينا والخلق على ذلك ، فالجواب: أنهم يخونون المسلمين استحلالا لذلك ، وقد بينه في قوله تعالى: (ليس علينا في الأميين سبيل) فحذر منهم . وقال مقاتل: الأمانة ترجع إلى من أسلم منهم ، والخيانة إلى من لم يسلم . وقيل: إن الذين يؤدون الأمانة: النصارى ، والذين لا يؤدونها: اليهود .
قوله تعالى: (إلا ما دمت عليه قائما) قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: دمت ودمتم ، ومت ومتم . وتميم يقولون: مت ودمت بالكسر ، ويجتمعون في "يفعل" يدوم ويموت . وفي هذا القيام قولان . أحدهما: أنه التقاضي ، قاله مجاهد ، وقتادة ، والفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج . قال ابن قتيبة: والمعنى: ما دمت مواظبا بالاقتضاء له والمطالبة . وأصل هذا أن المطالب بالشيء يقوم فيه ، ويتصرف . والتارك له يقعد عنه . [قال الأعشى:
يقوم على الرغم في قومه فيعفوا إذا شاء أو ينتقم
أي: يطالب بالذحل ولا يقعد عنه . قال تعالى: (ليسوا سواء) ] من أهل الكتاب أمة قائمة [ آل عمران: 113 ] . أي: علامة غير تاركه ، وقال تعالى: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت [ الرعد: 33 ] . أي: آخذ لها بما كسبت . والثاني: أنه القيام حقيقة ، فتقديره: إلا ما دمت قائما على رأسه ، فإنه يعترف بأمانته ، فإذا ذهبت ، ثم جئت ، جحدك ، قاله السدي .
قوله تعالى: (ذلك) يعني: الخيانة . والسبيل: الإثم والحرج ، ونظيره ما على [ ص: 410 ] المحسنين من سبيل [ التوبة: 91 ] قال قتادة: إنما استحل اليهود أموال المسلمين ، لأنهم عندهم ليسوا أهل كتاب .
قوله تعالى: (ويقولون على الله الكذب) قال السدي: يقولون: قد أحل الله لنا أموال العرب .
قوله تعالى: (وهم يعلمون) قولان . أحدهما: يعلمون أن الله قد أنزل في التوراة الوفاء ، وأداء الأمانة . والثاني: يقولون الكذب ، وهم يعلمون أنه كذب .
بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين .
قوله تعالى: (بلى) رد الله عز وجل عليهم قولهم: (ليس علينا في الأميين سبيل) بقوله: (بلى) قال الزجاج: وهو عندي وقف التمام ، ثم استأنف ، فقال: (من أوفى بعهده) ويجوز أن يكون استأنف جملة الكلام بقوله: (بلى من أوفى) . والعهد: ما عاهدهم الله عز وجل عليه في التوراة . وفي "هاء" (عهده) قولان . أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى . والثاني: إلى الموفي .
